منوعات

لبنانيون في قلب مصر.. مصابيح أضاءت ضفاف النيل

«ذاقوا العذاب والاضطهاد في ظل السلطنة العثمانية، فاختاروا مصر للهجرة إليها، لأنها كانت الموئل الطبيعي لهم، وفي رحابها تفتّحت مواهبهم، وفي ظلالها قدموا أرقى ما كانت تحفل بها مؤهلاتهم في كل مجالات الإبداع»… هكذا برر الكاتب والمفكر اللبناني كريم مروّة هجرة عدد كبير من الأدمغة اللبنانية إلى مصر منذ منتصف القرن التاسع عشر، مضيفا: «لو لم تكن مصر كما كانت يوم هاجروا إليها لما كان بوسعهم أن يقدموا تلك الإبداعات في ميادينها المتعددة. فمن المعروف أن مصر هي التي احتضنت في رحابها حركة النهضة العربية في القرن التاسع عشر والتي قدم فيها الرواد الكبار، وفي مقدمتهم عباقرة مصر من أمثال رفاعة الطهطاوي والإمام محمد عبده وقاسم أمين، فكراً جديداً متقدماً».

فتحت مصر التي وصفها المفكر عبد الرحمن الكواكبي بأنها «دار العلم والحرية»، أبوابها لرواد النهضة الشوام الذين فرّوا من بطش السلطات العثمانية. ومع الوقت أصبحت حاضنة لكل صاحب فكر ،حتى ولو كان شاذا أو مخالفا للموروث، وفيها نشر هؤلاء علمهم وأدبهم وفنهم حتى صاروا نجوما متلألئة يهتدى بها.

اقرأ أيضا:

الرواد اللبنانيون في مصر

في كتابه المرجع «الرواد اللبنانيون في مصر في الصحافة والفكر والأدب والفن» الصادر عام 2015 عن «الهيئة العامة للكتاب» حرص كريم مروة أن يقدم نماذج من الرواد اللبنانيين الذين احتضنتهم مصر خلال قرن من الزمان وأثروا صحافتها وفنها وأدبها ، وقد سبقت محاولة مروة محاولات أخرى رصدت دور اللبنانيين والشوام عموما في النهوض بالحضارة العربية انطلاقا من القاهرة، منها محاولة أستاذ التاريخ اللبناني مسعود ضاهر في كتابه «هجرة الشوام الى مصر» الذي كتبه قبل ثلاثة عقود، وأعادت دار «الشروق» نشره في 2009، ومحاولة الكاتب المسرحي فارس يواكيم «ظلال الأرز في وادي النيل» الصادر عن دار «الفارابي» ببيروت عام 2009 أيضا.

يقول مروة عن كتابه إن: «اسهامي في الإضاءة على تراث روادنا اللبنانيين الكبار، ليس إلا استكمالا متواضعا لما كان قد سبقني إليه باحثون مجتهدون من أجل المعرفة، كتابا ومبدعين ومؤرخين ونقادا في الأدب والفن بأجناسهما المختلفة».

يرصد مروة في كتابه نحو 75 رائد لبنانيا شدوا الرحال إلى مصر، «منهم المشهور جداً أو الأقل شهرة،ساهموا في النهوض بالحضارة العربية في أسوأ مراحل انحطاطها، واحيائها بعدما كانت تنوء بعوامل التتريك، وتحت وقائع التخلّف والاستبداد.. هؤلاء ليسوا قلة، لكنهم ليسوا الكل، إنهم الصف الأول في التراتبية، وخلفهم صفوف، وإن البحث عن الجميع واجب، لكنه يحتاج الى جهد كبير».

قضى مروة ثمانية أشهر كاملة في البحث والتفتيش والتنقيب في متون الكتب والمراجع، حتى أنجز كتابه، وعن ذلك يقول:  «تعرفت وأنا أجهد من أجل إنجازه إلى كوكبة رائعة من الرواد اللبنانيين الذين احتضنتهم مصر خلال قرن من الزمن وقدمت لهم كل ما كانوا بحاجة إليه لإنجاز إبداعاتهم في ميدان الصحافة والفكر والأدب والفن».

بدأ مروة كتابه بما يجذب اهتمام القارئ «الصحافة التي أسسها لبنانيون في مصر»، ونالت شهرة واسعة امتدت إلى عقود وبعضها مازال مستمراً، ومنها «الأهرام» و«روز اليوسف» و«الهلال»، والتي أسسها لبنانيون وتناوب على رئاستها وعمل بها شوام ومصريون.

كريم مروة

أهرام آل تقلا

توقف مروة في كتابه عند جريدة «الأهرام» التي أسسها اللبنانيان سليم وبشارة تقلا في الاسكندرية في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، وتعاقب على رئاسة تحريرها بعدهما: اللبناني داوود بركات، الذي جعلها الأوسع انتشاراً والأكبر في عدد الصفحات في الثلث الأول من القرن العشرين، ثم أنطون بك الجميل، ثم عزيز ميرزا قبل أن يتولى رئاسة تحريرها الأستاذ محمد حسنين هيكل ليضعها في صدارة الصحافة العربية قاطبة، في خمسينيات وستينيات القرن الماضي. وكان نجيب كنعان هو آخر لبناني مديراً لتحرير «الأهرام» من 1954 – 1968.

والمطبوعة الثانية التي حظيت باهتمام مروة هي مجلة «المقتطف» التي أصدرها يعقوب صروف وفارس نمر في بيروت عام 1876، ولما قررت إدارة الجامعة الأمريكية وقف المجلة بسبب محاولتها إثبات أن نظرية «النشوء والارتقاء» لداروين لا تتعارض مع ثوابت الأديان والكتب السماوية، قرر الثنائي نقلها إلى مصر ورحبت حكومتها بها، فانتظم صدورها في القاهرة منذ عام 1888 وحتى عام 1952 ،وكانت تصدّر غلافها بعبارة «مجلة علمية صناعية زراعية»، وتسلّم رئاسة تحريرها بعد ذلك فؤاد صروف.

أما مجلة «الهلال» لصاحبها جورجي زيدان الذي اشتهر برواياته عن التاريخ العربي، والتي ظلت تحظى باهتمام اليافعين حتى أواخر القرن الماضي، وبمؤلفاته عن تاريخ الشرق. فكانت مجلة القضايا والسجالات والمناقشات، وتعاقب على رئاستها كل من إميل وشكري زيدان، اللذين أصدرا بين أعوام 1924 و1956 مجلات: «المصور»، «كل شيء والدنيا»، «الفكاهة»، «الدنيا المصورة»، «الأبطال»، «الاثنين»، «الكواكب»، «حواء»، و«سمير»، كذلك أصدرا سلسلة «روايات الهلال» الشهرية، ثم «كتاب الهلال».

وبالطبع توقف مروة عند السيدة فاطمة اليوسف ورحلتها من طرابلس إلى القاهرة، وقصة انتقالها من خشبة المسرح وعالم الفن والتمثيل إلى عالم «صاحبة الجلالة»، وتأسيسها أشهر مجلة مصرية «روز اليوسف»، التي جمعت فيها أهم وأبرز الكتاب والصحفيين في زمانهم، مثل محمد التابعي والعقاد ومصطفى أمين وأحمد بهاء الدين وعبد الرحمن الشرقاوي وصلاح حافظ وغيرهم.

ويروي مروة قصة إصدار جريدة «البصير» في الإسكندرية على يد رشيد الشميل، وتوالى على اصدارها شقيقاه سبع وقيصر وابنه شارل، ولم يغفل بالطبع شبلي الشميل الطبيب والأديب والمفكر الذي خاض معارك كثيرة في لبنان والقاهرة، باعتباره أول من بشر بنظرية «النشوء والارتقاء» لداروين.

يستعرض مروة في كتابه الكثير من اللبنانيين، الذين عملوا في الصحافة المصرية وكتبوا فيها، ومنهم: خليل زينية الذي أصدر لاحقاً مجلة «الراوي»، ثم جريدة «الثبات» في بيروت، ومجلة «المرآة» في القاهرة. وعبده بدران الذي أصدر «الصباح» و«لسان العرب». وأمين حداد. وطانيوس عبده الذي أنشأ جريدة «الرقيب» مع حنا النقاش، و«فصل الخطاب» و«الشرق». وسليم سركيس الذي أصدر «المشير» الاسبوعية، و«المرأة الحسناء» باسم مستعار هو الآنسة مريم مزهر، وأصدر في لندن جريدة «رجع الصدى»، وفي أمريكا أنشأ «الراوي» و«البستان» ومجلة «سركيس».

ولم يغفل مروة الرائد يوسف الخازن الذي أسّس بالتعاون مع داوود بركات جريدة «الأخبار» الاسبوعية عام 1892، ثم عاود إصدارها يومية، وباعها عام 1902، ليشتري رخصتها الأستاذ أمين الرافعي، ثم آلت ملكيتها إلى الأخوين مصطفى وعلي أمين.وهناك أيضا أديب إسحق وسليم النقاش اللذان أصدرا جريدة «مصر»، ثم جريدة «التجارة» يإيعاز من الشيخ جمال الدين الأفغاني، وقدما أول عروض مسرحية بممثلين محترفين باللغة العربية في مصر.

وتحدث مروة  أيضا عن نجيب متري مؤسس «دار المعارف» في مصر عام 1865، اكثر دور النشر العربية انتشاراً، التي نشرت دواوين ومؤلفات أشهر الشعراء والأدباء. وورث ابنه شفيق المهمة حتى تأميم الدار.

اقرأ أيضا:

من الصحافة إلى الفكر

وإلى جانب كل هذه الأسماء من نجوم الصحافة التي يستعرضها كريم مروة في كتابه، والتي انطلق فكرها من مصر وانتشر،فأضاءت في حقول الفكر واللغة والشعر والفلسفة منذ القرن التاسع عشر،فإنه يتوقف أيضا عند رواد الفكر والسياسة من اللبنانيين والشوام. ومن هولاء أسعد داغر، أحد رموز الحركة الوطنية العربية، وجورج انطونيوس الذي تتلمذ كثيرون من العرب على كتابه «يقظة العرب»، وجميل نخلة المدور.
كما خص مروة رواد الاشتراكية اللبنانيين بصفحات غنية لفكر ناشئ في ذلك الوقت، ومن بين هولاء، نقولا الحداد المفكر الاشتراكي والباحث في علمي الاجتماع والنفس، ورفيق جبور أحد رموز الحركة الشيوعية في مصر، وإلى جانبه المحامي أنطون مارون والنقابي فؤاد الشمالي أحد المؤسسين الأوائل للحزب الشيوعي اللبناني عام 1924، بعد تأسيس الحزب الشيوعي المصري عام 1923، وكان الثلاثة يناضلون دفاعاً عن الطبقة العمالية ويبذرون فكرهم في النقابات وجريدة «النظام» ذات المنحى الشيوعي، وكانوا من طليعة الحركة الاشتراكية.

المسرح والسينما

ومن الصحافة والفكر إلى الفن يرصد مروة عددا من رواد المسرح الذين قدموا من لبنان ،فأسسوا فرقا أخرجت أجيالا من الموهوبين منهم جورج أبيض رائد المسرح العربي الذي تسلّم الراية من آل نقاش،وفي مسرحياته برز بشارة واكيم في التراجيديا قبل أن يشتهر بأدواره الكوميدية، ثم عزيز عيد الذي تنقل في العمل المسرحي بين فرق سليمان القرداحي وجورج أبيض ونجيب الريحاني وروز اليوسف، وجميعهم لبنانيون.

في الاخراج السينمائي برز هنري بركات الذي أخرج أكثر من مئة فيلم نال بعضها جوائز عالمية، وبدأ أعماله مع آسيا داغر التي قدمت عبد السلام النابلسي اللبناني إلى أضواء السينما، وقدمت المخرج يوسف معلوف، كذلك محمد سلمان اللبناني الجنوبي الذي أخرج أربعة وثلاثين فيلما وتزوج من الفنانة نجاح سلام.

أما أشهر المخرجين فكان الراحل يوسف شاهين المصري المولد اللبناني الأصل ،والذي أثارت أفلامه جدلا واسعا وأسس مدرسة في الإخراج لاتزال حاضرة حتى هذه اللحظة، وقدم للسينما الممثل عمر الشريف «ميشيل شلهوب» السكندري المولد اللبناني الأصل.

وإلى جانب هؤلاء برزت أسماء كبيرة في عالم الفن منها أمين وسليم عطا الله في العروض المسرحية الشعبية، ورفائيل جبور الذي اشتهر مديراً للانتاج في أكثر من مئة فيلم.

ومن الرائدات اللبنانيات اللائي ذكرهن مروة فضلا عن فاطمة اليوسف صاحبة «روز اليوسف»، هند نوفل التي أسست مجلة “الفتاة” عام 1892 للدفاع عن حقوق المرأة، وزينب فواز الأديبة الرائدة في حركة تحرير المرأة، ومي زيادة الأديبة الذائعة الصيت وصاحبة أشهر صالون أدبي في القرن العشرين والتي وصفها معاصروها بالنبوغ، ووردة ناصيف اليازجي الأديبة والشاعرة، ولبيبة هاشم الأديبة التي أنشأت مجلة «فتاة الشرق» وجمعية «نهضة السيدات».

ومن رائدات السينما والمسرح ذكر منهن: بديعة مصابني متعددة المواهب وصاحبة الفرقة الفنية الأشهر، وآسيا داغر رائدة تأسيس شركات إنتاج الأفلام السينمائية، ومنتجة أشهر الأفلام المصرية خلال الثلث الثاني من القرن العشرين والتي قدمت مجموعة من المخرجين والممثلين والممثلات، وماري كويني الممثلة السينمائية والمنتجة ابنة شقيقة آسيا داغر، وماري منيب التي بدأت حياتها راقصة ثم عملت في التمثيل المسرحي وانضمت الى فرقتي رمسيس ونجيب الريحاني، حتى صارت علما من إعلام الكوميديا في مصر، وعلوية جميل (اليصابات خليل مجدلاني) التي شاركت في تمثيل تسعين مسرحية في فرقة رمسيس والمسرح القومي، وفي عدد من الأفلام السينمائية، ولور دكاش التي اشتهرت بالغناء وكانت اغنيتها الأشهر «آمنت بالله».

اقرأ أيضا:

أصوات لبنانية

ومن أشهر المطربات اللبنانيات صباح شحرورة الوادي التي غنت وأطربت المنطقة العربية بمئات الأغنيات وشاركت في عشرات الأفلام، وسعاد محمد التي لحن لها أشهر الملحنين ما يقدر بثلاثة آلاف أغنية. ونور الهدى التي أطلق عليها لقب «أم كلثوم لبنان» ولحن لها كبار الملحنين المصريين وشاركت في العديد من الأفلام السينمائية واعتزلت الفن مبكرا، ونجاح سلام التي اشتهرت بالأغنية الشعبية اللبنانية والاغنيات الوطنية المصرية.

كل هذا التراث الغنائي العربي، خصوصاً النسائي منه، يعود الفضل في انتشاره الى شركة «بيضافون» لمؤسسيها جبران وفرج الله بيضا التي انطلقت عام 1914 بتسجيل أغاني سيد درويش وعبد اللطيف البنّا ومنيرة المهدية، وهي الأرشيف الأقدم والأكبر للأغاني العربية القديمة.

اقرأ أيضا:

قدم كريم مروة قاموسا مصغرا للرواد اللبنانيين في مصر، جمع فيه معلومات موثقة عن هؤلاء الرواد من حياتهم إلى مماتهم، فاستطاع أن يسهم في تذكير الأجيال الجديدة بالتاريخ المشترك الذي ربط جبال الأرز بوادي النيل.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق