منوعات

بين «الطليعة» و«الدعوة» (1).. سجال اليسار والإخوان

«الطليعة» و«الدعوة».. مجلتان ربما لا يعرف الكثيرون من أبناء الجيل الحالي عنهما شيئا.. «الطليعة» مجلة يسارية صدر العدد الأول منها عام 1965، عاصرت هزيمة يونيو 1967، وحرب الإستنزاف،وعاشت إنتصارات أكتوبر، وبدايات عصر الإنفتاح. وحين اندلعت إنتفاضة 18 و19 يناير 1977، التي أطلق عليها الرئيس الراحل أنور السادات «إنتفاضة الحرامية» كانت «الطليعة» درة متوجة في الصحافة المصرية، لكن هذه الإنتفاضة وما صاحبها وأعقبها من أحداث، كانت بمثابة بداية النهاية لتلك المجلة العريقة، فلم تكد تمر سوى أشهر معدودة  حتى صدر قرار السادات بإلغاء تصريح صدورها ليكون عدد شهر يوليو 1977  هو عددها الأخير.

واستمرت «الطليعة» في الإنقطاع إلى أن عاود رئيس تحريرها الراحل لطفي الخولي فى منتصف ثمانينيات القرن الماضي محاولة إصدارها ككتاب غير دوري، غير أن التجربة لم يكتب لها النجاح، ليعاود مجموعة من الكتاب والمثقفين المصريين إحياء تجربتها في أعقاب ثورة 25 يناير 2011، ومن ثم صدرت المجلة عام 2012 بعنوان جديد هو «الطليعة 21» لتتوقف مرة أخرى بعد صدور أعداد محدودة منها.

لطفي الخولي رئيس تحرير الطليعة

أما مجلة «الدعوة» المتحدثة باسم جماعة الإخوان المسلمين، فقد صدر العدد الأول منها في 30 يناير عام 1951، غير أنها  توقفت مع بدايات الأزمة بين الإخوان وقادة ثورة يوليو في الأول من ديسمبر عام 1953، لتعود مرة أخرى للصدور عام 1976على يد صالح عشماوي مؤسسها الأول، والذي ظل رئيساً لتحريرها حتى توقفها النهائي مع أزمة سبتمبر عام 1981 التي نجم عنها اعتقال صالح عشماوي مع العديد من المفكرين والمثقفين المصريين من مختلف التيارات السياسية سواء كانت يمينية أو يسارية.

صالح عشماوي مؤسس ورئيس تحرير الدعوة

عبر مجموعة من المقالات سيقدم موقع «أصوات أونلاين» قراءة في محتوى المجلتين خلال فترة زمنية محددة، في محاولة للاجابة على جملة من التساؤلات حول رؤية مجلتي «الطليعة» و«الدعوة» حيال عدد من القضايا الاجتماعية والسياسية، بوصفهما معبرتين عن تيارين سياسيين متمايزين وهما «اليسار والإخوان المسلمين»، وإلى أي مدى مازالت تلك الرؤى صالحة للتعامل مع قضايا الواقع الراهن؟

القاهرة – يوليو 1976

هل هي الصدفة وحدها التي لعبت دورا في عودة مجلة «الدعوة» المتحدثة باسم جماعة الإخوان المسلمين في الأول من يوليو عام 1976 بعد إنقطاع دام لأكثر من عشرين عاما؟ أم أن القاهرة كانت على موعد مع أحداث جسام؟.. لكي نجيب عن تلك التساؤلات علينا أن نتعرف على السياق الإجتماعي والسياسي الذي كان سائدا فى تلك اللحظة المهمة من تاريخ مصر الاجتماعي. ففي نفس هذا العام الذي شهد عودة مجلة «الدعوة» دق الكاتب الراحل لطفي الخولي في مقاله الإفتتاحي بعدد يوليو 1976 من مجلة الطليعة، «ناقوس الخطر» محذرا ومنذرا من مغبة الإرتكان إلى وجود ثلاثة تنظيمات سياسية فقط دون السماح لمختلف التيارات السياسية الأخرى بالتواجد بشكل قانوني رسمي، وذلك على الرغم من كون تلك التيارات كانت قد بادرت بالفعل بالتشكل ومن ثم التواجد بشكل علني غير رسمي. كانت الحياة السياسية في مصر قد شهدت غياباً تاماً لمبدأ التعددية الحزبية منذ عام 1953، غير أن عام 1976 شهد ميلادا جديدا لثلاثة فقط من التنظيمات الحزبية اتخذ أحدها اسم «مصر العربي الإشتراكي» والثاني اسم «الأحرار الإشتراكيون» والثالث حمل أسم «التجمع الوطني التقدمي الوحدوي»، وقد درجت وسائل الإعلام المختلفة على التمييز بينهم فاعتبرت الأول ممثلا لقوى الوسط، والثاني ممثلاً لقوى اليمين، والثالث معبرا عن قوى اليسار.

صدر القرار التشريعي الخاص بمنح تلك التنظيمات الثلاثة شرعية الوجود، عقب عقد مؤتمر مشترك جمع بين مجلس الشعب واللجنة المركزية للإتحاد الإشتراكي، متجاهلا العدد الكبير من التنظيمات التي أعلنت عن نفسها، وبلغ عددها أربعين تنظيما.. وحين سئل السادات عن أسباب عدم إطلاق حرية تكوين الأحزاب السياسية، أجاب بان ذلك سيعني «قفزة مغامرة في المجهول».

من جانب آخر فتحت كل وسائل الإعلام، سواء صحف أو تليفزيون أو إذاعة، منابرها دون حدود أمام كل من يعبر عن منبر «الوسط» الممثل رسميا في حزب «مصر العربي الإشتراكي»، مع منع أي فرصة أمام نشر رأي تنظيم اليسار، حتى أن اتحاد الإذاعة والتليفزيون كان قد أصدر قائمة سوداء بأسماء عدد كبير من الكتاب والمفكرين اليساريين، لحظر التعامل معهم.

وهكذا كانت مجلتا «الطليعة» و «الدعوة» بمثابة المنفذ الوحيد لليسار وجماعة الإخوان المسلمين، لذا لم يكن غريبا أن يبادر كتاب مجلة «الدعوة» مع إنطلاق أولى أعدادها بالمناداة بضرورة عودة الإخوان المسلمين بشكل قانوني رسمي، وتبارى كتابها فى كتابة العديد من المقالات التى سردت تاريخ الجماعة، في محاولة منهم لتبرئتها أمام الرأي العام، بعد أن كانت قد غُيبت لسنوات تجاوزت العشرين عاما.

 وفي ذات السياق أتي عام 1976 محملاً بتبعات تطبيق سياسة الإنفتاح الإقتصادي وبدايات الآثار المترتبة على سفر المصريين للخارج، وخاصة دول الخليج، وما تبع ذللك من بروز مظاهر جديدة تتعلق بطريقة الملبس وأسلوب الحياة الإجتماعية بشكل عام، هذا بالإضافة إلى بداية إستعانة السادات بتيار الإسلام السياسي في مواجهة ما اعتبره توغلا لتيار اليسار المصري، وصولا لشهر يناير 1977 وإعلان السادات عدد من القرارات الإقتصادية التي أدت لإندلاع إنتفاضة يناير 1977.  

لماذا «الطليعة» و«الدعوة»؟

قد يتساءل البعض عن سر إختيار مجلتي «الطليعة» و«الدعوة» على وجه التحديد وخلال تلك الفترة الزمنية  (يوليو 1976 – يوليو 1977) تحديدا؟

فيما يتعلق بالفترة الزمنية التي تم إختيارها  لتقديم قراءة في محتوى المجلتين، فإنها الفترة الوحيدة التي التقت فيها المجلتان في الصدور، أما سر اختيار هاتين المجلتين تحديدا، فربما نجد الإجابة حاضرة على غلاف أول عدد من مجلة «الدعوة» الصادر في يوليو 1976، والذي تضمن عنوان «الزحف الشيوعي أين يقف اليوم؟» كتعبير عن ذلك السجال الذي كان دائرا بين اليسار وجماعة الإخوان المسلمين آنذاك، والذي برز عبر عدد من المقالات التي صدرت بالمجلتين. وربما يكفي أن نشير إلى أن عدد «الدعوة» التالي مباشرة لإنتفاضة يناير 1977، والصادر فى شهر فبراير 1977، جاء يحمل غلافاً يتضمن عنوانا «هل يهجر الشيوعيون شيوعيتهم؟».

على الجانب الآخر أولت مجلة «الطليعة» إهتماما خاصا بصدور مجلة «الدعوة»، ما دعا الكاتب وحيد عبد المجيد بعدد شهر أكتوبر 1976 لأن يتناول بالتحليل عودة «الدعوة» في مقال له يحمل عنوان «مجلة الدعوة: هل تتقدم أم تتأخر؟»، إلى جانب عدد آخر من المقالات لكتاب مختلفين، حرصوا على طرح رؤية مجلة «الدعوة» للمناقشة، وخاصة فيما يتعلق برؤيتها حول الدستور، والتي تجسدت منذ صدور عددها الأول الصادر بشهر يوليو 1976 والذي تضمن عنوانا «القرآن فوق الدستور».

وحيد عبد المجيد

هذا بالطبع إلى جانب الأهمية الخاصة التي تحملها كل مجلة منهما، بوصفها المعبر عن رؤية اليسار وجماعة الإخوان المسلمين، بإعتبارهما التيارين الأبرز على الساحة العامة منذ سبعينيات القرن الماضي وحتى اللحظة الراهنة.

خلال هذه السلسلة من المقالات عن محتوى  المجلتين، سنقدم قراءة في رؤية كل من «الطليعة» و«الدعوة» للقضايا الوطنية في بُعدها القومي، والموقف من الصراع العربي الإسرائيلي، وقضايا الدستور والتنمية والحرية والديمقراطية والتعليم ودور المرأة في المجتمع وقضايا الشباب وغيرها من القضايا المجتمعية التي شغلت الساحة العامة آن ذاك. كما سنطرح رؤية كل منهما للعديد من الأحداث الهامة التي شهدتها الساحة العربية والمصرية خلال تلك الفترة، مثل اندلاع الحرب الأهلية في  لبنان، وإنتخابات مجلس الشعب 1976، وإنتفاضة 18 و19 يناير 1977، وغيرها من الأحداث، إلى جانب طرح رؤيتهما حول الواقع الثقافي المصري وهل اختلف كثيرا عن واقعنا الثقافي الحالي؟ حيث دأبت «الطليعة» على إصدار ملف «ثقافي فني» يتناول المشهد الثقافي الفني خلال الشهر، كما دأبت مجلة «الدعوة» على تضمين عدد من الصفحات وإن كان محدودا للغاية يتعلق بالثقافة متضمنا بعضا من القصائد الشعرية والقصص القصيرة وغيرها.

 وعبر تلك السلسلة من المقالات، سيتم طرح رؤية المجلتين عبر طريقتين مختلفتين، الأولى تتمثل في كيفية معالجتهما للقضايا المختلفة على أن تتناول كل مقالة قضية واحدة فقط في محاولة للمقارنة بين رؤية المجلتين وطريقة معالجة كل منهما لذات القضية، أما الطريقة الثانية فتتمثل في كيفية معالجتهما لعدد من الأحداث البارزة، وذلك في محاولة للتعرف على مدى صمود تلك الرؤي وقدرتها على الإستمرار والتعبير عن هموم وقضايا واقعنا الراهن بكل تجلياته وأزماته.

(يتبع).

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق