منوعات

الجهاديون في غرب البلقان (2).. التحدي الأمني وخطر المقاتلين العائدين

أدريان شتوني – باحث متخصص في قضايا الأمن في غرب البلقان وشرق البحر المتوسط

عرض وترجمة: أحمد بركات

منذ اندلاع الصراع المسلح في سوريا، شهدت مناطق كوسوفو والبوسنة والهرسك ومقدونيا الشمالية أعلى معدلات تعبئة في التنظيمات الجهادية في أوربا قياسا على عدد السكان.

 في الوقت نفسه، بلغت معدلات عودة الجهاديين ذروتها، حيث تفيد بيانات رسمية عودة 460 من مقاتلي دول غرب البلقان العائدين إلى بلادهم من سوريا والعراق، من بينهم 242 إلى كوسوفو وحدها، في الوقت الذي استقبلت فيه بلدان الاتحاد الأوربي مجتمعة، والتي يبلغ تعداد سكانها 500 مليون نسمة، ما يقرب من 1500 من المقاتلين العائدين.

اقرأ أيضا:

الجهاديون في غرب البلقان(1): وحدة المقاتلين الأجانب

موجة عائدين كبرى

تفيد البيانات  أن منطقة غرب البلقان تضم حاليا أعلى نسبة من المقاتلين الأجانب العائدين في أوربا. وتعتلي كوسوفو قمة الرسم البياني بنسبة 134 عائدا لكل مليون مواطن، وتتبعها مقدونيا الشمالية بنسبة 42 عائدا لكل مليون مواطن. في المقابل، استقبلت المملكة المتحدة 6 عائدين «يشكلون خطرا على الأمن القومي» لكل مليون مواطن، كما استقبلت كل من فرنسا وألمانيا 4 عائدين لكل مليون مواطن.

وتتجلى التحديات التي تواجهها دول منطقة غرب البلقان في التعامل مع التداعيات طويلة المدى لهذه الظاهرة على الأمن الاجتماعي والوطني جراء هذه الموجة الكبرى من العائدين، لا سيما إذا أخذنا في الحسبان تواضع الموارد ومحدودية القدرات وقلة الخبرات التي تعانيها دول المنطقة مقارنة بسائر الدول الأوربية. من ناحية أخرى، ربما تتسبب سياسات تجريد المقاتلين الأجانب من المواطنة أو الإقامة الدائمة التي تتبعها عدد من الدول الأوربية بصورة لافتة، في زيادة هذه التعقيدات لدول غرب البلقان، حيث تنتقل بذلك أعباء محاكمة وإعادة تأهيل عشرات العائدين من حاملي الجنسيات المزدوجة إلى كاهل دول لا يتوافر لها ما يؤهلها للاضطلاع بهذا الدور.

 ففي أكتوبر 2018، قامت السلطات في كوسوفو باستقبال مقاتل تابع لتنظيم الدولة الإسلامية من العرق الألباني بصحبة أطفاله الثلاثة من تركيا. ولد هذا المقاتل في ألمانيا لأبوين كانا قد هاجرا إليها من كوسوفو، وقد جاءت هذه الموافقة بعد أن ألغت ألمانيا تصريح إقامته الدائمة برغم أنه عاش حياته كلها في ألمانيا، واعتنق أفكاره الراديكالية بها، وحارب في سوريا مع ما عرف باسم «لواء لوبيرجر» (Lohberger Brigade)، وهي وحدة جهادية يتحدث أعضاؤها باللغة الألمانية. وفي غضون ثلاثة شهور فقط، تم توجيه الاتهام إلى هذا الرجل في كوسوفو، ومحاكمته، وإدانته على أساس «تنظيمه واشتراكه في جماعة إرهابية». وبرغم الحكم عليه بالسجن لمدة خمس سنوات، إلا أن هذا الحكم يرتبط فقط بجريمة الانضمام إلى تنظيم إرهابي دون النظر إلى جرائم أخرى محتملة قام بارتكابها أثناء السنوات الأربعة التي قضاها في القتال في صفوف تنظيم الدولة الإسلامية في سوريا.  

أحكام متساهلة

وبرغم التحديات المعقدة على مستوى الموارد والإمكانات، قامت دول غرب البلقان بمحاكمة عدد كبير من الجهاديين العائدين، وإدانتهم. تأتي كوسوفو في مقدمة هذه الدول عبر 73 محاكمة للعائدين الذكور اعتبارا من بداية عام 2019، أي بما يعادل 6 من كل 10 من العائدين، وهو ما يفوق عدد المحاكمات التي أجريت في سائر دول المنطقة مجتمعة. وعلى سبيل المقارنة، قامت المملكة المتحدة بمحاكمة 1 من كل 10 من الجهاديين العائدين من سوريا من إجمالي حوالي 40 جهاديا. في الوقت نفسه، أصدرت محاكم في مقدونيا الشمالية والبوسنة والهرسك – الدولتين الأخريين اللتين لديهما أكبر عدد من الجهاديين العائدين إلى غرب البلقان – أحكاما بالإدانة ضد 32 و18 – على التوالي – من مواطنيهما من المقاتلين الأجانب.  

رغم ذلك، نظرا لمنظومة إصدار الأحكام المتساهلة عموما في منطقة غرب البلقان، والتي تستند في كثير من الأحيان إلى الإقرار بالذنب، فقد تراوحت أحكام السجن في القضايا المرتبطة بالإرهاب في أغلب الأحوال بين سنة واحدة إلى ست سنوات، مع وجود استثناءات قليلة في حالات المسئولين البارزين عن عمليات التجنيد. على سبيل المثال، كان متوسط العقوبة في القضايا المرتبطة بالإرهاب في كوسوفو هو 3.5  سنوات. ونتيجة لذلك، فقد أطلق فعليا سراح حوالي 40% من المحكوم عليهم في قضايا عمليات إرهابية في السنوات القليلة الماضية. وفي البوسنة والهرسك، ذهب التساهل في الأحكام إلى أبعد من ذلك. ففي إحدى الدعاوى الجنائية، اعترف المتهم الذي يحمل جنسية مزدوجة (بوسنية ونمساوية) بجريمة تقديم دعم مالي بصورة متكررة لتنظيم الدولة الإسلامية، واتفق مع المحكمة على دفع غرامة قدرها 15000 دولار أمريكي بدلا من عقوبة السجن لمدة عام. كما صدر حكم بحق مقاتل أجنبي عائد آخر في نهاية عام 2016 بالسجن لمدة عام واحد بعد إقراره بأن الذهاب إلى سوريا كان خطأ. وإجمالا، فقد أصدرت محكمة النقض في البوسنة الهرسك أحكاما بالسجن لمدة عام واحد و11 شهرا على 25 فردا بسبب ارتكابهم جرائم تتعلق بالإرهاب، بما في ذلك القتال في سوريا.  

وبشكل عام، فإن العقوبات في دول غرب البلقان على الجرائم المتعلقة بالإرهاب تأتي بين أكثر العقوبات تساهلا في أوربا،  حيث بلغ متوسط مدة العقوبة فى دول الإتحاد الأوربى على الجرائم المتعلقة بالإرهاب 5 سنوات فى عام 2017 ارتفع إلى 7 سنوات فى عام 2018، كما لا تقارن بأمريكا. وعلى سبيل المقارنة، فإن متوسط مدة العقوبة على الجرائم الجنائية المرتبطة بتنظيم الدولة الإسلامية في الولايات المتحدة الأمريكية في منتصف عام 2019 بلغ 13.5 عاما. كما تمتلك دول الاتحاد الأوربي الموارد والإمكانات والخبرات العملية اللازمة لتطوير وتطبيق برامج إعادة التأهيل داخل السجون، وبرامج الرعاية اللاحقة بقضاء مدة العقوبة – بما في ذلك المساعدة على الالتحاق بالعمل والتحفيز الاقتصادي والاجتماعي – وهو ما لا يتوافر لدى دول غرب البلقان. وبرغم إحراز تقدم (غير لافت حتى الآن) نحو تنفيذ برامج مهمة لإعادة تأهيل وإعادة دمج المقاتلين الأجانب والنساء والأحداث العائدين، وصياغة استراتيجيات وخطط عمل مفصلة في جميع أنحاء المنطقة، إلا أن عدم كفاية مخصصات التمويل قد أعاق كثيرا تنفيذ هذه البرامج، وقوض تأثيرها.  

شبكات الدعم

من التحديات الأخرى المرتبطة بعودة المقاتلين الأجانب إلى مواطنهم أو مواطن إقاماتهم في منطقة غرب البلقان هو احتمالية عودة البعض بمساعدة شبكات داعمة دون علم السلطات المختصة، أو قدرتهم على التهرب لبعض الوقت من هذه السلطات. على سبيل المثال، في يناير 2017 انتقل مسئول تجنيد في تنظيم الدولة، ولد في كوسوفو ويحمل إقامة دائمة في الولايات المتحدة الأمريكية في وقت سفره إلى سوريا في عام 2013، إلى البوسنة والهرسك باستخدام وثائق سفر مزورة، وتمكن من الاختفاء في سراييفو لمدة ستة أشهر كاملة باستخدام هويات متعددة زائفة قبل أن يتم إلقاء القبض عليه وضبط جوازات سفر من ست دول مختلفة بحوزته. تم تسليم هذا المتهرب إلى الولايات المتحدة الأمريكية في أكتوبر 2017، حيث قامت السلطات هناك بتوجيه الاتهام إليه. وبينما لا يزال سبب انتقاله إلى البوسنة والهرسك غير معروف حتى الآن، إلا أنه قد يواجه حكما بالسجن مدى الحياة في الولايات المتحدة في حال ثبوت التهمة عليه.

تكشف هذه الحالة، وحالات أخرى كثيرة، عن قدرة هؤلاء المقاتلين الأجانب العائدين على التهرب من سلطات إنفاذ القانون، والسفر إلى الخارج، والحصول على وثائق سفر بهويات زائفة. وفي حالات أخرى هرب العائدون الذين يخضعون للإقامة الجبرية  وعادوا مرة أخرى إلى سوريا. وإجمالا، فإن هذه الحالات تكشف بجلاء عن توافر شبكات دعم لوجستي ومالي لهؤلاء الإرهابيين.

(يتبع)

*هذه المادة مترجمة.. يمكن مطالعة النص الأصلي باللغة الإنجليزية من هنا  👉

الوسوم

أحمد بركات

باحث و مترجم مصرى

مقالات ذات صلة

إغلاق