فن

عنف المجتمع.. وعنف الدراما.. أيهما يصنع الآخر؟

من جديد تثير قضية شهيد المروءة محمود البنا، الذى راح ضحية بلطجة وعنف محمد راجح الذى أعتاد على  ممارسة عنفه وبلطجته دون رادع مجتمعى أو أخلاقى.. تثير هذه القضية الكثير من الأسئلة المتشابكة حول ظاهرة العنف فى المجتمع المصرى، وعلاقتها بأمور كثيرة، لعل فى مقدمتها السينما والدراما التليفزيونية.. فهل الجانى محمد راجح ومن معه ومن هم مثله أيضا ضحايا لنموذج نمطى كرسته الدراما التليفزيونية والسينمائية فى السنوات الأخيرة عن البطل البلطجى المسيطر الذى يفعل ما يحلو له ثم ينتصر فى النهاية؟

 

 على هذه الخلفية وعما يمكن أن يحدثه الفن من تأثير فى المجتمع تبرز أسئلة عديدة مهمة، فأيهما يصنع الآخر؟ هل الفن يصنع ثقافة المجتمع ويقوده ويؤثر فى تركيبته؟ أم العكس حيث ينقل صناع الفن ما يعايشونه فى مجتمعاتهم ويقدمونه فى صيغة أعمال فنية؟

ومع تزايد مشاهد العنف والبلطجة والقسوة فى المجتمع المصرى يبرز السؤال من جديد: هل تنامي تلك الحالة التى اجتاحت شوارعنا ومدارسنا وحتى منازلنا هو نتيجة تأثير ما تقدمه الدراما – خاصة فى العقد الأخير – من مشاهد قسوة ودم ووحشية فى بعض الأحيان؟ أم أن الفن، سواء السينما أو الدراما التليفزيونية، هو تعبير عن وضع اجتماعى صار شديد القسوة ومليئا بالعنف؟!.

الخارج على القانون

من المؤكد أن السينما المصرية والدراما التليفزيونية خلال تاريخهما لم يميلا للعنف بشكل عام وما قدمه الفن المصرى -خاصة السينما – عبر مائة عام من أعمال تتضمن عنفا لا يمثل سوى إستثناءات من جملة الأفلام التى أنتجتها السينما فى حين لم تشهد الدراما التليفزيونية المصرية أعمالا تتسم بالعنف إلا فى السنوات القليلة الماضية وهذا ما جعل بعض علماء الاجتماع والنقاد الفنيين يُحَمّلون الدراما مسئولية كبيرة تجاه تنامى تلك الظاهرة.

المؤكد أن الأعمال السينمائية التى تفرط فى تقديم مشاهد عنف أو قسوة أو تجميل للشر أو انتصار لقيم البلطجة، والخروج على القانون، لها تأثير خطير على الشباب فى سن المراهقة،

فتقديم شخصية البطل المحبوب لديهم ،وهو يتبنى سلوكيات العنف والفهلوة وتحدى القانون، وفى الوقت نفسه يحقق ثروة هائلة وينجح فى الإفلات من العقاب دون تقديم مبررات درامية حقيقية لهذا البطل تفسر تركيبته النفسية، بل تقديمه فى أحيان كثيرة كنموذج خَير ومحب للناس، ويتمتع بإحترام وهيبة من حوله يجعله فى النهاية أكثر قبولا وجاذبية للشباب المراهق.

وقد عرفت السينما المصرية خلال تاريخها نمط الخارج على القانون فى أفلام من عينة «جعلونى مجرما» و«اللص والكلاب» و «كلمة شرف»، وبعضها قدمت البطل الذى اضطرته ظروفه الاجتماعية وقسوة المجتمع إلى أن يسلك سلوكا عنيفا، لكن صناع  هذه الأعمال كانوا يدركون دوما أن الانتصار لهذه النماذج يمثل خطيئة كبرى فى حق القيم الانسانية وحق المجتمع الذى يتأثر بهم وبأعمالهم.

ورغم أن نجيب محفوظ كان قد استلهم روايته «اللص والكلاب» من قصة حقيقية شغلت مصر فى بداية الستينيات هى قصة السفاح «محمود امين سليمان» الذى كتبت عنه الصحافة المصرية وأطلقت عليه «السفاح». ورغم أن العمل به عدد من جرائم القتل، إلا أنه لم يخرج وقتها مراهق من المجتمع، ليتقمص شخصية البطل «شكرى سرحان» الذى جسد شخصية السفاح -وكان سرحان هو فتى الشاشة فى تلك المرحلة-، وذلك لأن البطل لم يفلت من العقاب، ولم يتحول إلى «دونجوان» تتنافس الفتيات على حبه.

 وفى تلك المرحلة من تاريخ السينما، وما قبلها، أو بعدها، لم تقدم السينما نموذج البلطجى أو السفاح أو اللص بوصفه البطل الذى ينتصر فى النهاية. 

سينما المقاولات والأزمة الاجتماعية

وفى نهاية السبعينيات وبداية الثمانينيات شهدت مصر موجة من أفلام المخدرات والعنف الأقل قسوة مما نراه الآن بكثير، وقد تشابكت مع سينما المقاولات حينذاك، وكان أبطال تلك المرحلة هم جيل من الفنانين بدأ يشق طريق نجوميته مع بدايات السبعينيات، وعلى رأسهم عادل امام وسعيد صالح ويونس شلبى وهياتم ومخرجون منهم حسن  الصيفي مع ظهور منتجين، ليس لهم علاقة بالفن الحقيقى الهادف.

فى تلك المرحلة بدأت مصر تشهد نوعية أخرى من الأفلام التى تقدم أبطالها فى صورة أسطورية، يفعلون كل شىء ولا يعاقبهم أحد، وللأسف فإن تلك الاعمال كانت تصنع بالأساس لتشاهدها الأسرة من خلال الفيديو كاسيت.

سينما البلطجة ودراما العنف

وقد شهدت الألفية الجديدة تطوراً مذهلا فى تقنيات السينما وأدوات الإخراج مما ساهم فى قدرة صناع الفن على تقديم مشاهد العنف بحرفية أعلى، يكاد يصدقها المشاهد فى المقابل صار المجتمع أكثر قسوة وصاغت الأزمة الاقصادية وتردى الأوضاع الاجتماعية علاقات أشد فردية وأنانية مما انعكس على الفن، الذى أعاد انتاج تلك العلاقات من خلال عوالم العشوائيات وثقافتها والمهمشين وأزماتهم والفقراء وأوجاعهم وتحايلهم على الحياة.

وبالطبع فإن نضج صناع الفن ووعيهم ورؤيتهم أمور تحدد مستوى العمل المقدم ورسالته، فهناك من حاول كشف وتعرية المجتمع عبر العشوائيات، كما صنع «خالد يوسف» فى فيلم «حين ميسرة» عام 2007، والذى تعرض لهجوم حاد لما احتواه  من مشاهد قسوة وعنف انسانى وفقر. أما «مروان حامد» فقد قدم فى فيلم «إبراهيم الابيض» -الذى حقق نجاحا كبيرا فى دور العرض- مشاهد قتل ودم عنيفة.

 ثم دخلت الدراما التليفزيونية على الخط خاصة بعد توقف قطاع الانتاج بالتلفزيون المصرى عن الانتاج وترك ساحة الدراما للقطاع الخاص منفردا، وفى اطار البحث عن الربح حاول صناع تلك الدراما التماهى مع سينما «البلطجة» و قدموا عددا من الأعمال التى أثرت بشكل كبير فى المجتمع.. هذا المجتمع الذى صار بالفعل حادا وعنيفا واعتاد على مشاهدة القتل والدم فى الطرقات وفى نشرات الاخبار منذ ثورة 25يناير التى شهدت الكثير من الانفلات الامنى وتعرض الثوار خلالها للعنف فى الميادين.

محمد رمضان.. نجم المرحلة

لكن النموذج الأكثر اثارة للجدل فى ذلك السياق كان تلك الأعمال التى قدمها  -وما زال-الممثل محمد رمضان والتى أدت الى اتهامه من جانب البعض بتخريب ذوق أجيال جديدة من الشباب خاصة وان اعماله تلقى نجاحا كبيرا بينهم وتحقق ايرادات عاليه للغاية فى الوقت الذى ترسخ فيه لقيم العنف والخروج على القانون والأعراف بما يقدمه من أنماط لصورة البطل سواء فى الشكل او السلوك او طريقة الكلام دفعت الشباب الى تقليد ممارساته وأفعاله السينمائية على أرض الواقع

واعتبر البعض أن «رمضان» يتحمل  كثيرا من مسئولية ما شهدته مصر مؤخرا من أحداث عنف خاصة بين الاطفال والمراهقين ولعل آخرها حادث راجح ومحمود البنا.

 وكانت محافظة البحيرة قد شهدت واقعة لا تقل  قسوة عندما قام مراهق بقتل زميلته خشية ان تفضح امره عقب محاولته  التحرش بها

تلك الجرائم وغيرها والتى لم يعتد المجتمع المصرى عليها، ليست فقط التى دفعت الى اتهام الفن بالمسؤلية، لكن انتشار نمط الحياة العنيف الذى يقدمه صناع هذا الفن، والذى يتأثر به الشباب كثيرا.   

على سبيل المثال شهدت قرية الخواجات التابعة لمركز يوسف الصديق بمحافظة الفيوم واقعة مؤسفة نفذها مرتكبوها  وطبقوها حرفيا من مشهد فى مسلسل الاسطورة لمحمد رمضان والذى تم عرضه عام 2016، حيث أجبر بعض الأفراد زوج ابنتهم على ارتداء قميص نوم وطافوا به في شوارع القرية، بعد أن استدرجوه لإجباره على ارتداء ملابس نسائية انتقامًا منه لخوضه في عرض ابنتهم على مواقع التواصل الاجتماعى.

وقد بدأ محمد رمضان رحلته مع تلك النوعية من الأعمال عام 2012 حين قدم مع المخرج علاء الشريف فيلم «الألمانى»، وفى نفس العام قدم مع المخرج إسماعيل فاروق والمنتج محمد السبكى «عبده موتة»، وفى عام 2013 قدم  «قلب الاسد» من اخراج كريم السبكى، وفى 2017 قدم فيلم «جواب اعتقال» للمخرج محمد سامى. كما قدم خلال تلك السنوات أيضا عددا من المسلسلات التلفزيونية التى تدعو للعنف والبلطجة مثل ابن حلال والأسطورة وزلزال.

تملك الدراما التلفزيونية تأثيرا أشد خطورة لأنها تدخل إلى الأسرة مباشرة ورغم محاولات تحديد المستوى العمرى للمشاهدة الإ أن ذلك يبقى مجرد تسجيل موقف لدى اجهزة الرقابة وصناع الدراما ولا يمكن الاعتماد عليه واقعيا.

وقد شهدت السنوات الأخيرة ارتفاعا فى أعداد المشاهد التى تقدم العنف والدم والمخدرات وتصور الخروج على القانون بطولة وتمنح البطل قدرات فائقة فى تجاوز كل الأعراف، وقد عبرت عدة جهات عن قلقها من تزايد عدد المشاهد التى تقدم عنفا صارخا خاصة ضد النساء والاطفال حيث ذكر المجلس القومى للمراة  أن دراما شهر رمضان عن موسم 2016 أحتوت على 1607 مشهد عنف ضد المرأة، وهو ما أكده المجلس الأعلى لتنظيم الاعلام حيث ذكر فى تقريره وجود 984 مخالفة فى 18 مسلسلا، إضافة الى 1934 مشهد عنف فى إجمالى ما تم عرضه.

بين الواقع والدراما

نحن إذن أمام تنامى تلك الظاهرة الفنية التى تجد فى العنف وسيلة لجذب المشاهد خاصة الشباب الصغير الذى يتابع عبر وسائل التواصل الاجتماعى وعالم الانترنت ما يحدث فى العالم، خاصة ما تقدمه السينما الامريكية من عنف وقسوة. ولسنا بصدد السعى لتقييد الابداع بدعوى قيم المجتمع كما يتصور البعض، لكننا فقط بصدد البحث عن فن حقيقى ناضج يقدم قيما جمالية، حتى وإن قدمها من داخل واقع أقل جمالا

ويبدو أننا أمام حقيقة اجتماعية قبل أن نكون أمام محتوى فنى لا يرضى عنه الكثيرون، تلك الحقيقة أننا صرنا فى حياتنا اليومية أكثر عنفا وأنانية وصرنا نشجع على انتشار تلك القيم حتى ونحن نربى أبناءنا.. الفن متهم.. نعم.. لكنه ليس المتهم الوحيد ولا يجب أن يكون هكذا.. فتلك الاوضاع الاجتماعية والاقتصادية وهذا الخواء القيمى والأخلاقى وغياب القدوة الحقيقية، يجعل الأزمة أعمق من مجرد تأثير الفن على واقع كاد أن يصاب بالتصدع الكامل ووصل العطب إلى كثير من مكوناته.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق