دار الكتب

لكل المقهورين أجنحة (3-3).. عن إدوارد سعيد ولطيفة الزيات ورفاق الرحلة

«لكل أبناء الرب أجنحة» عنوان لحكاية من الحكايات الشعبية المشهورة في التراث الشعبي الإفريقي- الأمريكي، وهو تراث زاخر، أنتجه الأفارقة من موقعهم المستجد في عالم حُمِلوا إليه قسراً، ليبدأوا فيه حياتهم على خشبة المزاد، ومنها إلى المزارع للعمل سخرة تحت تهديد السياط.. في هذه الحكاية تنبت لكل أبناء المزرعة أجنحة حين تشتد عليهم وطأة القهر»..

في مقدمة كتابها «لكل المقهورين أجنحة.. الأستاذة تتكلم»،تستعرض الأديبة والناقدة الراحلة رضوى عاشور تفاصيل تلك الحكاية كتمهيد للقارىء ،كي يكتشف معها كيف تنبت الأجنحة لكل رفاق رحلتها في الحياة.. من إدورد سعيد ولطيفة الزيات إلى نصر حامد أبو زيد وعبد العظيم أنيس ومحمود أمين العالم وفاطمة موسى وزكي مراد ومرورا بإحسان عباس ونجيب محفوظ وصولا لأيقونة فلسطين ناجي العلي.

رضوى عاشور وكتابها «لكل المقهورين أجنحة.. الأستاذة تتكلم»

قد يتساءل البعض للوهلة الأولى كيف لهؤلاء المبدعين أن يكونوا من المقهورين؟.. في الحقيقة لم تقدم رضوى عاشور أيا من رفاق رحلتها بوصفه ينتمي لفئة المقهورين، بل على العكس من ذلك تماما فقد قدمتهم بوصفهم مبدعين تمكّن الإبداع من أن يمنحهم أجنحة يحلقون بها في فضاء الكون. فنحن أمام كتاب يمنح قارئه وصفة سحرية تمكنه من الوصول لعالم تنبت له فيه أجنحة – سواء كنت من المقهورين أم من المبدعين يمكن أن تنبت لك أجنحة.

الكتاب يستعرض سيرة بعض أعلام الأدب والفكر ممن أثروا الحياة الثقافية في مصر والعالم العربي، غير أننا سنكتفي هنا بإستعراض حياة اثنين فقط من رفاق رحلة رضوى عاشور وهما: إدوارد سعيد ولطيفة الزيات.

اقرأ أيضا:

إدوارد سعيد وصورة المثقف

نشأ إدوارد سعيد في أسرة  فلسطينية تقيم بحي الزمالك في القاهرة، لأب فلسطيني أمريكي، تتردد الأسرة بين الحين والآخر على القدس، لتستقر بعد النكبة بالقاهرة، هنا تؤكد رضوى على أن أسرة سعيد لم تكن تنتمي لمهاجري النكبة بقدر ما كانت تنتمي لمن أطلق عليهم اسم «شوام مصر» الذين اتصفوا بكونهم أكثر «تفرنجا» وقربا من الشرائح العليا من الطبقة الوسطى المصرية.

إدوارد سعيد

تضيف رضوى عن نشأة إدوارد سعيد أنه كان يتحدث باللغتين الدارجتين المصرية والفلسطينية، ومع تعلمه الإنجليزية، تمكن وهو لم يزل مراهقا صغيرا من قراءة عيون الأدب الإنجليزي، وحين سافر إلى الولايات المتحدة الأمريكية لمواصلة تعليمه الثانوي تمكن بفضل تفوقه الدراسي من الإلتحاق بجامعة من أفضل الجامعات الأمريكية، فحصل على الليسانس من جامعة برينستون، ثم انتقل لجامعة هارفارد لمواصلة دراسته العليا ومنها حصل على درجة الدكتوراه عام 1963.

تستعرض رضوى رحلة إدوارد سعيد منذ صدور كتابه الأول عام 1966 تحت عنوان «كونراد ورواية السيرة الذاتية» غير أنها تقف مطولا أمام كتابه الذي حمل عنوان «صورة المثقف» وهو عبارة عن مجموعة من المحاضرات التي كان قد ألقاها عام 1993، بالإذاعة البريطانية في إطار سلسلة «محاضرات ريث»، وهى سلسلة بدأت بمشاركة برتراند راسل عام 1948، وشارك فيها أرنولد توينبي عام 1950 ومن ثم اكتسبت بهذين الاسمين وغيرهما مكانة كبيرة.

وتشير رضوى في معرض تناولها لكتاب «صورة المثقف» إلى ان سعيد قد انتصر لمفهوم المثقف المعارض إذ رأى أن أبرز ما يميز المثقف هو «مواجهة السلطة بالحقيقة»، ومن ثم الإنتصار للضعفاء والمضطهدين.. كما أن دور المثقف وفقا له يتطلب منه إنتاجا فكريا وممارسة عملية.. كمعارض بإمتياز يختار طريق مواجهة الطغاة.

عن الاستشراق

تواصل رضوى عاشور تناولها لكتابات إدوارد سعيد مشيرة إلى أن أبرز ما أنتجه فكريا قد تمثل في ثلاثيته الكبيرة «الاستشراق» (1978)، و«مسألة فلسطين» (1979) و«التغطية الإعلامية للإسلام» (1980) حيث تناول العلاقة بين الغرب الإمبريالي والشرق: العرب والمسلمين، ودور الثقافة والإعلام في ترسيخ الهيمنة الإستعمارية.

تناولت رضوى كتاب «الاستشراق» بوصفه ممثلا لنقلة نوعية في دراسات حقل الإستشراق، ذلك أنه قبل ظهور هذا الكتاب كان يقصد بالاستشراق أنه حقل معرفي يسهم فيه الباحثون في مجالات اللغات الشرقية وفلسفات الشرق وتاريخه.. غير أنه ومع ظهور هذا الكتاب اكتسب المصطلح معنى مغايرا دالا على الإسهامات التي شكلت صورة الشرق بما يمهد للسيطرة الاستعمارية ويتوازى معها ويعزز استمرارها.  

الاستشراق بهذا المعنى هو مؤسسة هائلة لها السلطة والمرجعية فهو مخيلة ونظرة وأسلوب تمثل وتمثيل تتعلق بصاحب النظرة أكثر ما تتعلق بموضوع النظر، إنها معرفة بالآخر تتضمن الوعي بدونيته وتفوق الأنا، كما تتضمن علاقة القوى بينهما.

«الاستشراق» إذن وفقا لقراءة رضوى لكتاب إدوارد سعيد هو نسق معرفي متكامل، جملة من المعارف والممارسات ترسخت في الوعي الغربي على مدى أجيال، حاضرة ونافذة في معاهد العلم، في المتاحف، في الدراسات التاريخية الاقتصادية والاجتماعية واللغوية والأنثروبولوجية والبيولوجية، وفي الروايات والقصائد والخطب البرلمانية وتقارير الموظفين في الإدارات الاستعمارية.

فتح كتاب «الاستشراق» وفقا لرضوى مبحثا جديدا في الدراسات الإنسانية صار يعرف لاحقا باسم الدراسات ما بعد الكولونيالية ومنها النقد ما بعد الكولونيالي، حيث اتجه الباحثون على إختلاف تخصصاتهم إلى دراسة هذا الموضوع، فخرج منهم من طور المفاهيم النظرية التي قدمها سعيد ومنهم من اختلف معه وإن كان قد انطلق من نصه الملهم.

لم يفت رضوى بالطبع أن تتناول علاقة إدوارد سعيد بالقضية الفلسطينية وكتاباته المتعددة عنها والهجوم الشرس الذي تعرض له في أمريكا واتهامه بمعاداة السامية حتى إن البعض قد أطلق عليه «بروفيسور الإرهاب» كما هاجمته السلطة الفلسطينية لإعتراضه على إتفاقيات أوسلو وهو الذي كان قد كتب النسخة الإنجليزية من أول خطاب  فلسطينى في الأمم المتحدة، ذلك الخطاب الشهير الذي ألقاه ياسر عرفات أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة عام 1974.

اقرأ أيضا:

لطيفة الزيات والباب المفتوح

«مساء 21 فبراير 1946.. كانت دور السينما مُضربة وكذلك المحال العامة والأتوبيس والترام، وسيارات البوليس تمر في الشوارع محملة بجنود مسلحين بالبنادق، والمارة قلائل.. يتحدثون».

بهذا المشهد تفتتح رضوى عاشور حديثها عن الكاتبة لطيفة الزيات وروايتها «الباب المفتوح» (1960) مشيرة إلى ان تلك الرواية مثلت علامة فارقة في كتابة المرأة العربية لا لتماسك بنائها وحيوية شخوصها فحسب وإنما لأن الرواية تعمدت أن تُخرج المرأة من الهامش الإجتماعي المحدود الذي كانت تقبع فيه وزجت بها في الحياة العامة والكتابة معا، ومن ثم دفعت بها وبحكاياتها إلى مركز الحدث التاريخي.

تقودنا رضوى من الحديث عن رواية «الباب المفتوح» إلى تناول السيرة الذاتية للطيفة الزيات التي  تصف طفولتها بأنها كانت تلعب وتغني «يا مصر ما تخافيش.. ده كلام كله تهويش.. وأبونا سعد باشا وأمنا صفصف هانم».

تضيف رضوى: حين وصلت لطيفة الزيات إلى الجامعة كان نجم حزب الوفد إلى أفول فشاركت في الحركة الوطنية منتمية إلى إحدى المنظمات الشيوعية (منظمة إسكرا) وحين وصلت الفرقة الرابعة من دارستها الجامعية عام 1946، كانت قد أصبحت قائدة طلابية وانتُخبت في سكرتارية اللجنة الوطنية العليا للطلبة والعمال التي شاركت في تنظيم المظاهرات الطلابية في 9 فبراير ومظاهرات 21 فبراير الأوسع نطاقا، التي حاصرت فيها الشرطة الطلاب على كوبري عباس وأطلقت عليهم النار ومن ثم فتحت الكوبري من أمامهم.

غير أن لطيفة الزيات في روايتها الأولى «الباب المفتوح» لا تروي هذه الواقعة، لكنها  تعود إليها لترويها باقتضاب في سيرتها الذاتية بعد نحو اثنين وأربعين عاما من كتابة روايتها الأولى.

في سيرتها الذاتية التي حملت عنوان «حملة تفتيش: أوراق شخصية» (1992) وفي مختلف كتاباتها تكتب لطيفة الزيات عن الصراع الذي مثل موضوع الكتابة المفضل لديها، كما تكتب عن الحرية، وكيف أن الفعل الإنساني محكوم بجدلية الضرورة والحرية في آن واحد.

تكتب لطيفة الزيات عن تجربة اعتقالها عام 1981، وكيف بات السجن محملا بدلالة مناقضة تماما لما هو على أرض الواقع، حيث يصبح السجن تجربة تشير إلى تحرر الذات عبر مواصلة السعي إلى الحرية والوفاء بمتطلباتها.

تختتم رضوى حديثها عن لطيفة الزيات بالإشارة إلى مشاركتها الفعالة في تأسيس لجنة الدفاع عن الثقافة القومية ونضالها ضد التطبيع مع إسرائيل، وعن روايتها «الباب المفتوح» وكيف صارت كل نصوصها بابا مفتوحا أطلت من خلاله أجيال متعاقبة من الكاتبات العربيات انتسبن إليها وواصلن الطريق.

 

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق