ثقافة

طه حسين وشعارات الإسلام السياسي

تقديم «أصوات أونلاين»:

مائة وثلاثون عاما تمر هذه الأيام على مولد طه حسين، ففي الخامس عشر من نوفمبر عام 1889 ولد الطفل طه حسين، الذي سيصبح فيما بعد عميد الأدب العربي الحديث بلا منازع.

ومواكبة لهذه الذكرى التاريخية والثقافية المهمة، ومساهمة منه تسليط الضوء على سيرة ومسيرة طه حسين الحافلة والباقية رغم مرور كل هذه السنوات، فإن، موقع «أصوات أونلاين» سينشر على مدى الأيام القادمة سلسلة من المقالات، التي تتوقف عند تاريخ طه حسين، ليس كأديب عظيم فحسب، ولكن كرائد للتنوير ومؤسس للفكر المدني الحديث في مصر والعالمين العربي والإسلامي

 في هذه المقالات، التي ستنشر لاحقا، مجمّعة في صورة ملف فكري كامل، نحاول الإجابة على سؤالين:  كيف سبق طه حسين الجميع إلى رؤية أبعد مدى حول مشروع النهضة؟ وأين نحن الآن من روح التفاؤل التاريخي التي وضع بذورها منذ النصف الأول للقرن الماضي؟

 ونبدأ هذه السلسلة بهذا المقال للدكتور «أحمد رمضان الديباوي»، الذي يتناول فيه جانبا مهما من جوانب المشروع الفكري لطه حسين، والخاص بموقفه من الإسلام السياسي ومقولاته، والعلاقة بين الدين والدولة.

«أصوات أونلاين»

مهما تمرّ السنوات، يظل الدكتور طه حسين (1889 – 1973)، مادةً ثريةً خصبةً للتناول والدراسة؛ كونه أحد أهم المفكرين والأدباء والنقاد في تاريخ الفكر العربي الحديث، فضلا عن كونه أحد أهم ممثلي تيار التنوير العربي، وصاحب المشروع الأكبر في حقل التنوير من خلال الدراسات الأدبية والإنسانية والنقدية والتاريخية التي أنجزها، إيمانًا منه بأهمية قِيَم التنوير والحرية وضرورتها للنهضة العربية التي تعاني، دائمًا، من التقهقر والتراجُع.

لا يمثّل طه حسين تاريخًا منقضيًا نتذكره، فقط، عندما تحلُّ ذكرى ميلاده أو وفاته، بل يمثّل قيمةً فكريةً وتنويريةً متجددةً.فالرجلُ طوال تاريخه كان منشغلا بأسئلة الهُوية والتجديد والتنوير والنهضة والعلاقة مع الآخَرِ، مستندًا إلى ميراث متراكمٍ من المدارس الفكرية المختلفة التي احتكّ بها، وتفاعل معها، فاتسعت آفاقه الفكرية، فكان رائدًا ومعلِّما ذا أثر واضح في مجالات النقد الأدبي والتأسي الروائي، والدراسات التاريخية التحليلية، والتربية، والتعليم، والاجتماع، والترجمة، وتحقيق ونشر التراث، مؤمنا بأنّ الكاتب أو المفكر المخلِص «شأنه شأن بطل دانتي، يحمل المصباح معلَّقا إلى ظهره؛ ليضيء طريق الذين يتبعونه».

اقرأ أيضا:

التحرُّر السياسي والتنوير

لا أُغالي إذا قلتُ إنّ الحرية السياسية هي القيمة الأبرز في منهج طه حسين التنويري؛ إذ إنَّ التنويرَ، وإن كان معناه كما هو عند كانط «خروج الإنسان من قصوره الذي اقترفه في حقّ نفسه، وهذا القصور هو عجزه عن استخدام عقله إلا بتوجيه من إنسان آخر، ويجلب الإنسان على نفسه ذنب هذا القصور عندما لا يكون السبب فيه هو الافتقار إلى العقل، بل إلى العزم والشجاعة اللذين يحفِّزانه على استخدام العقل بغير توجيه من إنسان آخر»، فإن له لوازمَ إن لم تكن موجودة فلا تنوير، مهما كانت قيمة الأفكار التي يطرحها المفكر أو المتنوّر، فلا تنوير أو نهضة دون حرية سياسية، خاصة، «إذ إنّ حرية الفكر والعقل – وهما أداتا الإبداع والابتكار ومصدر التنوير – هي الوجه الآخر للحرية السياسية، كما أنّها في الوقت ذاته هي السبيل المُعَبَّد للوصول إلى هذه الحرية السياسية والحفاظ عليها». (محمد فتحي فرج، طه حسين وقضايا العصر، ص 36)

 كان طه حسين منخرطًا، واعيا بأهمية الحرية السياسية في مجال التنوير والانفكاك من أسْر التقليد والجمود،وكانت مبادؤه في السياسة قائمة على طائفة من الأصول، أهمها: إقامة دولة مدنية حديثة يسودها حكم القانون، بعيدا عن الاختلاط بالدين، دولة تكفل حرية مواطنيها، والانتصار لقضايا العدالة الاجتماعية والمساواة، ودعم حق المصريين في التعليم والمعرفة والصحة والثقافة. ولعله من أوائل الكُتاب والمفكرين الذين تنبّهوا إلى أنَّ الشعر العربي وُظِّف، قديمًا، في معظم حقب التاريخ الإسلامي، كسلاح في الدعاية والدعاية المضادة، فتجاوز وظيفته الأدبية، فكان وسيلةً دعائية باسم نظم الحكم ؛ فيقول في كتابه، الذي لا يعرفه كثيرون، «تقليد وتجديد» الصادر في العام 1955،: «كان لكل حزب من الأحزاب السياسية شاعره أو شعراؤه، وكان هؤلاء الشعراء يدافعون عن أحزابهم ويهاجمون الأحزاب الأخرى، وكان الخصام يثار عنيفا، وكان الشعر هو الذي يؤدي هذه الخصومة كما كانت الصحف تفعل عندنا، وكما لا تزال تفعل في بلاد كثيرة».

طه حسين والإسلام السياسي

  قضية «تسييس الدين وتديين السياسة» تبدو حاضرةً في فكر طه حسين كما لو كان يردّ، الآن، على جماعات الإسلام السياسي التي ترفع شعاراتٍ مثل «الإسلام هو الحل» و«الإسلام دين الدولة»؛ ففي كتابه (من بعيد – ص125، 126) يقول منتقدا موقف الإسلاميين من دستور 1923: «ولكن الشيوخ فهموا هذا النص فهمًا آخرَ، أو قل: إنهم فهموه كما فهمه غيرهم ولكنهم تكلفوا أن يُظهِروا أنهم يفهمونه فهمًا آخرَ واتخذوه تكأة وتعلَّة يعتمدون عليها في تحقيق ضروب من المطامع والأغراض السياسية وغير السياسية، فهموا أن الإسلام دين الدولة، أي أن الدولة يجب أن تكون دولة إسلامية بالمعنى القديم حقا، أي أن الدولة يجب أن تتكلف واجبات ما كانت لتتكلفها من قبل.. فكتبوا يطلبون ألا يصدر الدستورُ لأن المسلمين ليسوا في حاجة إلى دستور وضعي ومعهم كتاب الله وسنة رسوله.».

ثم يشرح طه حسين استغلال الإسلاميين وشيوخ الدين المتشددين ذلك الشعار ليفرضوا وصايتهم على المجتمع، ويضيقوا على الناس باسم الدين، ويطاردوا بعنف حرية الرأي والمعتقد والفكر، فيقول: «يقول الشيوخ إن الدستور قد نصّ أن الإسلام دين الدولة، ومعنى ذلك أن الدولة مكلفة بحكم الدستور بحماية الإسلام من كل ما يمسه أو يعرضه للخطر، ومعنى ذلك أن الدولة مكلفة أن تضرب على أيدى الملحدين.. ومعنى ذلك أن الدولة مكلفة أن تمحو حرية الرأي محوا في كل ما من شأنه أن يمس الإسلام من قريب أو بعيد، ومعنى ذلك أن الدولة مكلفة بحكم الدستور أن تسمع ما يقوله الشيوخ في هذا الباب، فإذا أعلن أحد رأيا أو ألف كتاباً أو نشر فصلا أو اتخذ زِيًّا، ورأى الشيوخ في هذا كله مخالفة للدين ونبهوا الحكومة إلى ذلك، فعلى الحكومة بحكم الدستور أن تسمع لهم وتعاقب من يخالف الدين بالطرد ثم القضاء ثم إعدام جسم الجريمة».

 يتضح من ذلك أن طه حسين كان ضد استخدام الدين وتوظيفه سياسيا، وبالتالي فقد كان ضد تأليف أحزاب على أساس ديني؛ لأنّ أي حزب يتكوَّن على أساس ديني إنما هو حزب رجعي، يناهض الحرية والرقي، ويتخذ الدين ورجال الدين تكأة يعتمد عليها في الوصول إلى الحكم واحتكار العمل السسياسي باسم الدين!

 ثم يخلُص طه حسين من ذلك كله رأي  يعتبر أن وجود نص «الإسلام دين الدولة» في الدستور معناه أن ثمّة تفرقة بين المصريين، وأنّه سبب لوجود قوة سياسية دينية منظّمة أو شبه منظَّمة، تؤيد الرجعية وتجرّ مصر جرًّا إلى الوراء، وفوق هذا كله فإن هذا النصّ يؤجّج «مسألة الخصومة الدينية السياسية بين العلم والدين».. ويصف العميد في النهاية «الروشتة» الناجعة التي تقي مصر من العنف والإرهاب والطائفية وإقصاء الآخر، في عبارة واحدة وهي «أن تقف السياسة من رجال العلم ورجال الدين موقف الحيدة التامة».

طه حسين والإخوان

 هذه هي بعض أفكار طه حسين التي أراد لها أن تكون داعيةً إلى التحرر السياسي لأنه من لوازم التنوير، وداعيةً كذلك إلى فضح زيف شعارات الإسلام السياسي، خصوصًا مع تغلغل جماعة الإخوان المسلمين في المجتمع المصري، وتورطها في تسييس الدين، وأعمال العنف والتخريب، لذلك وصفهم طه حسين بالوباء، فقال في كتاب (هؤلاء هم الإخوان): «الخير كل الخير أن نهبَّ لهذا الوباء، بعد أن أصبحنا ذات يوم فوجدنا فريقا منا كالعدوى المنكرة يهيئون الموت والهول والنكر لإخوانهم في الوطن و الدين و الحياة»، ثم يتساءل مستنكرا أفعالهم: «ما هذا المكر الذي يُمكَر، وما هذه الخطط التي تُدبَّر، و ما هذا الكيد الذي يُكاد»؟!

 ويواصل العميد فضح زيف شعار جماعة الإخوان التي كشف الأمن، وقتذاك، عن ضلوعها في تخزين كميات كبيرة من الأسلحة والذخيرة في بيوت عناصرها وبعض المقابر، فيؤكد أن الإسلام لا يأمر بادّخار الموت للمسلمين، وأن قتل النفس البريئة من أكبر الإثم وأبشع الجُرم، ثم يؤكد في لفتة ذكية، أن شرور هذه الجماعة، التي تشقى بها مصر، ليست من طبيعة الشخصية المصرية الخيِّرة، وليست من طبيعة الإسلام كذلك؛ لأنه أسمح وأطهر، لكنها شرور تسييس الدين وتديين السياسة، كذريعة للوصول إلى الحُكم والسلطة، بأي ثمن وبأي طريقة.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق