منوعات

حكايات المقريزي.. صحفيون أدمنوا خيانة صاحبة الجلالة

 في مهنة تعتبر الموهبة والمثابرة عنصرا حاسما لتستطيع ترك بصمة فيها ضُربت الصحافة من الداخل في كل الازمنة من عناصر انتموا اليها بالواسطة او الحظ ولكن لايمتلكون لاالموهبة ولاالمثابرة. و لكي يحصل هؤلاء علي ما لايستحقونه من ترقي ومواقع ومنافع مادية. كان عليهم أن ينوبوا عن السلطة القائمة في الهجوم علي زملائهم الموهوبين والوشاية السرية والعلنية بهم خاصة إذا كان هؤلاء الموهوبون لديهم آراء مخالفة لهذه السلطة. الصحافة المصرية في تاريخها لم تكن استثناء من ظاهرة «الصحفيين المعادين لحرية الصحافة التي تضمن -في حال توافرها- قواعد تنافس عادلة و تفضح قصورهم المهني».

  فقد اختار هؤلاء طريقا لايتعبون فيه الا وهو ملاحقة الصحفيين النابهين الذين كتبوا نقدا لتوجهات السلطة. وهي الظاهرة التي تجلت أكثر ما تجلت فيما مع ما عرف بـ«الصحفيون الوطنيون بدار التحرير» في منتصف سبعينيات القرن العشرين ولن تنتهي بـأسماء ومسميات مختلفة الآن وفي المستقبل.

ففي أعقاب حرب أكتوبر عام 1973، ومع انقلاب الرئيس أنور السادات على توجهات سلفه جمال عبد الناصر الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، علت موجة هجوم على عدد من الكتاب والصحفيين الذين يخالفون السلطة ويتخذون مواقف حادة من الرئيس أنور السادات وتوجهاته الجديدة، ركزت إحدى تلك الحملات على الأستاذين أحمد بهاء الدين رئيس تحرير الأهرام ومصطفى بهجت بدوي رئيس تحرير الجمهورية، وخرجت أصوات تطالب بعزلهما من منصبيهما باعتبارهما شيوعيين، ثم اتسعت لتشمل عددا كبيرا من الكتاب والصحفيين وأصحاب الرأي في «دار التحرير».

تبلورت الحملة بصدور سلسلة منشورات تهاجم من اسمتهم بـ«التنظيم الشيوعي في جريدة الجمهورية» وتم تذييل تلك المنشورات بتوقيع «الصحفيون الوطنيون بدار التحرير»، زعم أصحابها أن أعضاء التنظيم (الشيوعي) يتقاضون مرتبا ت ثابتة من سفارات دول شيوعية ويحرضون على الدولة المصرية ورموزها ويستهدفون استقرارها وأمنها.

ركزت منشورات «الصحفيون الوطنيون» الهجوم على مصطفى بهجت بدوي باعتباره كما قالت المنشورات زعيما خطيرا للتنظيم الشيوعي الذي يعمل في «الجمهورية»، ثم طالت المنشورات عددا من كتاب الجريدة من مختلف فصائل اليسار وهم: محمد عودة وكامل زهيري وحسين عبد الرازق وعبد العزيز عبد الله وفتحي عبد الفتاح ومصطفى كمال وعبد الحميد عبد النبي وعبد العال الباقوري ومحمد العزبي ومحمد أبو الحديد وصلاح عيسى، والأخير أورد قصة منشورات «الصحفيون الوطنيون» في كتابه «هوامش المقريزي».

يرى عيسى أن تلك المنشورات كانت تطبع تحت حماية جهة ما تستطيع أن تمنح حمايتها لمن يمارسون عملا يعاقب عليه القانون المصري بقسوة بالغة، «خاصة أن تلك المنشورات بدأت تتجه إلى عمال الطباعة في دار التحرير التي تصدر عنها جريدة الجمهورية، زاعمة أنهم لا يتقاضون حقوقهم الاقتصادية لأن ميزانية الدار منتهبة في شكل مرتبات مرتفعة، تُمنح إلى الكتاب الشيوعيين الذين تتسبب كتاباتهم في تدهور توزيع الجريدة وتكبدها خسائر فادحة لأنهم ليسوا صحفيين ولا يعرفون كيف يجذبون القارئ».

ويقول عيسى: مع أن هذه المنشورات كانت تتجه لتحريض مباشر على التمرد فإن الصحفيين اليمينيين الذين كانوا يصدرونها ويوزعونها استمروا في ذلك وهو ما بدا غريبا أن يصدر عن عناصر افتقدت طوال عمرها أي شجاعة حقيقية ولم تقم يوما بعمل مخالف للقانون مهما كان بسيطا، الأمر الذي أكد بلا جدال أنهم يحتمون من هجير القانون بسحابات شتاء في حر أغسطس، في إشارة إلى حماية قطاعات معينة في الدولة لتلك المجموعة.

ونقل عيسى نصا لإحدى تلك المنشورات كان الأستاذ مصطفى بهجت قد نشره في كتابه «مذكرات رئيس تحرير»، ذكر المنشور المذيل بتوقيع «الصحفيون الوطنيون بدار التحرير» عددا من أسماء الكُتاب السابق الإشارة إليهم واتهمهم بأنهم يتلقون تعليمات من جهات شيوعية في رومانيا وبلغاريا، وأشار إلى أن هؤلاء الكتاب حولوا «الجمهورية» إلى حزب له مواقف سياسية واضحة ضد القيادات والعناصر الوطنية وكبار المسئولين في مصر.

واتهم منشور «الصحفيون الوطنيون» كلا من صلاح عيسى ومصطفى بهجت بنشر سلسلة مقالات تهاجم الحرمات وتنال من عدد كبير من الوزراء وكبار المسئولين والكتاب الوطنيين في مصر. وزعم المنشور أن «المجموعة الشيوعية» تتلقى مرتبات شهرية وأشار إلى بعضهم وهم: «كامل زهيري 500 جنيه استرليني في الشهر، محمد عودة 500 جنيه استرليني في الشهر، محمد العزبي 200 جنيه استرليني في الشهر، صلاح عيسى 150 جنيه شهريا، عبد الحميد عبد النبي 150 جنيه شهريا، فتحي عب د الفتاح 150 جنيه في الشهر»، ووعدوا بالكشف عن مرتبات باقي التنظيم في المنشور المقبل.

صلاح عيسى، مصطفى بهجت

وختم «الصحفيون الوطنيون» منشورهم بتحريض الدولة وأجهزتها على «المجموعة الشيوعية» التي تعادي النظام وتتأمر عليه «نثق في يقظة القيادة المصرية ونؤمن بأنها لن تسمح باستمرار تلك المهازل». وأشار عيسى إلى أن مضمون منشورات «الصحفيون الوطنيون» بدأ يظهر في عدد من مقالات صحف دار الهلال ودار أخبار اليوم، وكان يرأس مجلس إدارة الأولى وقتها الأستاذان فكري أباظة وصالح جودت والثانية الأستاذ علي أمين، «بل وحتى في جريدة الجمهورية نفسها التي كان اليمين يمارس فيها ابتزازا واصحا في حماية من لا أعرف بالتحديد» تتحدث تلك المقالات عن سيطرة الماركسيين على دور الصحف في مصر لأنهم يقودون ويوجهون ثلاث دور صحفية وهي «الأهرام» أحمد بهاء الدين و«الجمهورية» مصطفى بهجت بدوي، و«روز اليوسف» عبد الرحمن الشرقاوي.

وحسب عيسى،نزلت الحملة إلى درجة أصبحت فيها المنشورات تستعدي السلطة علنا مطالبة بشنق الصحفيين والمثقفين اليساريين وخصصت جانبا كبيرا منها لـ«هوامش المقريزي» -الزاوية التي كان يكتبها عيسى وفي بعض الأحيان مصطفى بهجت، وذلك لأنها تتضمن «إسقاطات» على هذا وذاك من المسئولين، وأنها تنتقدهم بتلك الإسقاطات مستخدمة التاريخ كرداء تتقنع خلفه ووتوارى وراء ظهره.

في مواجهة تلك الحرب الشرسة واللاأخلاقية التي طالت عددا من الكتاب والصحفيين في جريدة الجمهورية ومجلة الكاتب، تحرك عدد من كتاب «دار التحرير» في محاولة لتحديد المسئولية عن هذه الحملة، وفي لقاءين متتالين جرى أولهما مع د.أحمد كمال أبو المجد وكان وقتها وزيرا للإعلام وجرى الثاني مع السيد ممدوح سالم وكان وقتها نائبا لرئيس الوزراء ووزيرا للداخلية.

تساءل الوفد الذي ضم في عضويته عددا ممن طالتهم الحملة: ماذا يجري بالضبط؟.. هل هناك جهة رسمية تضيق إلى هذ الحد بصحفيين وكتاب محدودي العدد، ويخضع كل ما يكتبونه للمراجعة قبل أن ينشر وإلى أين تتجه الديمقراطية في مصر الساداتية؟.

ويضيف عيسى أن الدكتور كمال أبو المجد بدا رجلا طيبا متفهما، وقال أنه راجع قوائم المرتبات والعلاوات في الجمهورية، وتأكد أن أهل اليمين كذبوا عندما زعموا أن مصطفى بهجت بدوي يغدق الأموال على كتاب اليسار، وأن القوائم أكدت أن اليساريين في الجمهورية يعملون بينما يحصل اليمنييون على العلاوات والمرتبات، «فيما بعد أثبتت تطورات الأحداث أن د. أبو المجد رجل طيب ونبيل حقا لكنه يعيش في زمن لا يقدر تلك الصفات الطيبة حق قدرها».

وفي حين اتفق د. أبو المجد مع ممدوح سالم على نفي وجود رضاء رسمي عما يفعله من يسمون بـ«الصحفيون الوطنيون بدار التحرير» فإن سالم شَخص المشكلة تشخيصا بدا غريبا، فقد نظر إليها باعتبارها مشكلة «أمن ونظام، وضبط وربط»، لذلك كان كل ما اهتم له أن هناك شغبا في «الجمهورية»، وان هذا الشغب يجب أن يتوقف، مع ذلك وعد أن أجهزة الأمن في وزارته ستصل إلى من يصدر تلك المنشورات ومن يقف وراءها وأن سيادة القانون سوف تطولهم أيا كانوا ومهما كانوا».

اقرأ أيضا:

«لم يتحقق وعد سالم، فبعد شهور قليلة جاءت حملة يناير 1975، وكنت أحد ضحاياها»، يقول عيسى الذي حل ضيفا مرحبا به في ليمان طرة مع عدد غير قليل من ضحايا ما سمي بديمقراطية الأنياب التي بشر بها ووضع قواعدها الرئيس  أنور السادات.

خلال الأزمة المتصاعدة بين نظام السادات وعدد من الصحفيين الذي رفضوا الدخول في حظيرة السلطة الجديدة سواء بالإغواء أو التهديد، ونتيجة لاستخدام عدد من أصحاب الرأي حقهم الدستوري في نقد توجهات تلك السلطة، ضاق صدر الرئيس السادات  وأصدر قراراه بإسقاط عضوية عدد كبير من الصحفيين من الاتحاد الاشتراكي وهو ما يتبعه فصله من عمله كصحفي فقانون نقابة الصحفيين وقتها كان يشترط أن يكون الصحفي عضوا بالاتحاد الاشتراكي.

وعلى خلفية قرار الفصل التقى الأستاذ أحمد بهاء الدين بنائب رئيس الوزراء ووزير الداخلية ممدوح سالم حينها ليقنعه بأن التقارير التي تتلقاها أجهزة الأمن ليست دقيقة وتتضمن مبالغات وبعضها مبني على ضغائن شخصية، فاعترف سالم لبهاء: «إن كل التقارير التي تتلقاها الأجهزة ضد صحفيين إنما يكتبها صحفيون منكم»..فرد بهاء قائلا: «هذا طبيعي، فأدق التقارير عن الطلبة لابد أن يكتبها طلبة، وهكذا في كل مجال، ونحن نعرف الصحفيين الذين يحترفون كتابة التقارير السرية لأجهزة الأمن ضد زملائهم، ولكنكم لو تحريتم عنهم قبل أن تأخذوا بكلامهم لعرفتم أنهم من أردأ نوعيات الصحفيين الفاشلين المملوءة قلوبهم بالضغينة ضد كل صحفي ناجح».

فعقب الوزير قائلا: «نحن نعرف ذلك ولكن هل تتوقع من صحفي مستقيم حسن الخلق ابن ناس وناجح في عمله أن يكتب تقارير للمباحث نظير أجر؟»، وأردف: «هات لي عشرة من هؤلاء ولو كانوا خريجي أوكسفورد يرضون أن يكتبوا تقارير للمباحث وسوف تستغنى المباحث فورا عن النوعية التي تكتب التقارير الآن»، وضحك الأثنان.

وينقل زميلنا الكاتب محمد توفيق في كتابه «الملك والكتابة» واقعة رواها الكاتب الصحفي محمد العزبي تكشف ما كان يدور في كواليس صاحبة الجلالة تلك الأيام، ويقول: «سأل يوسف أدريس أحد الصحفيين: مش أنت كنت بتكتب تقارير أمنية؟، فرد الصحفي بسرعة: أبدا أنا كنت بأصلح فيها أخطاء العربي بس».

تلك الواقعة وغيرها الكثير تقول إن «الصحفيين الفاشلين المعادين لمهنتهم» ظهر في الصحافة منذ عقود طويلة لكنه في أول الأمر كان محتقرا ومهمشا وخائبا وتافها ومفضوحا والكل يعرفه ويسخر منه وذلك قبل أن يرتقي ويصير المسؤول في بعض الصحف، يعلق توفيق على الظاهرة المتأصلة في تاريخ صحافتنا.

في كل زمان يوجد من غير الموهوبين من لا يعرفون للصحافة أخلاق أو قواعد ولا إلى الضمير المهني طريقا، اختلفت مسمياتهم لكن مهمتهم ظلت واحدة «الطعن والتحريض والتشهير بكل صاحب رأي او موقف مخالف».

اقرأ أيضا:

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق