دار الكتب

لكل المقهورين أجنحة (2).. فلسطين في الابداع العربي

«في هدأة السكون .. في رهبة الحصون .. أصحابنا على الطريق ..الرحب يهتفون .. في الأمطار راجعون .. في الإعصار راجعون .. في الشموس في الرياح في الحقول في البطاح .. راجعون راجعون راجعون .. بالإيمان راجعون للأوطان راجعون .. في الرمال والظلال في الشعاب والتلال .. راجعون راجعون راجعون» من قصيدة «راجعون» للأَخَوَان رحباني «عاصي ومنصور» التي تغنت بها فيروز واستحضرتها الأديبة الناقدة الراحلة رضوى عاشور بكتابها «لكل المقهورين أجنحة .. الأستاذة تتكلم» لتواصل رحلتها مبحرة في عالم الأدب العربي وكيف تمكن الأدباء العرب من طرح القضية الفلسطينية منذ اللحظات الأولى للنكبة عام 1948؟

 

حظيت القضية الفلسطينية بنصيب عظيم من إهتمام رضوى عاشور، سواء كان ذلك من خلال أعمالها الأدبية مثال: «أطياف» (1999) و«الطنطورية» (2010 ) أو من خلال كتاباتها النقدية، لذا لم يكن من المستغرب أن يأتي كتابها «لكل المقهورين أجنحة» محملا بذلك الإهتمام الكبير بتناول القضية الفلسطينية سواء كان  على مستوى تناولها النقدي للأعمال الأدبية التي عنيت بطرح القضية الفلسطينية، أو على مستوى تناول القضية الفلسطينية والصراع العربي الإسرائيلي على أرض الواقع من خلال تقديم شهادتها عن مشاركتها بلجنة الدفاع عن الثقافة القومية خلال الفترة من (1979- 1996)، غير أننا سنكتفي هنا بطرح رؤيتها حول بعض الأعمال الأدبية التي تناولت القضية الفلسطينية.

غسان كنفاني وقضية فلسطين

تتناول رضوى العلاقة بين الأدب العربي والقضية الفلسطينية، مشيرة إلى أن الأدب العربي احتفى كثيرا على إختلاف أنواعه شعراً، قصة قصيرة، رواية، سيرة ذاتية ومسرحاً بالقضية الفلسطينية، فمنذ اللحظات الأولى للنكبة توالت القصائد الشعرية ثم القصص القصيرة فالأعمال المسرحية ثم جاءت الأعمال الروائية والسير الذاتية لتخلّد قصة كفاح الشعب الفلسطيني غير أن رضوى تقف مطولا أمام أعمال غسان كنفاني لتتساءل: لماذا كتب كنفاني المأساة الكبيرة في نصوص روائية قصيرة أقرب إلى «النوفيلا»؟

تجيب رضوى على هذا التساؤل بأنه ربما يرجع السبب فى ذلك إلى أن كنفاني لم يجد حلا لمعضلة كتابة واقع ملحمي مركب ومعقد وشديد الكثافة، سوى عبر إختصاره مستعينا بالمجاز، ذلك أن كل رواية من رواياته جاءت مستندة إلى مجاز تتفرع منه العديد من الدلالات.

«أتعرفين ما هو الوطن يا صفية؟.. الوطن هو ألا يحدث هذا كله» من أقوال غسان كنفاني.

تستشهد رضوى على استخدام كنفاني للمجاز بروايته «رجال في الشمس» (1963) التي تحولت فيما بعد لفيلم سينمائي على يد المخرج توفيق صالح تحت عنوان «المخدوعون» (1972) حيث تنتهي الرواية بموت أبطالها خنقا داخل خزان مغلق بسيارة يقودها سائق معُوق يريد قطع الحدود، إضافة لإستخدام كنفاني التعبير الفلسطينى الشائع «خيمة عن خيمة تفرق» في كلامه عن أم الفدائي في «رواية أم السعد» (1969)، والولد المُختَلَف عليه الذي تركه أبوه وأمه وتبنته عائلة يهودية في رواية «عائد إلى حيفا» (1969).

 كذلك الحال تشي روايات كنفاني الثلاث التي استشهد قبل أن يستكملها وهى: «العاشق والأعمى والأطرش وبرقوق نيسان» بالأسلوب ذاته، حيث يتحول النسيج الممتد لواقع النكبة وتفاصيلها الملحمية المتشابكة بما فيها من مسعى للمقاومة إلى مجاز موفق هنا أو أقل توفيقا هناك وفقا لرضوى عاشور.

إميل حبيبي.. والمتشائل

توقفت رضوى عاشور عند روايتين لإميل حبيبي هما «الوقائع الغريبة في اختفاء سعيد أبي الحسن المتشائل» (1974) ورواية «خرّافية سرايا بنت الغول» (1991) بإعتبارهما الروايتين العربيتين الأهم من وجهة نظرها اللتين تناولتا القضية الفلسطينية والصراع العربي الإسرائيلي.

تشير رضوى إلى ان إميل حبيبي عندما أراد في روايته «المتشائل» الإحاطة بالمأساة الفلسطينية لجأ إلى الكتابة الساخرة، حيث تناول التاريخ الملحمي لشعبه بتصدير شخصية سلبية هزلية أقرب إلى شخصية «جحا» في «حكايات جحا» فقدم «بطلا» مناقضا للبطولة في السمت والسلوك، ودفع بالعناصر الملحمية للحكاية الفلسطينية إلى الخلفية فبدت وكأنها جدارية عظيمة يتحرك عبرها بطل الرواية.

تضيف رضوى: ولما كانت الكتابة الساخرة لا تمجد ولا تعتمد الفخر أداة أو أسلوبا، فقد اعتمد حبيبي على لعبة فنية مدهشة وآسرة حيث قام بتصدير شخصية «الشاطر» بمعناها القديم جنبا إلى جنب اعتماده على العديد من الشخصيات والرموز التي تغذي تلك الجدارية التي كان قد نسجها كخلفية لشخصية البطل.

من جانب آخر اعتمد حبيبي في روايته «المتشائل» على موروث الرسائل في الكتابة العربية الكلاسيكية: «كتب إلى سعيد المتشائل، قال: أبلغ عني …» هنا تؤكد رضوى على أن المخاطَب لم يكن فردا وإنما كان جمهور القراء أو الشعب الفلسطيني أو عموم العرب.

أما الرسالة المضمرة – وفقا لرضوى – فقد تمثلت في أنه إذا كان بطل الرواية ذلك البهلوان المتواطىء استثنائي الخفة، الذي لم يتزوج إلا «الطنطورية.. ابنة المجزرة والمقاومة» ولم ينجب سوى «ولاء» الفدائي المسلح جاءت شخصيته مشتبكة إلى هذا الحد بواقع البطولة والملحمة، فما بالكم بالعاديين الأسوياء من أبناء وبنات شعبه؟

تؤكد رضوى في ختام تناولها لرواية «المتشائل» على إن إميل حبيبي وهو يكتب روايته تلك لم يكن يحكي حكاية شعبه، أو ينتقد حالة متواطئة لأفراد منه فحسب، بل أنه كان – بمعنى ما – يؤكد على أنه إذا كان يمتلك كل هذا الموروث الثقافي وكل تلك الكنوز بأرضه، فمن يستطيع بنهاية المطاف أن ينكر وجوده ووجود شعبه؟

خرافية سرايا بنت الغول

شخصية «سرايا» مستلهمة من حكاية شعبية عن فتاة تدعى «سرايا» اختطفها الغول و قام بسجنها ببرج عالٍ، أتي إليها ابن عمها سعيا لإنقاذها قائلا: «سرايا يا بنت الغول دَلي لي شعرك لأطول».

تتناول رضوى عاشور رواية «خرافية سرايا بنت الغول» لإميل حبيبي متساءلة لماذا لم تحظ تلك الرواية بنفس الزخم الذي حظيت به روايته عن «سعيد المتشائل» على الرغم من كونها لا تقل عنها أهمية هذا إن لم تزد في فنيتها وعمقها وتركيبها؟

تؤكد رضوى عند تناولها لرواية «سرايا بنت الغول» على أن السيرة الذاتية لإميل حبيبي قد تحولت بهذه الرواية إلى نص روائي فيه راوٍ ومروي عنه وشخصيات متخيلة، تلك الشخصيات المتخيلة منحها الكاتب مستويات متعددة من الدلالة الواقعية والأسطورية والمجازية، حيث ترتبط «سرايا» بطفولة الراوي فهى بنت غجرية أحبها الراوي في طفولته، كانت تلك الغجرية تسكن قرب الحدود ومن ثم تمكنت من مساعدة المتسللين على العودة إلى بلادهم بعد النكبة.

أما العم إبراهيم فيمنحه الكاتب مستويات عدة متداخلة، فهو الريفي الموهوب بطريقته المدهشة في حكي العجائب والكثير من الحكايات التي تأسر الصغار، ويقال عن ابنته «سرايا» أن أمها امرأة مصرية قبطية، وقيل أنها كانت مسلمة، وقال البعض أنها كانت يهودية، كما يملك إبراهيم عصا تنتهي بما يشبه مفتاح الحياة المصري القديم، وتنتقل العصا كإرث عائلي للأخ الأكبر في كل جيل.

تضيف رضوى أن إميل حبيبي خلال محاولته فك طلاسم أصوات الحرب تمكن من أن ينتج نصا عجيبا يجمع بين النقائض المختلفة، يسعى لسرد تاريخ حياة إميل الشخصي المولود بحيفا عام 1921 ومن ثم يؤرخ لثقافة مجتمعه المدهشة في تعدديتها وتشابك روافدها، وهو في هذا يمزج بين كل ما هو واقعي وما هو أسطوري، ليخرج بنص أقرب إلى روايات ما بعد الحداثة الشارحة، حيث يصبح النص متأملا لحالة وفعل الكتابة ذاتها.

تتعدد الأصوات برواية «سرايا بنت الغول» بما يفوق كل معتاد أو متوقع وفقا لرضوى عاشور والأصوات هنا ليست أصوات الشخصيات فحسب وإنما هى أصوات محملة بمختلف أشكال التورية والتضمينات والتلميحات والإحالات والرموز والصور: من مصر الفرعونية واليونان القديمة ومن بلاد العرب ما قبل الإسلام، من الشعراء والمؤرخين والمفكرين والجغرافيين والرحالة العرب، أصوات تتداخل وتتفاعل لتنقل للقارىء ثراء التجربة، فتصبح سيرة إميل حبيبي رواية عن فلسطين بمختلف جوانبها الجغرافية والثقافية والحضارية، تأتي فلسطين ممهورة بإطارين، إطار الحرب وإطار الحكاية الشعبية.  

تختتم رضوى تناولها لرواية «سرايا بنت الغول» مؤكدة على أن إميل حبيبي حين يروي سيرته الذاتية بروايته تلك إنما هو يجيب عن سؤال: من هم الفلسطينيون؟ أين هم؟ ومن ثم يجيب بنص يحمل نتاج ثقافة مركبة غنية تعد نقيضا لمشروع الصهيوينة الأحادي المرتكز إلى نقاء التاريخ والعرق والدم.

بالطبع لم يفت رضوى أن تشير إلى بعض الأعمال الروائية لبعض الأدباء المصريين الذين كان لفلسطين حضور مميز فى أعمالهم مثال بهاء طاهر وروايته «حب في المنفى» (1999) وإبراهيم أصلان وقصته القصيرة «بندول من نحاس» (1968) وغيرهم.

يتبع،

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق