منوعات

الفلاحون في بر مصر (3): النيل وعصر المماليك.. حين فاض النهر وشحّ

في البدء كان النيل.. ثم جاء الطمي والطين الخصيب وانتعشت أعرق حضارة على وجه الأرض، هي الحضارة المصرية.

في البدء كان النيل.. صنع تاريخ مصر وصاغ حياة المصريين، وشيّد حضارتها وأصبغ أرضها بألوان السحر من خصوبته، فعرفت الاستقرار والجمال مبكرا جدا..

حين رآه العرب لأول مرة، تصوروه نابعا من الجنة.. وخُيل لآخرين أنه ينحدر إلى الدنيا من تحت سدرة المنتهى أو من تحت صخرة بيت المقدس..وظنوه حينا رقية ساحر، تشفي من العلل والأمراض.. وتصور آخرون واديه موطنا للسعادة، وأنه ليس به موطئ قدم لشقي تعيس..

وظن بعضهم أن اخضرار مائه في بداية زيادته لأن الوحوش والفيلة في أعالي النيل تهرب من شدة الحر فيه، فتثير طميه وقيعانه!

في هذه الحلقة من سلسلة مقالات «الفلاحون في بر مصر»، نحاول تسليط الضوء على  أوضاع الفلاحين والمصريين عموما مع النيل في فترة حكم المماليك..

فخلال هذه الحقبة ازدهر النيل بصورة استثنائية كمعبر للتجارة الداخلية والخارجية وقت ازدهار حكم المماليك، ولكن في زمن إنهيارهم أصبح النهر مسرحا للقراصنة وقطاع الطرق و«الحرامية»، أي أنه كان مرآة تعكس أوضاع الحكم كما سنرى في السطور التالية..

كاشف الجسور

كانت هناك وظيفة حساسة في الدولة لم يكن يرقى إليها أي «هلفوت» أو موظف صغير، وهي وظيفة كاشف الجسور. فمن بين موظفي الإدارة المركزية في ولاية المماليك كان كاشف الجسور أو «كاشف التراب» يُعين من قبل الأمراء مباشرة، وكانت مهمته الإشراف على «الجسور السلطانية» ذات النفع العام، ويتم دعمها ماليا من الديوان السلطاني.

والجسور عبارة عن سدود ترابية تقام على حافة النهر أو الترع، لحفظ الماء من أن يفيض على الجانبين ويغرق البلاد المحيطة، وعبر هذه الجسور كانت تفتح سدود الترع والخلجان عند تمام الفيضان، فتخترق المياه فيها يمينا ويسارا لتروي الأحواض البعيدة عن مجرى النيل.

لذا كان كاشف الجسور عنصرا مهما في نجاح منظومة الري، يساعده في عمله بالإضافة إلى الفلاحين، مجموعة من الأعوان في مقدمتهم المهندسون، ثم خولي الجسر الذي كان عليه مباشرة العمل الفعلي، وكان له «صبيان» عليهم جمع الأبقار والجراريف من الفلاحين بهدف إقامة الجسور، وكان من الضروري أن يقام «حراس» على الجسور لمراقبتها، حتى لا تقطعها المياه فتغرق البلاد المنخفضة، وتشرق البلاد المرتفعة وبالتالي تبور، ويرجح أيضا تأمينها من عبث العربان الذين ربما قطعوها نكاية في المماليك.

لكن الاعتناء بالجسور لم يستمر بنفس الحماسة طول العصر المماليكي، ففي المراجع كثير من شكاوى المؤرخين من إهمال الجسور، خاصة في نهاية عصر سلاطين المماليك، بعدما أصبحت الحكومة فاسدة لا نفوذ لها.

جنة الأرض

هذا جانب مشرق من حياة المصريين، يرويه واحد من أهم الرحالة الغربيين الذين زاروا مصر في عصر سلاطين المماليك ويدعى «بيلوتي»، استقر فيها مطلع القرن الخامس عشر الميلادي لنحو 40 سنة، وعاصر خلالها خمسة حكام من السلاطين الجراكسة، حيث جاء في عهد السلطان برقوق وانتهى به المطاف في عهد برسباي.

يصف بيلوتي القاهرة وقتها فيقول إنها أكبر مدينة في الدنيا، وهي إحدى المدن السبع الكبرى، أما نيلها فهو «النهر الذي يقال إنه ينبع من الجنة الأرضية، ويعيش الناس على مائه وحصاده وسمكه وفواكهه»، وأنه «واسع جدا قرب القاهرة لدرجة أن الناس تسميه البحر». أما مياهه فهي «أحسن ماء في الدنيا»، ويستطيع الإنسان أن يشرب منه ما شاء وقتما يشاء دون ضرر، بل إنه «يشفى المرضى ويفتح الشهية».

ويصف حركة الملاحة في النيل وفروعه فيقول: «عند قرية شطانوف تجتمع كل القوارب الآتية من فرع رشيد والتي تأتي من دمياط حاملة بضائع وأشياء أخرى، وعلى طول السنة نرى من جوانب الجزيرة (دلتا النيل) في كل يوم آلاف المراكب تجري في النهر محملة بالبضائع الذاهبة إلى القاهرة».

أسواق على الشواطئ

مما يلفت الانتباه هنا أن حركة الملاحة في نهر النيل زمن المماليك كانت متحركة لا تهدأ، وبينما راجت التجارة بين المحافظات إلى الحد الذي جعل أحد المؤرخين المعاصرين لتلك الحقبة يكتب «ليس في الدنيا نهر تجري فيه السفن أكثر من نيل مصر».

ويذكر الرحالة ابن بطوطة في زيارته للقاهرة شواهد تؤيد هذا الكلام، حيث يقول: «بنهر النيل ستة وثلاثون ألف مركبا للسلطان والرعية تمر صاعدة إلى الصعيد، ومنحدرة إلى الإسكندرية ودمياط بأنواع الخيرات». ويصف السفن بأنها تبدو «راسية كالجبال»، في إشارة لضخامتها وحمولتها الكبيرة، وكانت سفن البضائع كبيرة الحجم تحوي شون (مخازن) لحمل الغلال المتنوعة والأحطاب والتبن.

وكان هناك نوع من السفن ينقل الثلج المستورد من الشام، وكانت هذه المراكب تأتي إلى دمياط ثم تنزل في فرع النيل حتى تصل ساحل النيل في بولاق لتنقل البغال السلطانية، كما يذكر ابن إياس. أما ضفاف النيل فقد كانت مليئة بالأسواق التي تقام في أيام محددة من الأسبوع أو على مداره.

وفاء النيل وكسر الخليج

يعني وفاء النيل أنه «وفّي»، وبلغ الحد الذي سيحمل معه الخير للفلاحين والزرع، وبهذه المناسبة كان السلطان يقيم، مهرجانا قوميا ضخما يشارك فيه «العامة» والخاصة.  وعن ذلك يقول ابن دقماق: «إذا أتم النهر الستة عشر ذراعا (اللازمة للزراعة آنذاك) يعلق على الشباك الكبير في الجهة الشرقية من دار المقياس ستر أصفر، فيعلم الناس بالوفاء، وتكون هذه الليلة من الليالي العظيمة بمصر والقاهرة، يوقد فيها الأهالي القناديل والشموع، ويتحول ليل القاهرة إلى نور من كثرة الأضواء، ويحضر كبار الأمراء بالخلع التي توزع عادة في هذه المناسبة، ويحضر مقرئو القرآن يبيتون بدار المقياس ويتناوبون القراءة طوال الليل، كما يحضر المغنون وينشدون الأغاني».

وفي صباح اليوم التالي يعمل يقام سماط (مائدة) حافل من الشواء والحلوى والفاكهة ويحضره السلطان أو من ينوب عنه، ويتخاطف العامة السماط. في هذا اليوم يبدأ الاحتفال بنزول السلطان من قلعة الجبل وبصحبته قادة الجيش والاعيان وخواص دولته، وهناك يمتد السماط إياه، وبعد الفراغ من الطعام يذاب الزعفران في ماء الورد في إناء من الفضة، ثم يعطى السلطان الإناء لأحد رجاله فيلقي بنفسه في فسقية (بمقياس النيل) ومعه ذلك الإناء الفضي، فيصبغ عمود المقياس بالزعفران.. ثم يركب السلطان ثانية، فيأتي جمع غفير من الناس بفئوسهم فيحفرون سدا حتى يجرى الماء في الخليج ثم ينصرف السلطان إلى القلعة.

اقرأ أيضا:

حيوانات وأسماك النيل

تحت كتاب عصر سلاطين المماليك أيضا عن الحيوانات المائية والأسماك في النيل، ومنها التمساح الذي كان يتواجد في النهر بوفرة، وخاصة ناحية أسوان، كما تحدثوا عن «السقنقور»، وهو حيوان مائي تواجد في منطقة أسوان والنوبة أيضا وهو «أشبه بالتمساح وهو من نسله، إذا وضعه في الماء، فإذا اتجه إلى البر صار سقنقور، وإن اتجه إلى المياه صار تمساحا».

ومن بين أسماك النيل التي ذكرها كتاب المماليك، سمكة اسمها «الرعادة» تصيب من يلمسها بالرعشة، ولذا كان الصيادون يتعمدون إخراجها من شباكهم فور اصطيادها، كما وصفوا فرس النهر، بأنه سمكة تعيش في نهر النيل تشبه الإنسان ،ذات لحية طويلة وأطلقوا عليها اسم «شيخ البحر»، وكانت بالنسبة لهم سمكة مشئومة، إذا ظهرت في مكان أعقب ظهورها القحط والموت والفتن، بحسب مخطوط «كوكب الروضة» للسيوطي.

يصف بيرو طافور، وهو رحالة إسباني الأصل من الذين زاروا مصر في زمن المماليك، حياة الفلاحين مع التماسيح، فيذكر أنه سافر من ميناء دمياط إلى القاهرة عبر النيل ، على مركب كبيرة “بها حجرات متعددة وهي كبيرة الحمولة وتسير بالشراع والمجاديف، بها عدة طبول لإخافة التماسيح” التي يبدو أنها كانت كثيرة في النهر آنذاك.

ويذكر  طافور أن الفلاحين كانوا يعبرون مياه النيل أثناء الفيضان فوق ظهور الجواميس خوفا من التماسيح. كما وصف طريقة صيد التماسيح، وكيف أن صائديها كانوا يسيرون  بها في الطرقات وهي ميتة ، التماسا للصدقات من الناس، أي أنهم كانوا “يشحتون بها” باعتبارهم خلصوا الأهالي من شرورها، كما تحدث عن أفراس النهر وطريقة صيدها.

قمح الصعيد وموز دمياط

ومما يلفت الانتباه أيضا في فترة حكم المماليك، أن القمح كان يُزرع بوفرة في الصعيد وليس الدلتا بخلاف الحال الآن، حيث اشتهرت منفلوط (أحد مراكز محافظة أسيوط حاليا) بجودة قمحها، وكان التجار يصعدون في المراكب إليها لجلبه، وكثيرا ما كتب مؤرخو العصر عن أن السلطان أرسل الأمراء أو سماسرة الغلال لشراء القمح من الوجه القبلي، أو أن تجار القمح جاءوا من الجنوب لبيعه في القاهرة أو الإسكندرية.

في الصعيد أيضا زرع الفلاحون الكتان بكميات هائلة، وكان يستخدم في صنع ملابس غالبية السكان، حيث كان يخرج في هيئة «بالات» ضخمة عن طريق النهر منحدرا إلى القاهرة، ويواصل رحلته في المراكب إلى الإسكندرية ثم يتم تصديره إلى بلاد المغرب والشام.

 أما دمياط فقد اشتهرت بزراعة الموز بوفرة، وكان يتم تحميله من مينائها إلى القاهرة في المراكب، طبقا لمشاهدة ابن بطوطة حين وفد إلى القاهرة.

ولم تكن البضائع التجارية والأغذية والمحاصيل وحدها هي التي تعتلي المراكب النيلية، ففي بعض الأحيان كانت المراكب تستخدم لنقل الرخام، وفي أحيان أخرى انتقلت عبرها بقايا المعابد الفرعونية لبناء المساجد في القاهرة، فمثلا حين أراد السلطان الناصر محمد بناء جامعه بالقلعة، جلب «أعمدة عظيمة» من الأشمونيين من بقايا أحد المعابد الفرعونية.

قراصنة النيل

لم يكن النيل دائما الطريق الآمن للملاحة فيه، خاصة أيام الغلاء والانفلات الأمني، فكان قراصنة النهر يهاجمون المراكب والسفن النيلية التي تحمل الغلال وغيرها ويستولون عليها، ومن ذلك ما حدث سنة 822 هجرية حين ارتفعت الأسعار وحل بالناس الغلاء «وكثرت الحرامية بالنيل، فقل الجلب من الوجه القبلي»، وبعدها بثلاث سنوات فقط تم القبض على شخص يدعى «ابن وثاب» وكان من قطاع الطرق بمنطقة الأطفيحية بالصعيد، جمع حوله كثيرا من اللصوص والأشقياء وأسماهم بأسماء الأمراء، فإذا مرت مركب اعتلاها وسأل عن صاحبها، فإذا قيل له الأمير فلان استدعى الشخص المسمى على اسمه فقال له هذه مركب لك خدها، بحسب رواية ابن حجر في كتابه «أبناء الغمر».

مجاعات وفيضانات

تضررت مصر من زيادة ونقصان منسوب النيل، باعتبار أنه هو مصدر المياه الوحيد لدينا، فحين يقل ماء النهر عن الحد اللازم للزراعة، يقلق الناس وتنتابهم المخاوف من حدوث المجاعة، فيسارعون لتخزين الغلال ضمانا لقوتهم وقوت عيالهم أثناء الأزمة المتوقعة، ويسارع التجار إلى تخزين الغلال طمعا في الحصول على أرباح أكبر برفع سعرها، ويشتد تزاحم الناس على الأفران وحوانيت بيع الغلال، وتظهر السوق السوداء، وتمتد حمى الأسعار إلى «كل ما يباع ويشترى من مأكول ومشروب ومبلوس»، كما يقول المقريزي في كتابه «إغاثة الأمة في كشف الغمة».

 ويؤكد الدكتور قاسم عبده قاسم في كتابه الشيق «النيل والمجتمع المصري في عهد سلاطين المماليك» أن أول مجاعة ظهرت آنذاك عام 662 وقت سلطنة الظاهر بيبرس، إذ توقفت زيادة النيل وتبع ذلك ارتفاع أسعار الغلال، وقل الخبز في الأسواق وكاد يختفي، وأكل الناس حشائش الحقول وأوراق اللفت والكرنب، واستمرت الأسعار في تصاعدها حتى دخلت السنة الجديدة بمحصولها فانخفضت الأسعار تباعا.

وبعدها بنحو 25 عاما أثناء حكم السلطان العادل كتبغا، توقفت زيادة النيل وحلت بالبلاد مجاعة أعقبها وباء «أسكن الألوف التراب»، وفيها «كثر الشح، ووقفت الأحوال واشتد البكاء، وعظم الضجيج في الأسواق من شدة الغلاء»، ووصل الأمر بالناس إلى أكل الكلاب والقطط والحمير والبغال، ولم يبق عند أحد شيء، وقيل إن الكلب السمين صار يباع بخمسة دراهم، والقطة بثلاثة دراهم، وتساقط الناس صرعى الجوع في الطرقات، فامتلأت بجثث الموتى، وانتشر الوباء الذي قضى على عدد كبير من السكان، كما يذكر المقريزي.

وخلال عام 749 وما بعده حدث الوباء الرهيب الذي عم المعمورة، ابتداء بالشرق الأقصى وانتهاء بمصر وأوروبا، وقد عرفه المؤرخون العرب باسم «الفناء الكبير»، وكان طبيعيا أن تصحب هذا الوباء مجاعة استمر أثرها لعدة أعوام، إذ اشتدت الأزمة على الناس بسبب هبوط النيل، وتناقص عدد الفلاحين.

يروي المقريزي عن مجاعة عظيمة أخرى استمرت من عام 796 لمدة عشر سنوات تقريبا، حين توقف النيل عن الزيادة ولم يوف، فشرقت أكثر الأراضي ولم تزرع، وفي هذه الأزمة «مات أكثر من نصف سكان مصر، ونفقت الماشية والحيوانات».

خلال هذه المجاعات، اضطر السلاطين للهروب مع الأمراء من القاهرة إلى سرياقوس أو الطور وغيرهما.. كانوا يفرون فرارا من جوع الناس، كما يهرب الأعيان و«مساتير الناس» ويبقى العامة غذاء سهلا للكوارث.

وهكذا عاشت مصر في استقرار طالما انتظم النيل ووفّى، وشهدت نكبات متوالية إذا لعبت الطبيعة لعبتها معنا بالمنح والمنع.

اقرأ أيضا:

المراجع:

ـ «النيل والمجتمع المصري في عهد سلاطين المماليك»، دراسة للدكتور قاسم عبده قاسم.

ـ رحلة طافور: ترجمة حسين حبشي.

ـ القرية المصرية في عصر سلاطين المماليك، لمجدي عبد الرشيد بحر.

ـ النيل في الأدب الشعبي، تأليف د. نعمات أحمد فؤاد.

ـ رحلة ابن بطوطة، لابن بطوطة.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: