منوعات

العدوان الثلاثي على مصر… قصة «بروتوكول سيفر» السري

في مثل هذا اليوم (31 أكتوبر) منذ 63 سنة (1956) تعرضت مصر لعدوان ثلاثي بريطاني فرنسي إسرائيلي، وكانت تلك اللحظة هي ذروة الصراع في واحدة من أهم معارك التاريخ الحديث، استطاعت فيها مصر أن تهزم «التواطؤ الخسيس» بين عواصم الدول الثلاث، وتمكنت من تحقيق نصر حقيقي على قوى العدوان، وأن تخرج من معركة السويس في أيديها كل جوائز الحرب، والأهم أنها حافظت على كرامة شعبها، واحتفظت باستقلال قرارها الوطني، وبدأت بعدها تخطو خطوات واسعة على مسار ومسيرة التقدم على أرضها، بينما غربت شمس المعتدين، وانهزمت قوى العدوان.

 «فوبيا» عبد الناصر

بدايات العام 1956 كان تنذر بأن المنطقة التي كانت تمور بالتغيرات الكبرى مرشحة لمزيد من التوتر والتصعيد، حتى قبل قرار تأميم قناة السويس، وكان «سلوين لويد» وزير الخارجية البريطاني قد زار مصر في أول مارس 1956، وأثناء لقائه مع عبد الناصر تطرق الحديث إلى أهمية قناة السويس، وذكر «لويد» أن بريطانيا تعدها جزءاً من مجمع بترول الشرق الأوسط، «القناة هي وريد الدورة الدموية للبترول في العالم»، وكان رد عبد الناصر أن الدول العربية تتقاضى 50 % من أرباح البترول، في حين لا تتقاضى مصر سوى 5 % من أرباح القناة، وأن المفروض أن تعامل مصر معاملة الدول المنتجة للبترول، وشعر البريطانيون أن عبد الناصر بات يمثل خطراً حقيقاً على استراتيجيتهم في منطقة نفوذهم التقليدية بالشرق الأوسط.

وفي اليوم نفسه الأول من شهر مارس أعلن الملك حسين عاهل الأردن قراره بطرد الجنرال «جلوب»[1] الضابط الإنجليزي الذي رأس هيئة أركان الجيش الأردني لمدة 17 سنة، وأرسل أنتوني إيدن رئيس وزراء بريطانيا برسالة إلى الملك حسين يطلب منه أن يعيد النظر في قراره، ولكن موقف الضباط الأحرار ورغبة الشعب الأردني في طردجلوب وحيث لم ينس له ما قيل عن تواطؤه مع اليهود في حرب 1948، وقف كل ذلك حجر عثرة أمام تراجع الملك، وظن إيدن أن جمال عبد الناصر يقف وراء قرار طرد «جلوب، وأسر إلى معاونيه بقناعته التي تترسخ يوماً بعد يوم بأن: «عبد الناصر هو عدونا الأول في الشرق الأوسط،، ولن يستريح حتى يقضي على كل أصدقائنا، وعلى كل نفوذنا في المنطقة»، وكان هذا بمثابة إعلان نوايا بضرورة التخلص من عبد الناصر.

على جانب آخر كانت فرنسا قد بدأت تضيق بتعاون مصر مع الثورة في الجزائر ضد وجود المحتل الفرنسي، فأرسلت وزير خارجيتها «كريستيان بينو» للقاء عبد الناصر في القاهرة منتصف شهر مارس  أيضا، وعرض عليه التوقف عن تأييد الثورة الجزائرية مقابل تأييد فرنسا للعرب في سياستهم، وأبلغه عبد الناصر أن «تخلي مصر عن الوطنيين والجزائريين يعني أن أتخلى عن قوميتي العربية». وغادر «بينو» القاهرة وهو مقتنع بضرورة التخلص من عبد الناصر.

وعلى جانب ثالث وفي مارس نفسه كانت إسرائيل قد توصلت إلى نتيجة أنها استنزفت كل أغراض الغارات المتتالية على قطاع غزة، فقررت خوض حرب وقائية ضد مصر التي كانت قد عقدت صفقة سلاح كبرى مع الكتلة الشرقية بقيادة الاتحاد السوفيتي وقتها، ولكن المحاذير أمام تلك الحرب الوقائية كانت كثيرة، خاصة فيما يخص تبرير الحرب، أمام الرأي العام العالمي، والأهم أمام بريطانيا نفسها التي كانت ما تزال تحتفظ بقوات لها ترابط في منطقة القناة ولن تغادرها إلا في شهر يونيو.

وسعت بريطانيا جاهدة من أجل استمالة الأمريكان إلى القبول بتقديرهم بخطورة بقاء عبد الناصر وضرورة التخلص منه، وأرسلت أحد مسئوليها إلى الولايات المتحدة الأمريكية لشرح وجهة النظر البريطانية، وفي نفس الوقت راحت تحاول تهدئة الأجواء مع عبد الناصر فقررت تقديم موعد الجلاء عن مصر خمسة أيام عن الموعد المقرر، وغادرت آخر دفعة من القوات البريطانية يوم 13 يونيو 1956، وسلّم قائد القوات مفاتيح آخر مبنى تحتله هذه القوات، ودعا الجنرال روبرتسون، (القائد العام للقوات البريطانية في الشرق الأوسط) الرئيس عبدالناصر لحضور الاحتفال بمناسبة الجلاء عن قاعدة قناة السويس ومصر.

وزادت تلك الخطوة مخاوف إسرائيل التي كانت تعتبر الوجود البريطاني في منطقة قناة السويس بمثابة حماية لها، وتأمين ضد أي هجوم مصري وكان «موشي شاريت» رئيس وزراء إسرائيل قد ذكر قبل ذلك في كلمة له أمام الكنيست «إن نقل منطقة القناة بما فيها المطارات إلى السلطة العسكرية المصرية يزيد من قوتها وقدرتها على العدوان ضد إسرائيل».

قرار التأميم

مساء يوم الخميس 19 يوليو اجتمع الدكتور أحمد حسين سفير مصر في واشنطن بوزير الخارجية الأمريكى جون فوستر دالاس الذي أطلعه على القرار الأمريكي بسحب عرض المساهمة في بناء السد العالي، وما أن خرج السفير المصري من مكتبه ليجد بياناً رسمياً يؤكد على أن «الولايات المتحدة الأمريكية أصبحت مقتنعة بأن الحكومة المصرية ليس في استطاعتها أن تقدم النقد المحلي اللازم لتمويل السد لأن تنفيذ هذا المشروع العملاق سوف يفرض على الشعب المصري تقشفاً لمدة تتراوح ما بين 12 و15 سنة، وأن الشعب المصري لا يستطيع أن يتحمل ذلك، ثم إن الحكومة الأمريكية لا ترغب في أن تتحمل مثل هذه المسئولية»، وزعم البيان -على غير الحقيقة – أن مصر رهنت محصولها من القطن في مقابل السلاح السوفيتي الذي تحصل عليه.

وكان تعليق عبد الناصر على صيغة البيان هو بداية التفكير في الرد المناسب الذي يتوجب على مصر القيام به، قال: «إنهم لم يكتفوا بالرفض، وإنما أضافوا إليه الإهانة، ما الذي يهدفون إليه بالضبط، إن الرفض مفهوم، ولكن ما صاحب الرفض من إهانة سياسية لابد أن يكون لها معناها ولها ما وراءها».

وفي حفل عشاء مساء 26 يوليو أقامه رئيس الوزراء البريطاني ايدن تكريماً للملك فيصل ملك العراق، ومعه رئيس وزرائه نوري السعيد، وحضره عدد من كبار الوزراء في حكومة ايدن، تركز الحديث حول الأوضاع العربية المستجدة وردود الأفعال بعد الرفض الأمريكي لتمويل بناء السد، وتفاخر ايدن أمام زواره ووزرائه بأن «الأمريكان رأوا الضوء أخيراً، وساروا معه في سياسته، التي رآها منذ البداية، وهي ضرورة إيقاف ناصر عند حده، وحصر خطره تمهيداً لتصفيته»، وكان تعليق نوري السعيد «إن صيغة البيان الأمريكي لا تترك مجالاً للشك في أن هدف السياسة الأمريكية أصبح إسقاط جمال عبد الناصر»، وقبل أن تنتهي مراسم العشاء في مقر رئيس الوزراء البريطاني دخل إلى القاعة رئيس السكرتارية الخاصة ل «إيدن» يحمل برقية عاجلة وحين طالعها احتقن وجهه بطريقة لاحظها كل المتحلقين حول المائدة فقال لهم إيدن بكل قبح وتبجح: «إن الطاغية أعلن الآن أنه أمم شركة قناة السويس ليبني بدخلها سده العالي» وكأن  عبد الناصر قد ارتكب جريمة  بقراره الخاص بسيادة مصر على قطعة من أرضها.

كان الغرب يهدف إلى تطويع القرار المصري، ولم تُجد كل الوسائل نفعاً على هذا الطريق، فكان القرار هو التخلص من عبد الناصر، ومن ناحيته لم تكن المسألة عند عبد الناصر قاصرة على الكرامة الوطنية، ولكنها كانت قبل هذا وبعده قضية استقلال القرار الوطني، ثم كان الرد بعد أسبوع من سحب أمريكا عرضها السابق بالمساهمة في تمويل مشروع السد هو قرار تأميم شركة قناة السويس، الذي أعلنه الرئيس عبد الناصر في احتفالات مصر بخروج الملك فاروق في 26 يوليو، وقد كان قرار التأميم محتماً، وكانت القيادة المصرية تبحث عن التوقيت المناسب لتنفيذه، وكان التفكير فيه قد بدأ منذ سنوات، وجاءت الفرصة مع التعنت والصلف الأمريكي في التعامل مع المشروع الأهم لمصر في ذلك الوقت، وهو مشروع بناء السد العالي، وبدأت الأحداث تتسارع بعد التأميم، وشعر أنتوني ايدن رئيس الوزراء البريطاني أن اللطمة موجهه إليه شخصياً، ووجدتها فرنسا فرصة للانتقام من تعاون عبد الناصر مع الثورة الجزائرية، وكانت إسرائيل تتحرق شوقاً لتوجيه ضربة لسياسة عبد الناصر في المنطقة، وبدأت طرق الجميع تتلاقى عند نقطة واحدة عليها إشارة وحيدة وهي أن الوقت قد حان ليسمع عبد الناصر كلمتهم موحدة وهي تقول له: «كش ملك» على حسب تعبير الوزير الأمريكي دالاس.

 قصة التواطؤ

وسط أجواء محمومة وتحركات دولية مكثفة على كافة الأصعدة السياسية والدبلوماسية والعسكرية، وقد بدا أن الأزمة في طريقها للتهدئة وليس إلى التصعيد علمت إسرائيل في الأول من سبتمبر عبر ملحقها العسكري في باريس أن فرنسا تتحسس الموقف الإسرائيلي من المشاركة في عملية مشتركة مع بريطانيا ضد مصر، وكانت الإجابة الفورية هي الاستعداد من حيث المبدأ للتعاون المشترك، وطرحت تل أبيب أنه إذا كان المطلوب معلومات استخباراتية عن القوات المسلحة المصرية فإن مكتب الملحق العسكري الإسرائيلي في العاصمة الفرنسية سوف يتولى القيام بالمهمة، ولكن ـ وهذا ما كانت تطمح إليه القيادات الإسرائيلية ـ إذا ما كان المطلوب هو «تعاون» أكبر يتضمن اشتراك الجيش الإسرائيلي في العمل العسكري فإن رئيس الأركان موشى ديان مستعد للسفر إلى باريس للتباحث حول التفاصيل.

وبدا أن إسرائيل تريد ألا تفلت منها الفرصة السانحة، وترحب بالمشاركة الفعالة في المخططات الفرنسية البريطانية المشتركة، فوجهت رئيس العمليات الذي كان في أوربا للمسارعة بالسفر إلى باريس للتحدث مع مندوبين عسكريين فرنسيين، وأن يبدى استعداد إسرائيل لتقديم كل مساعدة إلى فرنسا من أول استعمال القواعد الجوية والبحرية الإسرائيلية وانتهاءً بالمشاركة بقواتها المسلحة في الحرب.

كانت فرنسا ما تزال في حالة استطلاع موقف حول الدور الذي يمكن اشراك إسرائيل للقيام به، فسأل مندوبها في الاجتماع الذي عقد لهذا الشأن عن مدى إمكانية هبوط الطائرات الفرنسية في إسرائيل في حالة اضطرارها إلى ذلك، ثم تساءل المندوب الفرنسي عن مدة قدرة إسرائيل على إشغال وتعطيل القوات المصرية عن طريق أي عمل عسكري تستطيع القيام به في سيناء قريباً من الحدود مع إسرائيل.

وحسب رواية موشى ديان[2] فقد سافر شيمون بيريز مدير عام وزارة الدفاع الإسرائيلية إلى باريس ليناقش بصراحة وبطريقة غير رسمية مع الجانب الفرنسي موضوع التعاون الإسرائيلي الفرنسي في الشرق الأوسط، ودار البحث مع المسئولين حول إمكانية القيام بعمل فرنسي إسرائيلي ضد مصر بغير اشتراك البريطانيين، وكانت المحادثات التي جرت يوم 12 سبتمبر بين موليه وبينو ونظيريهما البريطانيْيْن رئيس الوزراء انتوني ايدن ووزير الخارجية سلوين لويد اللذين أبلغا الجانب الفرنسي بضرورة إعطاء فرصة لاقتراح جون فوستر دالاس وزير الخارجية الأمريكي بشأن انشاء هيئة المنتفعين بقناة السويس، وظل الموقف الفرنسي متحمساً للدخول في حرب ضد مصر وكانت الحكومة الفرنسية تخشى أن يكون هذا الموقف البريطاني مقدمة للتخلي عن استعدادها السابق للقيام بعمليات عسكرية لمواجهة عبد الناصر في السويس.

وظلت المحادثات السرية بين أقطاب الحكومتين الفرنسية والإسرائيلية وعلى أعلى مستوياتهما تناقش كل الاحتمالات وكان تقدير وزير الخارجية الفرنسي كريستيان بينو أنه يتوقع أن يحصل على رد نهائي من البريطانيين حوالي منتصف شهر أكتوبر، وتبين للجانب الإسرائيلي أن فرنسا لا تستطيع البت نهائياً في خططها لحملة السويس قبل أن تعرف القرار البريطاني وبقيت فرنسا عند موقفها بأهمية مشاركة إسرائيل في الحملة على أن تحارب في قطاع مستقل لها، تحت قيادة منفصلة وأن تبدأ الحرب وحدها قبل أن ينضم إليها البريطانيون والفرنسيون، وأن موافقة إسرائيل على تلك المهمة سوف تقوي من فرص انضمام بريطانيا إلى العمل المنتظر.

وطبقاً لرواية ديان فإن بداية الحملة ضد مصر ونهايتها كانت هي نقطة الخلاف الوحيدة بين الأطراف المنخرطة فيها، وقد قال ديان :«لم تكن إسرائيل تحتاج إلى مبرر لبدء الحملة ضد مصر، وبالنسبة للنهاية فلم نكن نريد احتلال سيناء إلى الأبد، ولكننا كنا نريد ضمان حرية الملاحة إلى إيلات وتدمير الجيش المصري الذي يهدد إسرائيل في سيناء، ووقف عمليات الفدائيين ضد إسرائيل في قطاع غزة».

 ولكن عيون الفرنسيين كانت على القاهرة، ويشير ديان إلى أن الفرنسيين سألوه: كيف تتصور نهاية الحملة؟، وعما إذا كنت أعتقد أنه من الضروري الاستيلاء على القاهرة، وعلى الرغم من أن ديان أوضح أن مثل هذه العملية تكتنفها تعقيدات سياسية حادة، إلا أنه يعترف بأن إسرائيل إلى جانب تحقيق أهدافها تلك فإنها كانت تتطلع إلى أن «ترى ناصر يسقط ويجيء بدلاً منه نظام مصري يستطيع انشاء علاقات سلمية مع إسرائيل».

ثم تطورت الأحداث بعد ذلك الاجتماع، وبدأت فرص فرض الحل على مصر تتراجع، وتحركت وفود إسرائيلية وبريطانية على أعلى مستوى سياسي وعسكري لعقد لقاء سري داخل فيلا صغيرة بضاحية «سيفر» بالقرب من باريس حيث اجتمع ممثلون رسميون عن حكومات فرنسا وبريطانيا وإسرائيل في الخفاء لوضع خطة الهجوم على مصر لقلب نظام الحكم وإعادة احتلال قناة السويس.

كل طرف من الأطراف الثلاثة كانت لديه أسبابه، وله دواعيه، تجمعت الأسباب وتقاطعت الدواعي في مقاطعة «سيفر» بفرنسا، ووضعت خطة التواطؤ[3]، كانت إسرائيل واضحة في أسبابها وبسطت دواعيها أمام المجتمعين فقد كانت تريد تدمير سلطة عبد الناصر التي ترى في بقائها تهديداً لبقائها.

 وكانت بريطانيا التي احتلت مصر 70 سنة قد انتهت إلى قناعة بأن سلطة عبد الناصر تسببت في كسر كبريائها، وتأليب الشعوب العربية ضدها، وتسببت إضافة إلى ذلك في تقليص نفوذها في المنطقة الأهم بالنسبة لها، ورأت أن قرار تأميم قناة السويس الذي اتخذه عبد الناصر يمثل نقضاً لاتفاق الجلاء البريطاني عن مصر وإنهاءً كاملاً للوجود البريطاني في تلك المنطقة الاستراتيجية من العالم، وأنها وهي صاحبة النصيب الأكبر من أسهم شركة قناة السويس لا يمكنها أن تترك هذا الممر العالمي لتتحكم به دوله صغيرة تحكمها سلطة ثورية تهدد مصالحها الاستراتيجية.

أما فرنسا، والتي اشتعلت ثورة الجزائريين ضد احتلالها لبلادهم طيلة 130 سنة، فقد كانت تريد أن توقف الدعم المصري للثورة في الجزائر، وأن تسكت إذاعة «صوت العرب»، التي كانت بمثابة غرفة عمليات الثورة الجزائرية من مصر.

فشل العدوان.. والتحولات الإستراتيجية

مساء يوم 30 أكتوبر بالتحديد في الساعة الرابعة حين أطلقت كل من فرنسا وبريطانيا الإنذار المشترك الذي طلب من مصر أن تبتعد بقواتها عشرة أميال إلى الغرب من القناة وأن تسمح بإنزال قوات بريطانية فرنسية تحتل المراكز الرئيسية في منطقة قناة السويس، إلى حين التوصل إلى تسوية سلمية تضمن حرية الملاحة لجميع الدول، وبدأت أكبر مغامرة استعمارية فاشلة، وانتهت مقامرتهم إلى تحول استراتيجي كبير في تاريخ المنطقة، أعاد رسم الخريطة السياسية في كثير من أرجاء العالم عامة، والوطن العربي على وجه الخصوص، وسقطت حكومة «إيدن» قبل مضى شهرين على العدوان، ثم سقطت الجمهورية الفرنسية الرابعة في منتصف عام 1957، وانتصرت ثورة الجزائر، وأفل نجم أكبر إمبراطوريتين استعماريتين كبيرتين، وانتهى عصرهما الإمبراطوري، وبزغ نجم جمال عبد الناصر ساطعاً في السماء العربية، وراحت تجربة مصر تبعث الأمل من جديد في إمكانية انتصار حركة الشعب الساعية إلى التحرر والانعتاق من ربقة الاستعمار، فنشطت حركات التحرر الوطني في ربوع آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية نحو آفاق الاستقلال والحرية، وأنهت الهيمنة الأنجلو ـ فرنسية على التقسيم الاستعماري للعالم الذي استمر لعدة قرون.

_______________________________________ 

[1] الجنرال جون باجوت جلوب المعروف باسم جلوب باشا المولود في 16 أبريل 1897 والمتوفى في 17 مارس 1986وهو ضابط بريطاني خدم في فرنسا أثناء الحرب العالمية الأولى، ثم تم نقله إلى العراق عام 1920، حيث كان العراق تحت الانتداب البريطاني في ذلك الوقت. أسس قوات البادية، وهي قوة مكونة من البدو بشكل حصري، وذلك للسيطرة على الأزمة التي أصابت جنوب البلاد. عمل على بناء علاقات مع القبائل حتى حدود سيطرة بني سعود، وفي سنوات قليلة استطاع أن يوقف الغزوات المتبادلة بين القبائل البدوية، ولعب دورا مهما في شكل العلاقات البريطانية -العربية في تلك المنطقة.

في عام 1939 خلف جلوب فريدريك جيرارد بيك في قيادة الجيش العربي الأردني، وبقي في منصبه حتى 2 مارس 1956 (17 سنة)، عندما أعفاه الملك الحسين بن طلال من مهامه، بالتنسيق مع حركة الضباط الأحرار الأردنيين ضمن قراره تعريب قيادة الجيش، وأحدث هذا القرار صدمة في لندن التي اعتبرت القرار انتصاراً لسياسة جمال عبد الناصر في المنطقة العربية.

[2] في كتابه «قصة حياتي» الذي نشر في مناسبة مرور عشرين سنة على حرب السويس ـ أكتوبر 1976.

[3] نص الاتفاق السري للعدوان الثلاثي على مصر الذي ظل سرياً حتى كشف عن مضمونه موشى ديان بعد عشرين سنة من العدوان الثلاثي ثم كشف عن نصه ورثة الوزير الفرنسي كريستيان بينو في عام 2002.

 (بروتوكول)

نتيجة للمحادثات التي جرت في ضاحية «سيفر» من يوم 22 إلى يوم 24 أكتوبر عام 1956 بين ممثلي حكومات كل من المملكة المتحدة وإسرائيل وفرنسا، كانت كالآتي:

1ـ تقوم القوات الإسرائيلية مساء يوم 29 أكتوبر عام 1956 بشن هجوم ضخم على القوات المصرية بحيث تصل في اليوم التالي إلى منطقة القناة.

2ـ تقوم حكومتا بريطانيا وفرنسا بعد ملاحظة الأحداث بتوجيه إنذارين متوافقين زمنياً لكلٍ من حكومتي مصر وإسرائيل خلال يوم 30 أكتوبر لمناشدتهما باتباع النقاط الأساسية التالية:

1ـ للحكومة المصرية

ـ إيقاف أي عمليات حربية.

ـ انسحاب كل قواتها على مسافة 10 أميال غرب القناة.

ـ الموافقة على الاحتلال المؤقت للمواقع الرئيسية على القناة من قبل القوات الأنجلو فرنسية لضمان حرية الملاحة في القناة لسفن من جنسيات جميع الأمم حتى فض النزاعات نهائياً.

2ـ للحكومة الإسرائيلية

ـ إيقاف أي عمليات حربية.

ـ انسحاب كل قواتها على مسافة 10 أميال شرق القناة.

من جانب آخر، سيتم إعلام الحكومة الإسرائيلية بما تم إبلاغه للحكومة المصرية بخصوص الموافقة على الاحتلال المؤقت للمواقع الرئيسية على القناة من قبل القوات الأنجلو فرنسية.

من المتفق عليه أنه لو رفضت إحدى الحكومتين أو لم تعلن موافقتها خلال 12 ساعة، ستقوم القوات الأنجلو فرنسية بالتدخل بكل الوسائل اللازمة لإجبار تلك الحكومة على الموافقة.

ـ ممثلو الثلاث حكومات قد اتفقوا على أن الحكومة الإسرائيلية غير ملزمة بالموافقة على بنود المناشدة التي ستقدم لها، في حالة رفض الحكومة المصرية الامتثال لتلك المناشدة من جانبها.

3ـ في حالة عدم موافقة الحكومة المصرية على بنود الانذار المقدم، ستقوم القوات الأنجلو فرنسية بشن العمليات العسكرية في الساعات الأولى من صباح يوم 31 أكتوبر ضد القوات المصرية.

4ـ تقوم الحكومة الإسرائيلية بإرسال قواتها لاحتلال الضفة الغربية لخليج العقبة ومجموعة جزر تيران وصنافير لضمان حرية الملاحة في خليج العقبة.

5ـ تتعهد إسرائيل بعدم الهجوم على الأردن أثناء فترة العمليات ضد مصر، ولكن، لو حدث هجوم من الأردن على إسرائيل، تتعهد الحكومة البريطانية بعدم التدخل لمعاونة الأردن.

6ـ تظل كل بنود هذه الاتفاقية في غاية السرية.

7ـ تدخل هذه الاتفاقية حيز التنفيذ بموافقة الثلاث حكومات.

توقيعات:

عن المملكة المتحدة: باتريك دين

عن الجمهورية الفرنسية: كريستيان بينو

عن دولة اسرائيل: ديفيد بن جوريون

24 من أكتوبر 1956

الوسوم

محمد حماد

كاتب وباحث في التاريخ والحضارة

مقالات ذات صلة

إغلاق