فن

حسن عابدين.. الإنسان يعيش مرتين

في قفص الاتهام وقف الفتى «حسن عابدين» ابن السابعة عشرة، رابط الجأش غير مبال بحكم الإعدام الذي صدر بحقه للتو، هو لا يهاب الموت، ولو كان يخشاه ما سعى إليه سعيا، دفاعا عن «فلسطين» الحبيبة، وما التهمة التي وجهت إليه إلا وسام على صدره، فما كان ليطيع أمرا يلزمه بالهدنة مع الصهاينة، خاصة أن الأمر أتى من قيادة الجيش العربي وقائده المتواطئ «جلوب» باشا.. لكن البطل أحمد عبد العزيز يصل في الوقت المناسب، ويحكم الحصار حول المحكمة، ويهدد بنسفها إذا لم يتم إطلاق «حسن» ورفاقه.. وماهي إلا دقائق حتى عاد الفتى حرا طليقا، تداعبه أحلام الفن من جديد.

بحثا عن فرصة

في إحدى المدارس الابتدائية، في بداية الأربعينات من القرن الماضي عرف الصبي «حسن» طريقه نحو المسرح المدرسي الذي مهّد له الطريق للالتحاق بفرقة قصر ثقافة «بني سويف» المسرحية، وهناك لفت «عابدين» الأنظار بأدائه البارع، وموهبته الفريدة، كما لفت -أيضا- انتباه بعض الأقارب والجيران، الذين سعوا للوشاية به عند أبيه، فور حصوله على شهادة التوجيهية، وأثناء استعداده للسفر إلى القاهرة للالتحاق بالجامعة التي زعموا أنها لن تكون سوى مبرر ليبلغ الفتى بغيته بأن يصبح “مشخَّصاتيا” فما كان من الأب إلا أن أصدر أمره بإلغاء السفر، وإلحاق الفتى بالعمل بالزراعة في أرض تملكها الأسرة.. لم يعترض «حسن» على قرار والده، وانكب على العمل في الأرض، إلى أن قامت الحرب في «فلسطين» فطلب من أبيه أن يتطوع للدفاع عن الأرض المقدسة، فوافق وكان ما كان.

بعد انقضاء الحرب، عاد عابدين إلى «بني سويف» وواصل عمله بالزراعة، لكن الأب رقّ له هذه المرة، وسعى إلى تعيينه موظفا بمحكمة «بني سويف» وفور حصوله على الوظيفة، سعى «حسن» بكل ما أوتي من قوة لكي يُنقل إلى القاهرة؛ حتى نجحت مساعيه ونقل للعمل بمحكمة القاهرة، ثم كانت البداية في برنامج ركن الهواة بالإذاعة المصرية؛ ولشدة إعجاب مقدم البرنامج «علي فايق زغلول» به، رشّحه للعمل في مسلسل إذاعي يخرجه «بابا شارو» لإذاعة الكويت.. كانت تجربة قاسية جدا إذ تعرض «حسن» لسخرية لاذعة من بعض الممثلين بعد أن تلعثم أمام الميكروفون، وانحبس صوته، وكان يعاني –في ذات الوقت- من تعنت رئيسه المباشر في محكمة القاهرة، فقرر ترك القاهرة والعودة إلى «بني سويف» ونسيان ذلك الحلم الجميل الذي بددته ضراوة الواقع وخشونته.

بعد وصوله إلى مسقط رأسه بأيام، علم «عابدين» بوجود فرقة المسرح العسكري التي كانت تقدم عرضا بعنوان «كرباج أفندينا» على مسرح «بني سويف». حضر «حسن» العرض ولاحظ أن الممثل الذي يقوم بدور «عرابي» يغلب على أدائه الانفعال والتوتر وهو إضافة إلى ذلك قصير القامة ضئيل الحجم، ما جعل الأمر يبدو هزليا بالكلية.. بعد انتهاء العرض طلب «حسن» لقاء مدير الفرقة؛ ليخبره أنه أجدر من يقدم دور «عرابي» فقد أداه مرارا على هذا المسرح؛ فهاج مدير الفرقة وماج وطرد «عابدين» لأنه في الحقيقة لم يكن سوى الممثل الهزلي «محمود صبحي» الذي أدى دور «عرابي».

مثّل هذا الموقف لـ «حسن» خيبة أمل ثانية قضت على البقية الباقية من آماله الفنية؛ لكنه علم بعد فترة بتولي «نبيل الألفي» إدارة المسرح العسكري خلفا لـ «صبحي»، وأن الألفي يجري اختبارات لممثلين جدد، فسارع بالتقدم واجتاز الاختبار بنجاح ونال إعجاب المخرج الذي أسند إليه دورا رئيسا في مسرحية «عَرُوس رَشِيد» عن قصة «في سبيل الحرية» التي كتبها الرَّئيس «جمال عبد الناصر» شارك «عابدين» بطولة العرض «سعاد حسني» و«أحمد مظهر».. وللأسف أصدر «عبد الناصر» أمرا بإلغاء العرض قبل ثلاثة أيامٍ من الافتتاح.. كان «عابدين» يردد بعد ذلك مازحا «لقد أخَّرَ الرَّئيس عبد الناصر شهرتي لمدة 20 سنة بِجَرَّة قلم».

شارك «عابدين» بعد ذلك في سهرة تليفزيونية من إخراج «نور الدمرداش» الذي أسند إليه دور وكيل نيابة، كانت السهرة مذاعة على الهواء، وكان من المقرر أن يكون المشهد الختامي في ساحة المحكمة مع مرافعة النيابة، ورغم حفظ “حسن” الجيد للدور، إلا أنه نسي تماما ما حفظه؛ فما كان منه إلا أن ارتجل المرافعة معتمدا على سلامة لغته وفصاحة منطقه، ما أثار إعجاب «الدمرداش» الذي رفع أجره وسط دهشة الجميع.

 حُلَّ المسرح العسكري بعد هزيمة يونيو 67، فانتقل «عابدين» إلى مسرح الحكيم (المسرح الحديث)، ومنه إلى فرقة «رمسيس» (فرقة يوسف وهبي) فأُسندت إليه أدوار الوالد التي كان يقوم بها «حسين رياض» و«مَنَسَّا فهمي» برغم أن «حسن» كان ما يزال في السادسة والثلاثين.

عاد «عابدين» بعد ذلك إلى المسرح الحديث، وقدَّم عدَّةَ عروض رائعة لم تُصور للأسف منها مسرحية «سلطان زمانه» التي جعلت «عبد الرحيم الزرقاني» يرشحه لدور «سعد الله» في مسرحية «نرجس» بدلا من «المليجي» الذي كان قد رفع أجره إلى 400 جنيه.. لم تعرض المسرحية تليفزيونيا إلا بعد فترة وعندما عُرضت حققت نجاحا ساحقا وكانت بداية الشُّهرة الحقيقية لـ «عابدين».

إنتشار فنى

في فترةِ السبعينياتِ قدَّم «عابدين» عدّة أعمال تليفزيونية بدأت بمسلسل «فرصة العمر» 76، ومسلسل «مهلا أيُّها الخريف» واستمرت رحلته النَّاجحة في التليفزيون بمسلسل «أهلا بالسكان» و«في حاجة غَلَط» و«نهاية العالمِ ليست غدًا» و «ماشي يا دُنيا» و «برج الأكابر» و«أنا وأنت وبابا في المشمش» و «والإسلام والإنسان» كما قدَّم مع الفنَّانَة «ليلى طاهر» عددا من المسلسلات، مثل «رفقا أيها الأبناء» واعتبرا «دويتو» ناجحا جدا جماهيريا.

استمر «حسن عابدين» بمسرح الدولة حتَّى استقال عام 1977، بعد عرض مسرحيته «الطِّفل المُعجزة» شاكيا الإهمال وعدم التَّقدير في مسرح الدولة؛ ثُمَّ انضمَّ إلى فرقة الفنانين المتحدين، ليقدِّمَ من خلالها أشهر أعماله المسرحية «عشّ المجانين» و «الرُّعب اللذيذ» ثُمَّ على مسرح جلال الشرقاوي «افرضْ» و «عَ الرَّصيف» و«بُولُوتِيكَا» وقد حققتْ المسرحيات الثلاثة نجاحا كبيرا.

لم يقدم «حسن عابدين» في السينما ما كان مُنتظَرا منه بسبب أن المنتجين حصروه في دور الأب فشارك في «الشَّيطان امرأة» و«الأقدار الدامية» 72 و «العذاب فوق شفاهٍ تبتسم» 73، و«على مَنْ نُطلق الرصاص» و «الأنُثَى والذِّئب» 75، و«سنة أولى حب» و«فيفا زلاطا» 76، و«عيب يا لولو» 78، وفي عقد الثمانينيات قدَّم «ريا وسكينة» و«درب الهوى» و «مملكة الهلوسة» 83 و«الأشقياء 84 و «سترك يارب» 86 و«عنبر الموت» 89.

اكتئاب

قبلَ الفنان «حسن عابدين» عرض إحدى شركات المشروبات الغازية لعملِ حملة دعائية لها، وحققت الحملة نجاحا مُذهلا حتَّى أنها صُنِّفَت كأنجح الحملات الدعائية في العالم العربِي.. لكنَّ النُّقَّادَ هاجموه بقسوة، ما أصابَه بحالة نفسية سيئة جعلته يرفض عرضا مغريا من إحدى شركات السيارات للقيام بحملة إعلانية مقابل مبلغ كبير من المال وسيارة لكل فرد من أفراد أسرته تجاوز الثامنة عشرة تجدد كل عام.. رفض «عابدين» العرض رغم كل المُغريات وأصيب بالاكتئاب نتيجة الهجوم غير المبرر عليه.

موقف فى الحرم النبوى

عُرف «عابدين» بتدينه والتزامه الأخلاقي، ويذكر أنه تعرّض لموقف شديد القسوة أثناء أدائه للعمرة، عندما أبعده أحد العاملين بالحرم النبوي عن القبر الشريف؛ بدعوى أنه ممثل لا يحق له الاقتراب من الروضة المشرفة.. ما أصابه بالحزن بل ودفعه   لأتخاذ  قرارا باعتزال الفن، لولا صديقه «إبراهيم الشامي» الذي أقنعه بالعودة مجددا. وفي سنواته الأخيرة قرَّرَ «عابدين»  اللجوء لبرامج النقد المباشر فقدَّم من خلال الإذاعة برنامجين من تأليف «يوسف عوف» هما «مش معقول» و «عجبِي».

 وفي الخامس من نوفمبر عام 1989، رحل عن دنيانا الفنان «حسن عابدين» عن عمر ناهز الثامنة والخمسين – أثناءَ وجودِه في «لندن» لتلقي العلاج من مرض «اللُوكِيميَا» ليدفن ببلدتِه في صعيدِ مصرَ مُشيَّعا بدعاء جمهوره ومحبيه.. رحم الله الفنَّان الفدائي النبيل وغفر له.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق