منوعات

توفيق الحكيم: من الهويات القاتلة إلى تلاقي الحضارات

لم تكن علاقة الذات العربية بالعالم الغربى أو حضارات الشرق الأقصى وليدة العصر الحديث، بل تعود إلى ماقبل الإسلام من خلال إمارتى الحيرة والغساسنة، ومع تكون مفهوم الأمة الإسلامية حدث الصدام بين هذه الأمة الناهضة وإمبراطوريتى الفرس والروم، الأمر الذى انتهى بالقضاء عليهما وتثبيت الوجود العربى /الإسلامى فى بلاد العراق والشام وشمال إفريقية، وفى العصر الوسيط بدأت الحملات الصليبية التى فشلت فى تحقيق أهدافها، بعد هزيمتها النهائية فى «حطين» على يد صلاح الدين الأيوبى، ثم كان الزحف التترى الذى تمكن من إسقاط بغداد، ولم يوقف تقدمه إلا الجيش المصرى بقيادة قطز.

من هنا نستطيع أن نقول إن علاقتنا بالآخر كانت – فى أغلبها – علاقة صراعية لكن ذلك لم يمنع التأثيرات الثقافية المتبادلة، خاصة فى عصر ازدهار الثقافة العربية فى ظل الخلافة العباسية دون شعور بتهديد الهوية لأن العرب – فى ذلك العصر – كانوا يتعاملون من موطن القوة وليس الندية فحسب.

مع العصر الحديث اختلف الأمر بعد أن اكتشف المصريون مبلغ تخلفهم باطلاعهم على مظاهر الحداثة التى صاحبت الحملة الفرنسية، ولاشك أن تزامن الاطلاع على هذه المظاهر الحضارية مع الغزو العسكرى قد جعل الموقف المصري والعربى من هذه الحضارة ملتبسا مابين الرفض الصريح للوجه الاستعمارى، والرغبة فى استيعاب أسباب قوته وتقدمه، وقد نتج عن ذلك – كما هو معروف – ثلاثة اتجاهات، أولها الاتجاه الذى يدعو إلى الأخذ بكل مالدى الغرب باعتبار ذلك – وحده – طريق التقدم وكان سلامة موسى وشبلى شميل وفرح أنطون من أشهر ممثلى هذا الاتجاه الذى ظل هامشيا وقليل التأثير فى التوجه الفكرى العام أما الاتجاه الثانى فهو يقف على النقيض، حيث يأخذ موقفا رافضا لكل مايأتى من الغرب بوصفه كفرا أو مؤديا للكفر، يستوى فى ذلك العلوم الإنسانية والعلوم الطبيعية التى من المفترض أن تتجاوز الجنسيات والأديان، ولعلنا لانزال نذكر موقف بعض شيوخ الأزهر من هذه العلوم ورفضهم تدريسها والملاحظ أن هذا الاتجاه قد ازداد قوة وانتشارا بين تنظيمات الإسلام السياسى، إلى درجة تحريمهم التعليم فى المدارس والجامعات الحكومية، لأنها تدرس علوم الغرب الكافر. أما الاتجاه الثالث الذى يمثل الفكر العربى المعتدل، فهو الذى استطاع تمثل علوم التراث والعلوم المعاصرة على السواء، مكونا من المزج بينهما – دون تنافر – تيارا ينأى عن التغريب ومحو الشخصية، كما ينأى عن الانغلاق على الذات والتخلف عن مسيرة الحضارة الحديثة، وقد مثل هذاالمتن الجامع بين الأصالة والمعاصرة كل من الطهطاوى وعلى مبارك وطه حسين والعقاد ومحمد عبده وزكى نجيب محمود وغيرهم.

اقرأ أيضا:

توفيق الحكيم وعبد الناصر و«عودة الوعي المفقود»

رؤية موضوعية

فى إطار هذا الاتجاه الثالث يمكن القول إن الرواية العربية قد اتسمت بالرؤية الموضوعية للحضارة الغربية، وتجاوزت بهذا منطق صراع الحضارات إلى الحوار بينها من خلال معرفة كل طرف بما عند الآخر، وقد مرت الرواية العربية فى تصوير هذه العلاقة بعدة مراحل، يمكن وصف أولاها بمرحلة اللقاء والتفاعل الصحى الذى يقترب من الندية ومن النماذج الدالة على هذا التوجه «تخليص الإبريز فى تلخيص باريز» للطهطاوى و «علم الدين» لعلى مبارك ومع احتلال الإنجليز لمصر ظهرت العلاقة المتوترة حيث تداخل وجه الغرب الاستعمارى مع وجهه الحضارى ومع ذلك لم تتخل الرواية العربية عن موضوعيتها ومن الأعمال التى عبرت عن هذه الرؤية: «أديب» لطه حسين و«عصفور من الشرق» لتوفيق الحكيم و«قنديل أم هاشم» ليحيى حقى.

«العصفور الشرقى»

سافر توفيق الحكيم إلى فرنسا بغرض الحصول على الدكتوراه فى القانون لكنه اتجه إلى دراسة الآداب والفنون وذلك فى الفترة من 1925إلى 1928وكانت فرنسا خارجة من الحرب العالمية الأولى منهكة القوى مديونة لانجلترا وأمريكا تعانى من العجز المالى والغلاء والبطالة وانهيار قيمة الفرنك وبعد عشر سنوات – عام 1938- كتب الحكيم «عصفور من الشرق» متذكرا هذه الأجواء كلها من خلال شخصية محسن الذى يتماهى معه.
محسن وصديقاه: الفرنسى أندريه والروسى إيفان أهم ثلاث شخصيات بالرواية وهم من تتوزع عليهم رؤية الحكيم، فهناك الشرقى الخالص أو العصفور الشرقى – محسن – كما كانوا ينادونه وهناك «أندريه» ممثلا للحضارة الغربية بينما يقع إيفان الروسى بين الشرق والغرب ولعل هذا ما يفسر حيرته وأزمته التى انتهت بموته فى نهاية الرواية وتظل سوزى عاملة التذاكر الفرنسية – بالإضافة إلى أندريه – هى الأكثر تمثيلا لنمط الحياة الغربية فهى كما يصفها السارد «جميلة رشيقة ذكية لكنها حقيقة أنانية لايعنيها غير نفسها واستعباد غيرها»إن صفات سوزى – هنا – تكاد تكون وصفا دقيقا للحضارة الغربية التى تتمتع بجاذبية الجمال والرشاقة والذكاء لكنها فى الوقت نفسه لاترى إلا نفسها ومصالحها ،تمنح الحرية لمواطنيها بينما تستعبد الآخرين وتحتل أوطانهم. إن الحكيم يميز بوضوح بين الوجه الحضارى الذى ينبغى أن نتفاعل معه والوجه الاستعمارى المرفوض منطلقا من تجربته العاطفية السريعة مع سوزى إلى هذه الرؤية الكلية الشاملة.

من الرؤى المتوهمة إلى معرفة الآخر

بدأت الرؤى المتوهَمة عن الآخر وماترتب عليها من صراع «الهويات» القاتلة بتعبيرات أمين معلوف منذ اكتشاف كولومبس لأمريكا حيث نظر إلى السكان الأصليين – الهنود الحمر – بوصفهم «الآخر» الذى لايرقى إلى الصفة الإنسانية كما يقول تودوروف فى «فتح أمريكا.. مسألة الآخر» وقد تكرر الموقف نفسه تقريبا – كما يوضح إدوارد سعيد فى «الاستشراق» – فى الصورة المتوهَمة التى كونها الغربى للشرق المتخلف غير القابل لتبنى قيم العلم والديمقراطية والعقلانية، والغارق فى الخرافات والشهوات والذى لاينصاع إلا بالاستبداد. غير أن الإنصاف يقتضى القول إن بعض مفكرى الغرب قد أنصفوا الحضارة الشرقية وحضارة الآخر بشكل عام ولعل أقربهم – زمنيا – جاك دريدا الذى أكد «ضرورة احترام ثقافة الاختلاف ودراسة المهمشين والأقليات فقد لاحظ أن الفكر الغربى يقوم على الاهتمام بالمماثلة وإقصاء المختلف وكل مايبتعد عن العقل» («إشكالية الأنا والآخر نماذج روائية عربية» د.ماجدة حمود ص24عالم المعرفة مارس 2013)

زاهد الهند وطامع الغرب

لعباس العقاد ثلاثة أبيات أراها أكثر ما قرأت تعبيرا عن رؤية الحكيم فى «عصفور من الشرق» يقول فيها: «زاهد الهند نعى الدنيا وصام / أنا أنعاها ولكن لاأصوم طامع الغرب رعى الدنيا وهام / أنا أرعاها ولكن لاأهيم بين هذين لنا حد قوام / وليلم من كل حزب من يلوم» هذه الأبيات تمثل رؤية الإنسان العربى للحياة فهو ينعاها – مثل زاهد الهند – لكنه يعمرها ويجنى ثمراتها أى أنه يرعاها – مثل طامع الغرب – دون أن يصل إلى حد الهيام بها لأنه يراها جسرا لحياة أخرى أبقى وأهم ولايبعد الحكيم عن هذه الرؤية فهو يرى فى مقدمته لـ«أوديب» «أن الشرقى يعيش دائما فى عالمين ..على حين أن الغربى يعيش فى عالم واحد» ويرى ضرورة الجمع بين العقل الذى يميز الغربى والقلب الذى يتمسك به الشرقى / العربى، فالعقل حركة وشك وتساؤل والقلب يقين وثبات وطمأنينة وكلاهما ضرورى لاستمرار الحياة.
يوسع الحكيم من دلالة القوة الروحية ولايراها قاصرة على الأديان السماوية بل يضيف إليها الفن والحرية والاشتراكية ويراها من «المذاهب الروحية». إن ماساقته الرواية على لسان إيفان من رفض قاطع للغرب لايمثل رؤية الحكيم بحال من الأحوال، وليس أدل على ذلك من أنه كان يحاجج فى هذا الرفض ويراه مبالغا فيه، ولهذا لا أرى مسوغا لقول محمود أمين العالم واصفا الرواية بأنه «لم يجد رؤية أكثر تخلفا من هذا» أو قول غالى شكرى إن «فى الرواية رجعية فجة»، فالرواية عموما جنس حوارى – كما يقول باختين – تقوم على تعدد الرؤى لا أحادية الرؤية.
إن الحكيم رافض – وهذا من حقه بداهة – لمادية الغرب لكن هذا ليس راجعا إلى جهله بهذه الحضارة على عادة الرؤى السلفية المعاصرة التى لا تتعاطى – أساسا – مع كل مايأتى من الغرب. الحكيم يعرف ويجادل ويقبل أشياء ويرفض أخرى وليس فى هذا رجعية فجة أو غير فجة ولنتأمل قوله لإيفان على لسان محسن «أرى أنك تقسو فى الحكم على الغرب يا مسيو إيفان، مهما يكن من أمر فإن أوربا قد وصلت بالعلم البشرى إلى قمم لم يصل إليها» أو قول السارد «ودخل محسن الأوبرا فما تمالك نفسه أن وقف مشدوها، أية عظمة وأى ثراء يُشعرانه بالدوار؟ عندئذ أدرك من فوره معنى مجسما لكلمة الحضارة الغربية، التى بسطت جناحيها على العالم، وتمثلت له تلك الجمهورية التى تخيلها الشعراء والفلاسفة» بل إنه ينتزع – فى نهاية الرواية – اعتراف إيفان بقيمة ماقدمه رموز الحضارة الغربية للبشرية من أمثال: بيتهوفن وموزار ورافاييل وباسكال وسان توماس وكوبرنيقوس وجاليليو ودانتى فيصفهم إيفان بأنهم «زهرات يانعات فى حديقة المسيحية الغناء». وكما يرى محمود العالم فإن الحكيم يبنى رؤيته على وجود «تعارض بين العلم والإيمان، بين الفكر والعمل، بين العقل والقلب… ولاتوازن ولا تعادل فى الحياة بغلبة أحد الطرفين على الآخر» («توفيق الحكيم مفكرا فنانا» محمود أمين العالم ص52قضايا فكرية للنشر والتوزيع 1994) بل إن الحكيم يعد امتدادا لتيار مهم في الفكر الأوربى رافض للمادية عند هكسلى ودوهاميل وشبنجلر.

نقد التقليد الأعمى

لم يذهب الحكيم – إذن – إلى فرنسا بصفة الناقد الناقم الرافض لحضارتها بل بصفة المحاور الراغب فى المعرفة وتقديم رؤية موضوعية للآخر دون أن يقع فى فخ تمجيد الذات الناظرة من أعلى وإلا أصبحنا أمام استشراق معكوس أو «استغراب» متعال بتعبيرات حسن حنفى، فالحكيم يعى مأساة الشرق وأزماته ويرى أن أخطر عيوبه هو التقليد الأعمى للغرب، وربما يكون «الببغاء» الذى أهداه لسوزى رمزا لهذه المحاكاة البلهاء وكذلك قوله «اليوم لايوجد شرق إنما هى غابة على أشجارها قردة تلبس زى الغرب، على غير نظام ولا ترتيب ولا فهم ولا إدراك» إن محسن استطاع – فى نهاية الرواية – أن ينسلخ من أفكار ذلك الروسى المسرفة فى عداء الغرب ومن تصوره الرومانسى الحالم بفضائل الشرق.

حسن حنفي بريشة الفنان «سعد الدين شحاتة»

حضارة عالمية واحدة:

نستطيع – فى النهاية – أن نقول إن رؤية الحكيم تقوم على الإيمان بحضارة إنسانية واحدة تتمايز فيها الثقافات وتتفاعل بندية تفاعلا حرا، بحيث تفيد كل ثقافة من الأخرى دون أن تمحوها كما يبدو فى شخصية محسن – المعادل النصى للحكيم – الذى كان «يتمتع برحابة إنسانية ساعدته على انفتاح منظور رؤيته المؤمنة بحضارة عالمية تأخذ أفضل ما فى الحضارتين.. مما أنتج نصا ينزع إلى تحقيق التوازى بين السياقين الشرقى والغربى» («نسق اللقاء الحضارى بين الشرق والغرب» د.علاء عبد المنعم عالم الفكر ص 169) بل إن الحكيم يتنبأ للرواية – فى مقدمته لطبعة دار الهلال – بإمكانية أن تُعدّل المادية من نفسها لتضيف إليها المثالية الروحية وأن تستطيع المثالية أو الروحية القديمة أن تتجدد وأن تساير العصور الحديثة ولاشك أن الرؤى المستنيرة للدين قد ساعدت كثيرا فى الاقتراب من هذه النبوءة.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: