منوعات

عبد الله عنان.. مؤرخ الأمجاد والنكبات

يعد آل عنان من أشهر وأعرق العائلات المصرية، فنسبهم يصل إلى الفاروق عمر بن الخطاب، ولذا نجدهم حريصين على ختم نسبهم بلقب «العُمَري».

وقد اشتهرت تلك العائلة بتحصيل العلم والانتماء إلى الطرق الصوفية، وقد كتب عن أعلام العائلة القطب الصوفي عبد الوهاب الشعراني. لتلك العائلة ينتسب مؤرخنا الفذ محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن عرفة العناني العُمَري، المولود في السابع من شهر يوليو من العام 1896، ومن حسن حظنا أن مؤرخنا قد كتب مذكراته تحت عنوان «ثلثا قرن من الزمان» ونشرها كتاب الهلال قبل ثلاثين عاماً، وكل ما سأكتبه سيكون نقلًا عن سيرة المؤرخ الذاتية.

الأم العظيمة

ولد عنان بقرية بشلا التابعة لمركز ميت غمر بمحافظة الدقهلية. وكان أبوه حاصلًا على الشهادة الابتدائية، وكانت شهادة مرموقة في ذلك الزمان، وكان أشقاء الأب من المنتسبين للأزهر الشريف. كانت أم عنان أمية لا تقرأ ولا تكتب، لكن حرصها على أن يتعلم ولدها أرقى تعليم ممكن كان عجيبًا، فرغم ثراء آل عنان فإن والد مؤرخنا كان من فرعٍ فى العائلة، حالته المادية بسيطة، وكانت الأم قد ورثت ثمانية عشر فدانًا، ولكن الوصي عليها أكل حقوقها ولم يقدم لها سوى أربعة أفدنة، فراحت الأم تبيعها قيراطًا بعد آخر للإنفاق على تعليم ولدها.

بدأ عنان رحلته التعليمية وهو ابن ثلاث سنوات، فقد ألحقه أبوه بكتاب القرية، فحفظ قصار سور القرآن وتعلم مبادئ القراءة والكتابة. وفي الرابعة من عمره، غادرت الأسرة قرية بشلا لتستقر في القاهرة، ولا يذكر مؤرخنا سببًا لتك المغادرة التي كانت مغامرة كبرى في تلك الأيام. وفي القاهرة تنقلت الأسرة بين الأحياء، وفي كل حي جديد كان عنان يواصل التردد على الكتاتيب لحفظ المزيد من سور القرآن.

حصل عنان على الشهادة الابتدائية من مدرسة العقادين، ثم حصل على الشهادة  الثانوية من المدرسة الخديوية. كان دخل والده المادي لا تتجاوز الثلاثة جنيهات شهريًا، لكنه كان مولعًا بالتعليم فأصر على أن يلتحق ولده الوحيد بمدرسة الحقوق السلطانية. أما الأم العظيمة فقد باعت أرضها كما أسلفنا للغرض ذاته، وعندما حصل عنان على ليسانس الحقوق كانت أمه قد باعت كل أرضها.

عزاء في جروبي

قارئ مذكرات عنان سيلاحظ أن الرجل لا يتعمد الكذب ولا التزوير، ولا يعتمد على تجميل مشاعره، إنه يقول ما يؤمن هو أنه صواب وصحيح، فهو مثلًا لم يذكر قط أنه حفظ القرآن كاملاً ، قال حفظت بعض الأجزاء، ثم هو يخاصم الاشتغال بالسياسة ،فمع كرهه الشديد للاحتلال لكنه لا يمارس السياسة، وهو يقول أن الحادث السياسي الوحيد الذي هزه من الأعماق وملأ عينيه بالدموع كان رؤيته لجنازة مصطفى باشا كامل، ثم هو يقدم اعترافات لا تتفق مع مسلكه العام، يعترف لا متبجحًا ولا متفاخرًا ولا متخلصًا من الشعور بالذنب، إنه يعترف لأن هذا ما حدث، فيقول: إنه شرب الفودكا الروسية مرة فوجدها شديدة الوطأة فلم يعد لمثلها أبدًا، ويقول: إنه كان من عشاق الرقص الإفرنجي وهو يبرع في أداء معظم الرقصات، وكان ينفق بسخاء على الرقص الذي يسميه رياضة الرقص.

مصطفى كامل

والرجل دقيق دقة عجيبة، فهو يذكر الأحداث بساعة ويوم وشهر وسنة وقوعها، وقد صرح بأنه لا يعتمد على ذاكرته التي تبدو حديدية، لكنه يعتمد على يوميات ظل يكتبها على مدار سنوات حياته.

السياسة التي ينفر منها عنان ستطرق بابه بقصة عجيبة حدثت له في أيام دراسته بمدرسة الحقوق التي هى كلية الحقوق الآن. ففي غرفة من غرف المدرسة وجد عنان كومة عظيمة من الخطابات، وكلها مزينة بشريط الحداد الأسود، كان من بين الخطابات خطاب باسم عنان، فتحه فوجد بداخله دعوة لحضور عزاء أحد المحامين، وأسفل اسم الراحل عنوان العزاء.

ذهب عنان إلى العنوان لأداء واجب العزاء فوجد أن العنوان هو مقر محل جروبي الشهير ، ورأى زملاء المدرسة في حالة هرج ومرج وضحك. فعرف منهم أن اليوم كان يوم زيارة سيقوم بها السلطان حسين كامل للمدرسة، وهم لا يريدون أن يكونوا في استقباله كنوع من الاحتجاج على سياسته العرجاء، فقرروا ترك المدرسة خاوية على عروشها.

قامت المدرسة بفصل كل المتغيبين عن استقبال سلطان البلاد، وكانوا معظم الطلاب  ومن بينهم عنان، إلا أن السلطان أصدر عفوًا عنهم فعادوا إلى مواصلة الدراسة.

السلطان حسين كامل

موسوعة لغات

لا يصرح عنان بسر شغفه بتعلم اللغات، مع أن الأمر كان يستحق وقفة منه، فقد تمكن بمهارة من ناصية ست لغات، هى العربية والإنجليزية والفرنسية والألمانية واللاتينية والأسبانية.لماذا كل هذه اللغات وهو الذي عقد العزم على الاشتغال بالمحاماة، فقد كانت تكفيه العربية والإنجليزية أو الفرنسية. ولكن كلا ميسر لما خُلق له، وعنان كان مخلوقًا لدراسات تاريخية لم يسبقه إليها أحد، وتلك اللغات ستكون خير معين له عندما يبدأ التفرغ لدراساته.

  حصل عنان على ليسانس الحقوق في العام 1918 وكان بإمكانه العمل في الإدارة الحكومية أو النيابة العامة، ولكنه قرر عدم الارتباط بأي عمل حكومي ليحتفظ لنفسه بحرية القرار. وبعد عام من بدء عمله بالمحاماة أندلعت ثورة 1919 ليشارك فيها مشاركة بارزة، لأنه رغم قراره بالابتعاد عن السياسة فقد رأى أن الثورة طوق النجاة الوحيدة لكي تنجو الأمة المصرية والعربية من الغرق.

بعد هدوء الأحوال، عاد عنان لممارسة المحاماة في مكتب ببلدته ميت غمر، وهو في مذكراته يسرف في مديح بلدتين، ميت غمر وزفتى، ويقطع أنهما من أجمل بلاد مصر ويعدد القصور والفيلات والمحلات والحدائق التي كانت تزين البلدتين، ولا يفوته تسجيل أسعار السلع والمساكن. فيقول مثلًا إن ثمن عشرين قرص طعمية كان مليمين، وإن أجرة الشقة الكبيرة المحترمة كانت جنيهين فقط.

محمد عبد الله عنان

غواية الاشتراكية

عنان الذي يفر كان من السياسة فرار السليم من الأجرب، عمل على إنشاء أول حزب اشتراكي تعرفه مصر والأمة العربية، كأحد ثمار ثورة مصر عام 1919، وبعد أن تأكدت النخبة المصرية أنه لا نهضة سوى بالتخلص من الاحتلال وسياسة القصر الملكي عبر ممارسات ديمقراطية تكون الأحزاب السياسية هى قائدتها.

تعرف عنان على أحد أفراد الأسرة العنانية وهو الدكتور على عنان الأستاذ بمدرسة دار العلوم، ثم تعرف على الكاتب الشهير سلامة موسى، وقرر الثلاثة إنشاء حزب اشتراكي يدعو للتخلص من الاحتلال وتحسين حياة الشعب، وبالفعل كتب عنان البيان التأسيسي للحزب ونشره بالجرائد، وذهب الثلاثة لمقابلة زعيم الأمة سعد باشا زغلول، الذي بارك إنشاء الحزب

ظلت أمور الحزب تمضي في هدوء، حتى جاء اثنان لينضما اليه، وهما حسني العرابي ومسيو روزنتال الجوهري، وكان الاثنان من أصحاب المعرفة الأكيدة بالشيوعية، لا بالاشتراكية البسيطة التي يعرفها عنان وسلامة موسى، فوجها الحزب بأنشطته تجاه الأحزاب الشيوعية خارج البلاد، وهو الأمر الذي جعل الأمن يراقب الجميع ويضيق عليهم. وهنا قرر عنان الخروج من الحزب وعدم العودة إلى أي نشاط حزبي مرة أخرى.

فى بلاط صاحبة الجلالة

في الفصل الذي خصصه عنان للحديث عن عمله الصحفي، شعرت بالفخر والحسد معًا،لقد كانت الصحافة المصرية شيئًا عظيمًا جدًا، كانت قادرة على إسقاط حكومات منتخبة، وكان كتابها من أمثال طه حسين والعقاد والمازني ومحمد حسين هيكل وأحمد لطفي السيد ومحمود محمد شاكر واحمد حسن الزيات وعبد الوهاب عزام و عبد الله عنان.

عبر وساطة تعرف عنان على رئيس تحرير جريدة السياسة الدكتور محمد حسين هيكل، وتم الاتفاق بين الرجلين على أن يعمل عنان بالجريدة بشرط عدم تورطه في أمر حزبي، خاصة أن الجريدة كانت لسان حال حزب الأحرار الدستوريين. وافق هيكل على شرط عنان وفتح أمامه صفحات الجريدة  ليرصعها بثمار عقله النابه، وقد كانت هذه الجريدة في العام 1924 توزع أربعين ألف نسخة يوميًا.

رأى عنان أن احتفاظه بمكتب المحاماة سيحد من انطلاقته الصحفية فأغلق المكتب وتفرغ للصحافة التي سرعان ما سيصبح من نجومها البارزة . وفي العام 1926 قام عنان بأولى رحلاته فزار فلسطين ولبنان وسوريا والنمسا وتركيا. هذهالرحلة ستكون أهم رحلات عنان الذي لم يكف عن التجول بين قارات العالم، وذلك لسببين:

الأول: أنه أدرك أنه مخلوق للاشتغال بالتاريخ، لأن تأمله لأحوال البلاد التي زارها دفعه لطرح أسئلة شائكة على نفسه، ولا جواب لتلك الأسئلة بدون معرفة ماضي تلك البلاد.

السبب الثاني: رأى عنان ببصيرته بدايات تكوين العصابة الصهيونية في فلسطين، وعندما عاد إلى القاهرة كتب كثيرًا محذرًا من أفخاخ ينصبها الصهاينة لكي يصطادوا فلسطين، وذلك قبل وقوع النكبة باثنتين وعشرين سنة.

هناء النمساوية!

في العام 1930 قرر عنان الزواج، لكنه كان يريد زوجة متعلمة مثقفة متحررة راقية صاحبة مزاج أرستقراطي تعينه على ما هو مقدم عليه وتحترم عمله. تلك الشروط لم يجدها عنان في المصريات اللاتي عرفهن، وعندما سافر إلى النمسا وجد هناك عروس المستقبل، إنها فتاة تُدعى يوهانا التى سيمدحها عنان وأسرتها كثيرا.

 تزوج عنان يوهانا وعاد بها إلى القاهرة، وظلت عروسه على اسمها ودينها سبع سنوات ثم أسلمت وعرّبت اسمها ليصبح هناء، وأجادت العربية، وأصبحت ذات نشاط خيري وتعليمي عظيم، وولدت لعنان ثلاثة أبناء، ولدين وبنتًا، وعاش عنان عمره كله متنعمًا بحبها وشاكرًا صدق عونها له.

العودة إلى الجذور

في سنوات ما بعد الزواج من مُحبة مُثقفة قرر عنان العودة إلى جذوره البعيدة، ليصبح مؤرخ الأمجاد والنكبات. في قرارة قلبه كان يشعر أن شيئًا عظيمًا قد هُزم بداخل الشخصية العربية والإسلامية بعد هزيمة المسلمين فى الأندلس ورحيلهم عنها. لقد بنى المسلمون حضارة عظيمة كانت منارة لأوربا ثم خرجوا مهزومين من الأندلس، فما الذي حدث؟

للإجابة عن هذا السؤال كتب عنان موسوعته «دولة الإسلام في الأندلس» من ثمانية أجزاء ويبلغ عدد صفحاتها فوق الأربعة آلاف صفحة، وقد كتبها في خمس وعشرين سنة، وقد ظلت الموسوعة فوق مقدرة القارئ العام إلى أن تكرم مشروع القراءة للجميع وطرحها بسعر رمزي. ولكي ينجز عنان موسوعته فقد زار أسبانيا وبلدان المغرب مرات عديدة حيث جرت الوقائع والأحداث، فدقة الرجل لم تكن تسمح له بأن يكتب غير الذي يعاينه ويعايش حالته.

كل جزء من أجزاء الموسوعة هو رحلة شاقة بين الأمجاد والنكبات، فالمسلم الذي يقرأ الموسوعة يكاد يطير فرحًا وهو يطالع بعينيه كيف تكونت حضارة عظيمة في بلد أوربي كان إلى الأحراش أقرب منه لأي شيء آخر، ثم يقذف عنان بقارئه إلى سابع أرض وهو يتجول معه بين الخرائب والحطام والدمار.

وقد تفرغ عنان للكتابة التاريخية خاصة بعد قيام ثورة يوليو التي ناصبها العداء. لكن رغم موقفه هذا فإنه يذكر أن الرئيس جمال عبد الناصر والوزير كمال الدين حسين قد بعثا إليه ببرقية تعزية عندما توفيت السيدة والدته.

التكريم والرحيل

وقد بلغت أعمال عنان ما بين تأليف إنشاء وترجمة وتحقيق أكثر من ثلاثين كتابًا(*). وقد كرّمته الدولة المصرية ومعظم الدول العربية ومنحته الجوائز والنياشين، وأغلب حالات تكريمه كانت في ظل النظام الناصري الذي يعاديه عنان.

حصل عنان على جائزة الدولة التقديرية في العلوم الاجتماعية، ووسام الجمهورية من الطبقة الأولى، ووسام الكفاءة الفكرية من العاهل المغربي الحسن الثاني،وعضوية مجمع اللغة العربية بالقاهرة، وعضوية نادي القلم الدولي.

 توفي محمد عبد الله عنان عن تسعين عامًا، وكانت وفاته في العشرين من يناير من العام 1986، ولعلَّ تاريخ وفاته يسجل مفارقة من مفارقات حياته، فقد توفي في الشهر ذاته الذي سقطت فيه دولة الإسلام في الأندلس، وكأن القدر أراد أن يربط بين عنان وبين الأندلس في الحياة والممات.

*هوامش:

* أنجز محمد عبد الله العديد من المؤلفات المهمة التي تعتبر علامات فارقة في تاريخ الكتابة العربية. ومن أهم هذه المؤلفات، إلى جانب موسوعة الأندلس:

1ـ مواقف حاسمة في تاريخ الإسلام

2ـ المآسي والصور الغوامض (صور تاريخية بأسلوب قصصي أدبي)

3ـ مأساة مايرلنج: دراسة تاريخية تحليلية مستقاة من الوثائق الامبراطورية النمسوية

4ـ تراجم إسلامية شرقية وأندلسية

5ـ قضايا التاريخ والمحاكمات الكبرى

6ـ ابن خلدون: حياته وتراثه الفكري

7ـ لسان الدين بن الخطيب: حياته وتراثه الفكري

8ـ تاريخ الجامع الأزهر

9ـ تاريخ المؤامرات السياسية

10ـ تاريخ الجمعيات السرية والحركات الهدامة

11ـ الحاكم بأمر الله وأسرار الدعوة الفاطمية

 

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق