ثقافة

المشهد الثقافي الليبي.. من الصوت الواحد إلى التعدد.. لكن التجاهل لايزال مستمرا!

غياب غير مبرر للحركة النقدية العربية عما يتم انجازه فى المشهد الابداعي الليبي على جميع المستويات. وكأنه قد تم اختزال المشهد الثقافي الليبي فى نماذج قليلة والقياس عليها، وفى هذا ظلم شديد لمشهد ثقافي وإبداعي كامل، يعانى حالة من التغييب والتهميش.. لذا فإن موقع «أصوات أونلاين» يحاول عبر هذا التحقيق الثقافي الإطلال على المشهد الإبداعي في ليبيا عبر شهادات من قلب الحركة الأدبية فى البلد العربى الشقيق.

الرواية.. وصعود الأصوات النسوية

تقول الروائية «عائشة إبراهيم»: «إن الأوضاع المتوترة التي تمر بها ليبيا حجمت أدوار الأدب عامة والرواية خاصة، وقلصت من الأنشطة الثقافية التي تضمن المناخ الملائم لازدهار قراءة الرواية وإثرائها من خلال معارض الكتاب والندوات والدراسات النقدية. ومع ذلك نشهد إصرار كتّاب وكاتبات على مواصلة الكتابة الروائية وتحقيق حضور متميز في المشهد الإبداعي محلياً ودولياً.

وبقراءة تراكمية الرواية الليبية، نجد أنها  قد مرت بعديد المراحل حتى تشكلت هويتها الخاصة، حيث كانت مرحلة ولادة الرواية الليبية سنة 1961على يد الكاتب محمد فريد سيالة في روايته المطبوعة «اعترافات إنسان» ثم تبعتها مرحلة التأسيس من خلال أعمال نشرت في الستينيات والسبعينيات بلغت تسع عشرة رواية، كان من أبرزها أعمال الصادق النيهوم و صالح السنوسي، ومحمد صالح القمودي ونادرة العويتي ولطفية القبائلي، ثم انتقلت في الثمانينيات إلى مرحلة بناء الهوية الروائية الليبية على يد أصوات روائية جديدة من أبرزها خليفة حسين مصطفى، وإبراهيم الكوني، وأحمد إبراهيم الفقيه، حيث تشكّل وعي جديد لشكل الرواية الليبية اتسم بالتجريب، وتخلصت الرواية من كلاسيكيتها وترسخت هويتها الليبية وحققت انتشاراً إقليميا وعالمياً.

تلفت صاحبة «قصيل» إلى أن أبرز ملامح راهن الرواية الليبية يتمثل في جانبين، هما، تطور الخطاب السردي، وصعود الأصوات النسوية.. فالخطاب السردي في الرواية الليبية حقق طفرة متقدمة من خلال تطور مستوى الكتابة والتخييل وعمق الرؤية وإثارة الأسئلة أكثر من البحث عن الأجوبة والإحالات التاريخية والفلسفية، وتمازج الأجناس الأدبية وتنوع تقنيات الكتابة وأساليبها والموضوعات والقضايا التي تتناولها، وخاصة في ظل التحولات التي تشهدها المنطقة العربية وليبيا خاصة، بحيث يمكن اعتبار الرواية وثيقة تبرز أحوال المجتمع وصراعاته الأيدلوجية وتحولاته السياسية والاجتماعية. 

وتختتم عائشة إبراهيم أن راهن الرواية الليبية شهد صعود الأصوات الروائية النسوية، فبعد مرحلة الريادة التي جاءت على يد مرضية النعاس سنة 1971 في روايتها (شيء من الدفء) برزت مجموعة من الأسماء النسوية أحدثت تحولات متميزة في الكتابة الروائية، طالت البنية اللغوية والتخييلية والقوالب الفنية، وشغلت مساحات المسكوت عنه كما في رواية زرايب العبيد لنجوى بن شتوان، ورواية النص الناقص لعائشة الأصفر، ورواية صراخ الطابق السفلي لفاطمة الحاجي. كما اشتغلت الرواية على استحضار التراث، وتوظيف الموروث الثقافي والتاريخي، ليس بنمطه الكلاسيكي ولكن كإسقاط على الأوضاع الراهنة، واستقت من الأساطير مادة مناظرة للعوالم الواقعية، وإحالات النصوص على مرجعيات قابلة للتأويل، وطرح التساؤلات، ويمكنني أن أشير هنا إلى روايتي حرب الغزالة كنموذج على ذلك.

أيضا ساهم في تشكيل راهن الرواية الليبية، إلى حد ما، الاتجاه نحو ذاتية الخطاب الروائي، بإبراز صوت الذات وتوظيف السيرة الذاتية كما جاء في رواية المولد لأمين مازن ورواية المراحل بأجزائها الثلاثة لأحمد نصر.

عزلة

وتقول الكاتبة الروائية والقاصة عائشة الأصفر إن الكتابة عموما، وفعل الكتابة الإبداعية بشكل خاص تجتمع فيه مجموعة من الأفعال العقلية المركبة والمعقدة، تتداخل وتتقاطع فكرة ولغة وتخييلا، ويتضاعف ذلك في العمل الروائي، وهو يتحرك وينفعل، يبني ويهدم داخل زمن، وعلى جغرافيا، حياةً وثقافةً، وسط تحدٍ علائقي كبير، لتكون الرواية الجنس الأدبي الأكثر إرهاقا ومكابدة، تصير فيها فردا من حياة أشخاص، بما فيها من معاناة وتطور، حتى إنك لا تستطيع الفكاك من سيطرتها عليك ولو انتهيت منها إلا بعد مدة. والحديث عن طبيعة الرواية ليس جديدا، وقد أُشبع دراسة ونقدا.

الروائية عائشة الأصفر

 وتضيف عائشة الأصفر: لم تكن الرواية الليبية بمعزل عن الإبداع الروائي العربي، الذي يجمعه الأدب العربي الواحد، بلغته العربية بلاغة وبيانا، وثقافة مختلطة، لا يختلف إلا في خصوصية جغرافيا الرواية وأمكنتها، وأحداثها، وبعض التفاصيل في الطقوس الثقافية التي تُغني المشهد الثقافي، دون أن تحدث اختلافا في القيمة الأدبية للرواية كأدب عربي، والرواية في ليبيا، وإن صُنفت بأنها تأخرت في الظهور، لكنني أجدها واكبتْ الرواية العربية سريعا، ولا تقل تميزا عن نظيراتها بالمنطقة، وطالها التجديد سواء من الناحية الفنية، أو بالنسبة للأفكار والقضايا التي تتناولها، يشهد لها بذلك وصول الرواية الليبية إلى جوائز عربية وعالمية، وترجمة أعمال بعض الروائيين الليبيين إلى لغات عالمية، ومشاركة البعض منهم على مستوى عال في المحافل الدولية، وإن كان بشكل فردي ضيق.

 وتلفت صاحبة «النص الناقص» إلى أن الرواية الليبية تعيش عزلة ولو نسبية، وذلك لأسباب متداخلة، أبرزها أن النتاج الروائي في ليبيا لم تُقابَله حركة نقدية احترافية بالشكل المطلوب، وإن وجدت فهي شحيحة أكاديميا، ولو استثنينا بعض المختبرات النقدية، فأغلب ما نراه قراءات انطباعية لمهتمين نحييهم عليها، ولا يغيب أن الدراسة النقدية ذات أهمية، فليس مهمة النقد إظهار الخلل الإبداعي، بقدر ما هو مصحح للمسارات الفنية، وتوجيهها دون لمسها أو التدخل فيها، وعلى النقد أيضا أن يطور شروطه متى تجاوزها إبداع منفلت، بدل رهن الإبداع  لشروط جامدة، والدليل تطور الكتابة الروائية من عصر لآخر، ويبقى حدوث التجاوز المتميز طفرة.

 ثمة أسباب أخرى لا تقل أهمية وراء عزلة الرواية الليبية- كما تقول عائشة الأصفر –  منها المشاكل التي تعانيها دور النشر، سواء في التوزيع، او المشاركة في المعارض الدولية، او التوريد، او ارتفاع التكلفة وتقنيات أخرى. يضاف إلى ذلك عزوف الشارع الليبي عن القراءة، وهذا أيضا له أسبابه من حيث التنشئة، والتعليم، والاقتصاد، وانعدام الحوافز، وارتفاع أسعار الروايات الذي صار ظاهرة. ولن نستثني الحرب وتبعاتها.

وتشير الأصفر في استعراضها لأسباب عزلة الرواية الليبية إلى عامل آخر ومهم وهو افتقارها للدعم الإعلامي، وعدم تغطيته الكافية لما يقام من ندوات حول الرواية، أو تغطيته لندوات حول الروايات الصادرة حديثا. وهذا يلزمُ من باب الدّعم، لإن الدعاية قد تصنع الروائي لكنها لا تستطيع صُنع رواية.

وتختم عائشة الأصفر بالقول إنه رغم العزلة، فقد تناول بعض النقاد من دول عربية، ومن داخل ليبيا دراسة الرواية الليبية، وقد أقيمت حولها ندوات بعضها عالمي من قبل بعض الجامعات الليبية، وأخرى أقيمت من قبل الثقافة حضرها نقاد من خارج ليبيا، وأنوه هنا أن دراسة الرواية، وإن كانت تساهم في خدمة الرواية بصفة عامة، لكنها لا تكفي لانتشارها، بل تسليط الضوء على عناوين روايات معينة والكتابة عنها أجدى لانتشارها، خاصة في ظل الثورة الالكترونية، التي ساهمت في ذلك كثيرا، وإن كان على حساب المنظومة الورقية، والتي للأسف ما كانت من أولويات المواطن في بلادنا.  

جوائز عالمية

ويرى الباحث والقاص خالد السحاتي أن الإبداعُ الأدَبِيُّ يرتبط بِظُرُوفِ الإنسان (المُبدع) عبر التَّارِيخِ البَشَرِيِّ، والهدفُ منهُ التَّعبيرُ والتَّواصُلُ، باعتبار أنَّ الأدَبَ إبْدَاعٌ وسيلتُهُ اللغة، فالألمُ والأملُ ومُجْمَلُ ما يَعِيشُهُ الإنسانُ من حالاتٍ مُختلفةٍ ينعكسُ بشكلٍ أو بآخر في الإبداع الأدبيِّ.. والرِّوايةُ هي من الأجناس الأدبيَّة المُهمَّة، وقد مرَّت الرِّواية الليبيَّة بعدَّةِ مَرَاحِل، حيثُ انطلقت (كما يرى البعضُ) في أواخر الخمسينيَّات وأوائل الستينيَّات من القرن الماضي، وكانت في بداياتها تُركِّزً على مواضيعَ تَرْتَبِطُ بهـويَّة المُجتمع الليبيِّ والحداثة، والهجرة إلى المُـدُن.. وغير ذلك من المواضيع التي برزت بعد استقلال الدَّولة، وقيام المملكة الليبيَّة.

الباحث والقاص خالد السحاتي

 ويشير السحاتي إلى أن فترة  نظامُ القذافي، والتي بدأت عام 1969م كانت  مُهمَّة على هذا الصَّعيد، حيثُ بَدَا الواقعُ الليبيُّ أكثر تعقيداً، وأحْكَمَ النِّظَامُ قَبْضَتَهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ، فتأثر فنُّ الرِّواية بهذه الأوضاع، فهاجر بعضُ الكُتَّابِ خارج الوطن، وبدأوا في إنتاجهم الروائي في المهجر، والبعضُ الآخرُ ظلَّ قابعاً داخل الدَّولة، ويخضعُ لما يفرضُهُ النِّظامُ منْ قُيُودٍ على الإبداع. ولذلك نُلاَحِظُ أنَّهُ بعد عام 2011 حدثت طفرةٌ واضحةٌ في الفنِّ الرِّوائيِّ، كتابةً ونَشْراً وقراءةً، حيث سُمِحَ لكُتَّابِ المهجر بالعودة للوطن، ووُزِّعَتْ أعمالُهُم القديمة والجديدة، وبرزت أسماءٌ جديدةٌ في هذا المجال، ولُوحِظَ تنوُّع مواضيع الرِّواية الليبيَّة في هذه المرحلة، حيثُ كان من بينها: حُقبة النِّظام السَّابق بكُلِّ ما فيها (ثقافيّاً واجتماعيّاً وسياسيّاً واقتصاديّاً)، والمرحلةُ الجديدةُ التي دخلت فيها البلدُ، بأحداثها وتطوُّراتها، وما شهدهُ المُجتمعُ من تغيُّراتٍ واضحةٍ على أكثر من صعيدٍ.

ويؤكد «خالد السحاتي» على وصول الأدب الليبي إلى العالم عبر جهود الترجمة المحلية والعربية والعالمية، وتحصَّل أُدباءُ ليبيُّون على جوائز عالميَّة، نموذجُ الروائي/ هشام مطر، الذي فاز عام 2017 بجائزة أحسن كتاب للسنة من مُنظمة أمريكيَّة عن كتابه «العودة»، ونال الكتاب ذاته «جائزة البوليتزر»، وجائزة الكتاب الأجنبي الفرنسية في ذات العام، كما نال جائزة «مان بوكر الدولية» عن كتابه «في بلد الرجال»، وجائزة «الأخوين شول». إذا الإبداع الروائي الليبي يشهد مرحلة متميزة حاليا، تتباين الأعمال الروائية من حيث المواضيع والجودة، وأتصور أن استقرار الأوضاع سوف ينعكس إيجابيا على مُجمل الإبداع الأدبي.      

مشهد تشكيلى ضبابى

وفيما يخص واقع الفن التشكيلي في ليبا يقول الفنان التشكيلي عادل فورتية: «تعود بدايات المشهد الإبداعى الليبى في مجال الفن التشكيلي إلى منتصف القرن التاسع عشر، عبر أسماء ورواد كان لهم الفضل الكبير في ترسيخ ما يعرف باللوحة التشكيلية الليبية من خلال تجسيد بعض من الحياة الاجتماعية والمناظر الطبيعية وما إلي ذلك.

الفنان التشكيلي عادل فورتية

 ويضيف فورتية أن هذا المشهد تعثر قليلا مع تولي النظام الشمولي سدة الحكم في ليبيا من خلال جملة من القوانين ذات مرجعية قومية استطاعت أن تحصر الفنون في نمط وحيد ومحدد، ذلك النمط المكتبي للسلطة.. ومع التغيير الذي حدث في 2011 تحركت بعض القوي المدنية داخل المجتمع الليبي رغبة منها في الانفكاك من كل القيود التي تم فرضها في السابق، وقد تم ذلك من خلال عمل بينالي (رمل) عام 2013 والذي تمت فيه دعوة فنانين من خارج ليبيا، وأيضا افتتاح قاعة (رمل) للفنون والمختصة بتشجيع المواهب وعمل معارض فردية وجماعية، و للأسف تعثرت كل تلك المحاولات مع الارتدادات التي حدثت بعد ذلك وتشتتت كل تلك المجهودات.

ويشير فورتية في ختام تعليقه إلى أن المشهد التشكيلى الليبيي حاليا يبدو غائما وضبابيا، وغير قادر على التواصل مع التجارب الفنية المختلفة، ومنحصرا داخل محلية مؤطرة للأسف،

«علينا أن لاننسي  علاقة كل ذلك بحالة عدم الاستقرار التي تمر بها ليبيا حاليا».

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق