فن

خطايا الإنفتاح.. ومحنة الطبقة الوسطى فى سينما السبعينات والثمانينات

فى أحد المشاهد الأخيرة من فيلم «انتبهوا أيها السادة»، الذى عرض عام 1978، يقف أستاذ الفلسفة الدكتور جلال فهمى أمام تلاميذه ليصرخ صرخته العاجزة الضعيفة اليائسة كصاحبها وهو يقول: الحقيقة هى.. الحقيقة هى «عنتر». وعنتر هو جامع القمامة الذى أصبح واحدا من مليونيرات الانفتاح، والذى تسلل إلى أسرة جلال فهمى فدمرها تدميرا..

صرخة جلال العاجزة هى نفس نظرة سهام المستكينة المهزومة فى فيلم «أهل القمة»، وهى تذهب مستسلمة و طائعة الى حياتها الجديدة، متأبطة ذراع محمد زغلول، أو زعتر النورى لص الاوتوبيسات ونشال المحافظ الذى اصبح مهربا كبيرا فى بور سعيد، ومليونيرا يتاجر فى كل شىء خلال فترة  انفتاح «السداح مداح »، وهى ذاتها صرخة حسن سلطان «سواق الاوتوبيس» وهو يسدد لكماته القوية المتتابعة للنشال الذى سرق محفظة أحد الركاب فى حافلة النقل العام التي يقودها، معلنا بهذه اللكمة احتجاجه على الاوضاع التى آلت اليها مصر فى حقبة الانفتاح الاقتصادى.. صرخة وضع فيها المخرج العبقري عاطف الطيب كل معانى الاحتجاج والغضب بينما حسن يصرخ: «يا ولاد الكلب»!

 كثيرة هي أفلام السينما المصرية التي تناولت ظاهرة الانفتاح الاقتصادى، الذى دشنه السادات كسياسة اقتصادية بديلة لسياسات العدالة الاجتماعية التى انتهجها الزعيم الراحل عبد الناصر، وهى سياسة صنعت متغيرات اجتماعية هائلة فى مصر ما زلنا نعانى آثارها حتى اليوم. إذ خلقت طبقات اجتماعية جديدة قفزت إلى أعلى السلم الاجتماعى، وأصبح لها الدور الكبير فى السياسات الاقتصادية التى راكمت من معاناة الطبقة المتوسطة، التى وجدت نفسها تنسحق وتنزوى وتفقد أهم ميزاتها باعتبارها الطبقة التى تحافظ على توازن المجتمع، تلك الطبقة التى كانت تتمتع بالحد اللائق من الحياة و الحصول على فرص تعليمية وصحية جيدة

تعتبر افلام «انتبهوا ايها السادة» وأهل القمة، وسواق الأوتوبيس، من أبرز الأعمال السينمائية التي تناولت ظاهرة الانفتاح الاقتصادى، وكشفت سوءاتها بوضوح تام وجراة كبيرة.

هزيمة جلال فهمى

فى فيلم انتبهوا أيها السادة الذى اخرجه محمد عبد العزيز، وقام ببطولته محمود ياسين فى دور عنتر الزبال، وحسين فهمى فى دور جلال فهمى استاذ الفلسفة وناهد شريف فى دور عايدة خطيبة جلال ومعلمة اللغة الفرنسية وملك الجمل فى دور والدة عايدة وصلاح نظمى فى دور والد جلال وزيزى مصطفى فى دور سعاد شقيقته. تبدو ملامح التناقض فاضحا منذ البداية بين طبقة تصعد بسرعة الصاروخ وهى طبقة عنتر، وطبقة أخرى تنحدر وتتراجع بسرعة، هى طبقة جلال واسرته. بينما تبدأ المواجهة مبكرة جدا، حين يعتقد عنتر الذى يجمع القمامة من شقق السكان ومنها شقة المحامى فهمى وابنه جلال الحاصل على الدكتوراه فى الفلسفة والمدرس الجامعى، أن سعاد أخت جلال وأبنة المحامى فهمى هى خادمة لدى الأسرة بسبب ما ترتديه من ملابس فقيرة فيأتى لخطبتها. وبالطبع تثور ثائرة والدها فهمى المحامى، ويطرد عنتر من الشقة، بل والعمارة، فيقرر الزبال بكل ثقة أن تلك الاسرة ستندم على طردها له.

 فى نفس الوقت الذى طالت فيه خطوبة جلال وعايدة ثم امتدت الى خمس سنوات دون أن يتمكن جلال من الحصول على شقة الزوجية تلك التى كانت معضلة المقبلين على الزواج، ومشكلة الطبقة الوسطى فى سينما السبعينات والثمانينات بل وفى ارض الواقع أيضا.

وفى رحلة بحث جلال وعايدة عن شقة رخيصة، يلتقيان عنتر بعد أن أصبح مليونيرا كبيرا ورأسماليا، يمتلك العمارات والعقارات والسيارات، وهنا تنقلب حياة اسرة جلال فهمى رأسا على عقب، إذ دخلها عنتر بكل ما يملك من مال كالفيروس الخبيث، فتفتح والدة عايدة بيتها لعنتر، ويعمل والد جلال محاميا لعنتر إلى أن تستسلم عايدة خطيبة جلال وحبيبته لإغراءات عنتر، وتوافق على الزواج منه، ويجد جلال نفسه وحيدا فى مواجهة طوفان عنتر الذى أغرق كل شىء وجرف كل قيمة ليصرخ فى النهاية بأن الحقيقة هى عنتر.

 فضح هذا الفيلم مثالب وعورات الانفتاح الاقتصادى الذى كان المسمار الاول فى نعش الطبقة الوسطى فى مصر.

زمن زعتر النورى

أما فيلم أهل القمة الذى أنتج عام 1981، فيبرز كواحد من أهم الأفلام التى تناولت الانفتاح الاقتصادى فى مصر وهو مأخوذ عن قصة لأديب نوبل الكبير نجيب محفوظ وأخرجه على بدرخان، من بطولة السندريلا سعاد حسنى فى دور سهام ونور الشريف فى دور زعتر النورى الذى غيّر اسمه إلى محمد زغلول وعزت العلايلى فى دور ضابط الشرطة محمد خال سهام وعمر الحريرى فى دور رجل الأعمال زغلول بيه ونادية رفيق فى دور والدة سهام ونادية عزت فى دور زوجة الضابط محمد وصلاح رشوان فى دور رفعت.

تدور الأحداث فى أسرة ضابط الشرطة المكافح الشريف محمد الذى يقيم فى بور سعيد، ويسكن هو وزوجته وأولاده فى شقة ضيقة وتعيش معهم شقيقته زهيرة وابنتها سهام الموظفة بالتليفونات والتى ترتبط بعلاقة حب بزميلها رفعت والذى لا يستطيع تدبير تكاليف الزواج والشقة فيتخلى فى النهاية عن سهام ويسافر خارج مصر. وتضيق شقة الضابط محمد بساكنيها وتبدى زوجته تبرمها وسخطها وضيقها المستمر من سكنى شقيقة زوجها وابنتها معهم، ويتعرف الضابط محمد على زغلول بيه رجل الأعمال الذى يتقدم لخطبة سهام، ولكن الضابط محمد يكتشف أنه مهرب كبير، فيبدأ فى تعقبه وتتعرف سهام على رجل الأعمال الأنيق الوسيم المقتدر محمد زغلول الذى لم يكن إلا النشال السابق زعتر النورى الذى سجنه خالها ذات يوم، لكنه وبعد أن كان لص محافظ فى الاوتوبيسات أصبح لصا من نوع آخر فهو من كبار المهربين فى الجمرك ومن أباطرة التهريب وبالطبع يتعرف عليه الضابط محمد، ويحاول أن يتصدى لتلك الزيجة و أن يوقع بزعتر و أستاذه فى التهريب زغلول بيه الذى تعلم على يديه التهريب ثم انقلب عليه لكن محاولات الضابط محمد تذهب كلها سدى، بل يدفع ثمن أمانته ونزاهته وضميره الحى بأن يتم نقله إلى أسيوط . 

وتتزوج سهام من زعتر أو محمد زغلول وتتأبط ذراعه فى حفل زفافهما، وحين يجىء خالها الضابط محاولا منع الزيجة ويقول لابنة شقيقته: «كدة هاتهينى نفسك ووالدتك بين اللصوص والمجرمين».. ترد سهام بمنتهى القسوة: «وهى كرامتنا ما كانتش اتهانت فى بيتك ».. وبينما ينسحب خالها الضابط  تنظر اليه سهام نظرة عجز واستسلام ولسان حالها يقول: ما باليد حيلة وقد تدخلت الرقابة لمنع عرض الفيلم على اعتبار أنه يمثل إدانة واضحة لسياسات السادات الإقتصادية، ولجأ صانعوه للرئيس الراحل فأصدر السادات أوامره بعرض الفيلم مع حذف مشهد واحد يمثل إهانة واضحة لرجال الشرطة.

 

الفاسدون يكسبون

ثمة تشابه بين فيلمى انتبهوا أيها السادة وأهل القمة فى كثير من المحاور المهمة لكليهما، فنحن فى انتبهوا أيها السادة إزاء مواجهة بين القيم الفاسدة التى يمثلها عنتر جامع القمامة وقيم الطبقة الوسطى الشريفة التى يمثلها الدكتور جلال فهمى، وينتهى الأمر بانتصار عنتر وقيمه على جلال وقيمه وطبقته وتذهب عايدة التى كانت مخطوبة لجلال إلى عنتر لتتزوجه وربما ترمز عايدة هنا لمصر.

أما فى فيلم أهل القمة فإننا إزاء مواجهة بين زعتر النورى وزغلول بيه وقيمهما الفاسدة من ناحية والضابط محمد وقيمه الشريفة المعبرة عن الطبقة الوسطى من ناحية أخرى، وينتهى الامر كذلك بانتصار زغلول و زعتر النورى وقيمهما الرديئة واختيار سهام التى ربما ترمز إلى مصر أيضا لزعتر النورى.  

ثمة تشابه أيضا فى كثير من جمل الحوار ومدلولاتها فى كلا الفيلمين، فمثلا فى انتبهوا أيها السادة، يقول الدكتور جلال لعنتر: «أنت ما تقدرش تفهم سطر واحد فى رسالة الدكتوراه بتاعتى».. فيرد عنتر: «وأنت ما تقدرش تبنى حيطة واحدة فى عماراتى». وفى أهل القمة وحين يسافر رفعت حبيب سهام تذهب وراءه إلى المطار من أجل أن يعدها أنه سيعود إلى مصر ثانية ليتزوجا فيقول لها: «عواطفنا كانت مخبية عننا الواقع اللى بنعيشه.. فترد: الواقع ده ممكن نغيره بايدينا.. فيرد وقد تحول إلى حزب زعتر وقيمه: «ده كلام روايات.. روايات مضحكة».

صرخة احتجاج

يمثل فيلم سواق الاتوبيس الذى تم إنتاجه عام 1982 هو الآخر صرخة احتجاج ضد الانفتاح وسياساته – وإن بشكل غير مباشر – من خلال تركيزه على منظومة القيم التى شهدت تغييرات هائلة لصالح قيم الجشع والطمع وإهدار أى معانى انسانية لصالح المادة التى طغت على كل شىء، وقد أخرجه عاطف الطيب وقام ببطولته نور الشريف وعماد حمدى وميرفت أمين، وفى أحداث الفيلم تفرض مصلحة الضرائب مبلغ عشرين الف جنيه على ورشة النجارة التى يمتلكها المعلم سلطان وإلا سيتم بيعها فى المزاد، فيلجا ابنه حسن سائق أتوبيس النقل العام لشقيقاته المتزوجات ولأزواجهن الميسورين، الذين يمثلون تلك الطبقات الطفيلية التى ظهرت فى فترة السبعينيات، لكنهم جميعا يطمعون فى الورشة ويريد كل منهم نصيبه فيها، وهؤلاء يمثلون بالطبع منظومة قيم الفساد والنهب التى أفرزها الانفتاح وطوفان السفر والعمل فى الخليج. في مواجهة ذلك كله يلجأ حسن لأصدقائه فيقفون معه ويفعلون المستحيل من أجل إنقاذ الورشة، وهؤلاء يمثلون بالطبع ما تبقى من قيم وأخلاقيات أولاد البلد الجدعان وما بقى من تراث نصر أكتوبر، ويضطر حسن إلى بيع التاكسى الذى يملكه ويعمل عليه، ويفقد زوجته التى خيرته بين حياتهما أو بيع التاكسى، فيبيع التاكسى ويطلقها ويجمع عشرة آلاف جنيه لإنقاذ الورشة. لكنه حين يذهب فرحا إلى بيت والده يجده قد فارق الحياة.. نحن هنا أمام منظومة قبح شديدة السواد.. فالبنات وأزواجهن يتقاسمون ميراث الوالد فى حياته ووجوده بينهم، والمعلم أبو سديرة الذى لجأ إليه الحاج سلطان لإنقاذ الورشة يطلب فى المقابل الزواج من ابنته الصغيرة الطالبة، وكأنه نخاس يريد شراءها، وزوجة حسن تخيره بين حياتهما أو بيع التاكسى.. إنه مجتمع يبدو كالغابة يأكل فيها القوى الضعيف، وتجىء صرخة حسن المدوية يا ولاد الكلب احتجاجا على كل هذا القبح، وأخلاق الغابة التى صرنا إليها. والتى كانت سياسات الإنفتاح، نقطة استفحالها فى المجتمع

 وبالطبع يمكننا قراءة كثير من جوانب الواقع المصرى فى فترة السبعينات وحقبة الإنفتاح التى عبرت عنها هذه الأفلام الثلاثة أصدق تعبير، وهو واقع  شهد تحولات هائلة، كانت للأسوأ، وكانت هذه الأفلام التى عرضنا لها صرخة سينمائية شديدة الوعى ضد سياسات اقتصادية دشنت عهدا جديدا اختفت فيه أو كادت الطبقة الوسطى فى مصر.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق