منوعات

من مقتل البغدادي إلى مظاهرات لبنان.. ثورات الهامش تغّير العالم

بول روجرز – أستاذ في قسم دراسات السلام في جامعة برادفورد، بريطانيا

عرض وترجمة: أحمد بركات

لم يحد الرئيس الأمريكي دونالد ترمب في مؤتمره الصحفي ’الغريب‘، والذي أعلن خلاله عن مقتل زعيم تنظيم الدولة الإسلامية، أبو بكر البغدادي، كثيرا عن مساره الذي بدأه منذ اللحظات الأولى لترشحه للرئاسة، والذي يتمثل في شعار: «make America great again» (لنجعل أمريكا عظيمة مرة أخرى).

فبعد إعلانه هزيمة تنظيم الدولة الإسلامية في مارس الماضي، يسعى ترامب الآن إلى الترويج لمقتل البغدادي باعتباره الإنجاز النهائي، أو بتعبير المفكر الأمريكي فرانسيس فوكوياما «نهاية التاريخ» فيما يتعلق بالحرب على الإرهاب. لكن رد الفعلى العالمي لم يكن بهذا التفاؤل ’الساذج‘،وإنما كان مزيجا من شعور بالارتياح، وقناعة راسخة – في الوقت ذاته – بأن موت البغدادي لا يعني بحال نهاية إرهاب تنظيم الدولة.

دونالد ترامب

ارتياح حذر

إذا نظرنا إلى الأمور على المدى الطويل (ذلك المدى الذي يتجاوز تلك النظرة المقبولة في حقبة الرئيس ترامب)، فإن هذا الارتياح المشوب بالحذر هو الأقرب إلى المنطق والعقلانية السياسية. فبعد أحداث 11 سبتمبر هُزمت طالبان وتشتت تنظيم القاعدة بعد حرب لم تستغرق أكثر من عشرة أسابيع؛ لكن أفغانستان بقيت مثقلة بالصراعات والصعوبات وسيطرة طالبان على معظم أرجائها. وفي عام 2003، لم يصمد نظام صدام حسين في العراق أكثر من ثلاثة أسابيع أمام الاجتياح العسكري الدولي بقيادة أمريكية، ولم تمض سوى شهور قليلة حتى ألقى الرئيس جورج دبليو بوش خطابه الشهير «Mission Accomplished» (أنجزنا المهمة)، من على متن حاملة الطائرات أبراهام لينكولن. لكن، هذه الاحتفالية لم تكن في حقيقة الأمر سوى شرارة البدء لحرب مريرة استمرت على مدى خمس سنوات.

ومع تقلد الرئيس بارك أوباما سدة الحكم الأمريكي في عام 2008، بدا أن الأمور تسير في الاتجاه الآخر، وأن الحرب الطويلة أوشكت أن تضع أوزارها. وبالفعل تمكن الرئيس الأمريكي بحلول عام 2011 من سحب أغلب القوات الأمريكية من العراق، كما شهد هذا العام مقتل المؤسس والزعيم التاريخي لتنظيم القاعدة، أسامة بن لادن، والإطاحة بنظام معمر القذافي في ليبيا. لكن تنظيم القاعدة تجلى من جديد في هيئة تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام (داعش)، كما دخلت ليبيا ما بعد القذافي في نفق حروب مليشياوية معقدة نالت بشدة من استقرار أغلب أجزاء شمال إفريقيا ومنطقة الساحل.

حتى هزيمة تنظيم الدولة في العراق في عام 2017 ،بعد ثلاث سنوات من الحرب الجوية بقيادة أمريكية لم تكن كما بدت. لقد سقطت دولة الخلافة بلا شك، لكن التنظيم لجأ إلى العمل السري تحت الأرض في كل من العراق وسوريا، كما بدأت فروعه في إنشاء دول خلافة صغيرة‘ في أماكن أخرى من العالم، مثل – من بين مناطق أخرى – منطقة الساحل في إفريقيا وأفغانستان، إضافة إلى الارتباط بفصائل إسلامية أخرى متشددة في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا وأجزاء من جنوب آسيا.

علاوة على ذلك، أدت الفوضى التي أعقبت تخلي ترامب عن الأكراد إلى خروج كثير من مسلحي تنظيم الدولة من السجون ومعاودة انتشارهم من جديد. 

القاعدة وداعش وغضب الشعوب

من هنا يبدو أنه من المعقول إذن القول بأن حرب جورج دبليو بوش القديمة على الإرهاب لم تضع أوزارها بعد. لكن تحليلا أكثر شمولا يبرز الآن، ويربط بين تنظيمات مثل القاعدة وداعش من جانب وظاهرة أوسع نطاقا تتمثل في اندلاع المظاهرات الشعبية في العديد من البلدان، مثل شيلي والعراق ولبنان وهونج كونج والإكوادور، من بين دول أخرى كثيرة، وتمتد إلى بعض الحركات الشعبوية في الولايات المتحدة وغرب أوربا وغيرهما.    

تستكشف «مجموعة أكسفورد للأبحاث» (Oxford Research Group) هذا المنظور في تقرير جديد نُشر قببل أيام (تحديدا في 30 أكتوبر) بعنوان The Global Revolts from the Margins (الثورات العالمية تندلع من الهامش). يبدأ التقرير الجديد من تقرير قديم نُشر في عام 2006 بعنوان Global Responses to Global Threats: Sustainable Security for the 21st Century (استجابات عالمية لتهديدات عالمية: أمن مستدام للقرن الحادي والعشرين). كان هذا التقرير قد كتب قبل عامين من الأزمة المالية الطاحنة التي اجتاحت العالم في عام 2008، وأكد أن النموذج الاقتصادي النيوليبرالي الذي ظهر قبل ذلك بـ 25 عاما يواجه فشلا ذريعا، وكانت إحدى النتائج المحتملة لذلك هي ارتفاع وتيرة الغضب، خاصة بين الشباب، وهو ما من شأنه أن يؤدي إلى تصاعد الاضطرابات واندلاع العنف، أو ما يمكن أن يُطلق عليه ’ثورة الهامش‘.  

من منظور أمني بحت، وصف تقرير عام 2006 إحدى العلاجات لحالة التهميش، وما ينتج عنها من اضطرابات سياسية واجتماعية يتم توظيفها، على النحو التالي: «يتم تجاهل مشكلات الفقر والانقسامات السوسيو اقتصادية التي يعاني منها المجتمع إلى درجة كبيرة، وذلك من خلال قولبتها في إطار أمني بحت . لكن عندما يُنظر إلى المخاطر المباشرة التي تهدد ’الوطن‘، فإن الاستجابة المعتادة تكون مزيدا من إحكام السيطرة على المجتمع في محاولة ’لإبقاء الغطاء‘ على حالة السخط المدني، وهو ما يجعل الأمور تزداد سوءا على المدى الطويل. في الوقت نفسه يتم ترويج وتعزيز اعتقاد بأن السوق الحرة سوف تمكن الناس من إيجاد مخرجهم من الفقر».

وعلى العكس من ذلك، لم يعز التقرير الجديد جميع المشكلات التي يواجهها العالم إلى التحول النيوليبرالي الغربي الذي وقع في بداية ثمانينات القرن الماضي، وتصديره إلى النصف الجنوبي من العالم من خلال سياسات صندوق النقد الدولي والبنك الدولي وغيرهما، وإنما أشار إلى أسباب أخرى أيضا: «في معظم الحالات، توجد عوامل محددة تحول عدم الارتياح والاستياء إلى تظاهرات واحتجاجات، يتبعها في أغلب الأحوال مزيد من القمع والعنف. ربما لا يكون لقليل من هذه التظاهرات علاقة مباشرة بتزايد حالة عدم المساواة وانسداد آفاق الحياة، لكن بالنسبة للغالبية الغالبة منها فإن هذه العوامل تمثل جزءا أصيلا من السياق الاجتماعي والسياسي الأوسع».

العالم بين الشعبوية والراديكالية

هناك بعدان آخران يجب أن يُضافا إلى ما سبق، وهما بعدان يقبعان بقوة على جانبي مد الغضب المتصاعد ضد النخبة. الأول هو ظهور شعبوية مناهضة للنخبة، التي تتجلى في حالات كثيرة على مستوى العالم من شاكلة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، ورئيس وزراء الهند ناريندرا مودي، ورئيس وزراء المجر فيكتور أوربان، والرئيس الفلبيني رودريغو دوتيرتي، وكل من رئيس الوزراء البريطاني بوريس جونسون وزعيم حزب بريكست نايجل فاراج في المملكة المتحدة، وماري لو بان في فرنسا، حتى لو كان هؤلاء القادة أنفسهم يأتون في الغالب من خلفيات نخبوية بامتياز.

أما البعد الثاني ،فيتجلى في الحركات الراديكالية التي تنتهج العنف كوسيلة لتحقيق أهدافها. ستنشأ هذه الحركات بصورة أكثر شيوعا حيث تقبع قطاعات واسعة من المجتمع على الهامش، وستوغل في مواجهة النخب الصغيرة التي حققت أداء جيدا على مدى العقود الأخيرة.

كما تزداد احتمالات انتشار هذه الجماعات في المناطق التي يكون القطاع الأكبر من سكانها دون سن الخامسة والعشرين، كما هو الحال في أغلب مناطق الشرق الأوسط وإفريقيا وجنوب آسيا. وسواء كنا نتحدث عن حركات ناشئة عن تفسيرات دينية متطرفة، مثل تنظيمي الدولة الإسلامية والقاعدة، أو أيديولوجيات علمانية مثل الناكساليين الهنود، وغيرهم من الماويين الجدد، فإن هذه الحركات تقدم استجابة بشكل ما لمشاعر الغضب والاستياء والقهر لدى ملايين الناس.

وبعبارة أخرى، فإن ما نشهده اليوم هو طيف من التغيير يمتد من الحركات العنيفة، مرورا بالاحتجاجات الشعبية، ووصولا إلى الشعبوية العالمية.ويرتبط هذا التغيير بفشل النموذج النيوليبرالي بدرجة تفوق بكثير ما نرغب في الاعتراف به، ومن ثم فإننا نؤكد أن العالم يتحرك حثيثا صوب حقبة غير معهودة وأكثر ضبابية.

*هذه المادة مترجمة. يمكن مطالعة النص الأصلي باللغة الإنجليزية من هنا 👉

الوسوم

أحمد بركات

باحث و مترجم مصرى

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق