منوعات

في حب رسول الله.. المولد النبوي وتجلياته المصرية

محبة المصريين الطاغية للنبي الكريم (عليه الصلاة والسلام) من المسلمات الراسخات الذائعات التي لا يماري فيها أحد من العالمين، وقد لا تجد في بلد من البلدان الإسلامية بشرا يذكرون النبي، في كل كبيرة وصغيرة، كما يذكره المصريون بالصلاة الواجبة على مقامه الشريف (يبدؤون أحاديثهم وينهونها بالصلاة عليه، ويفضون المشاحنات بها دائما، ويدخلون بيوت الناس بحفظها ورعايتها، ويحملون الأطفال للنوم بكلماتٍ فحواها صيانته وحراسته ويطمئنونهم من الفزع بمثلها) لا ينقصهم إلا الاقتداء الكامل بأخلاقه التي كانت قرآنا يمشي على الأرض، ومن أجلِّها الإخلاص والصدق والتواضع والجود والنبل والترفع عن الصغائر والوفاء والإغاثة والانتماء إلى الجذور وصلة الرحم والتمسك بالحياة. – وقد قالت عائشة (رضي الله عنها) حين سئلت عن أخلاقه: كان خلقه القرآن- ولا ينقصهم سوى الدراية التامة ببلاغة نبوته كالعلم بأن الدين هو المعاملة، وليس الدين، في جوهره، شكلا معينا يلتزمه المتدينون فيميزهم عن بقية الخلق وليس إيثارا لواجب شرعي على حساب آخر بلا حجة ، وليس إهلاكا للأبدان وإهمالا للأرواح وليس جماعات دينية تشق صفوف الأمم والمسلمين أنفسهم، تحت اسمه المحمود، حاشاه.. وكالإحاطة بإكباره للعلم والتعلم وحثه عليهما ونقضه للجهل والظلام وما يدانيهما، وكاليقين بتحبيذه للوفاق ونبذه للخلاف، وكالحرص العام على الاجتهاد الدؤوب الذكي في شؤون الدنيا لتحقيق المنافع المشروعة ثقة في قوله «أنتم أدرى بشؤون دنياكم».. هذا مما ينقص العباد قطعا، وعلى العلماء النيرين أن ينبهوا له ويركزوا عليه، وعلى كل عاشق للنبي (ص) أن يقرأ سيرته قراءة واعية، وأن يتفهمها، ثم يرقى إلى علوه الشاهق متأسيا به، مسلما مسالما جسورا، طريقته القول الطيب والعمل الصالح وطريقه الحق والخير والجمال.

خصوصية مصرية

للمولد النبوي في مصر خصوصية شديدة كما لشهر رمضان المعظم؛ حتى أن كثيرين من المسلمين، وغير المسلمين، ممن ليسوا من بلادنا أصلا يحبذون أن يشهدوه عندنا، مستمتعين بأجوائه السعيدة، ومتذوقين حلواءه الفريدة، ومغذين أسماعهم بالذكر والمديح والإنشاد والابتهال وتجليات الصوفيين التي تملأ السوح في كل منطقة من مناطق الوطن الكبير..

الحلواء التي تشتهر بها مصر في المولد النبوي ليست كحلوائها في بقية الموسم، بل هي صناعة عبقرية خاصة في الدلتا والصعيد، أبرزها العروسة والحصان، بلونيهما الأبيض والأحمر، وحجميهما المتعددين، مع زينة العروس الورقية والبلاستيكية وسيف الحصان الذي من نفس خامته السكرية ولونه وحجمه، مع أشكال حميمة أخرى، كالآلات الحربية، والطيور، والمآذن، والعربات، والجِمَال..

يأكلها المصريون بهيئتها مسلين أنفسهم بتكسيرها وتفتيتها، لا سيما الصغار، أو يذيبون الأحمر منها في الماء ويضيفون إليه «النَّشَاء» ليصير خليطا غليظا بمذاق مميز تتلذذ به ألسنتهم، كما يقدمون الخليط الشهي للضيوف في أيام المولد.. أيامه التي تمتد حلواؤها عند المصريين من قبله بشهر أو أكثر إلى ما بعد اليوم نفسه بذات المدة تقريبا.. والليالي الدينية لا تكون قصيرة هي الأخرى، بل صداحة عامرة مستمرة لحوالي شهرين أيضا من قبل ومن بعد، وليس امتداد وجود الحلواء ولا استمرار الليالي الدينية بالوضع المستغرب في البلاد؛ فمصر تزخر بآل بيت النبي الميامين الذين من صلبه وبالأولياء الصالحين الذين من أنفاسه، وكلهم لهم موالدهم معلومة الأوقات في كل منطقة من مناطق الخريطة الوطنية، فالاحتفاء بحضرته (ص) أولى من ثَمَّ وأكبر مددا وأوفر عددا..

فى حب النبى

فى المولد، تُطوَّق ساحات الذاكرين بالكسوات العربية الجديدة، وبأعداد معلومة منها توجد الموائد العامرة باللحم والثريد وشتى صنوف الأطعمة، وتوجد أطباق الأرز باللبن وما إليها، وأنواع من الحلاوى المُشَكَّلة يوزعها خُدَّام الأماكن على الحضور، منها الفُوليَّة والسِّمسميَّة والحِمَّصِيَّة، وتوجد الأشربة المثلجة المصنوعة بالأيدي الخبيرة والجاهزة أيضا والأشربة الدافئة الحميمة كالزنجبيل والقرفة والآنيسون والحلبة والشاي، والحليب متوفر لراغبيه باستمرار، كما تُعبَّق الأجواء بالبخور المغربي الفاخر، وتنتشر السُّبح التي يصل عدد حبات بعضها إلى ألف حبة والناس شركاء في تسبيح الله عليها بصورة أخاذة عالية الصوت كخلايا النحل المجتمعة، ويتجدد مديح النبي بالآلات الموسيقية كاملة وأحيانا بالرباب وحده أو الدفوف والطبول وحدهما، ويتبارى المداحون وسط الانفعالات البشرية العفوية التي كثيرا ما تبلغ حد الصراخ والإغماء وظهور الزَّبد على جوانب الأفمام، ويبدو الجريد الأخضر مرفوعا بالأيدي في مسيرات شعبية تحتفي بالذكرى تطوافا بأرجاء الشوارع، وتبدو الأعلام الملونة التي تحمل أسماء الرسول الخمسة خفاقة تسد الآفاق (محمد، أحمد، الحاشر، الماحي، العاقب).. وبالجملة تتزين لمولده المدن والقرى حتى يظن عابرون بسطاء أن النبي العظيم تجلى في مصر شخصيا، يشهد احتفالات المصريين بمولده الحبيب، مشاركا المغرمين غرامهم الباذخ، ومما يجب ذكره هنا أن المصريين من عاداتهم صبغ ما يألفونه بصبغتهم، وقد صبغوا الذكرى بصبغتهم فعليا؛ فصار مولد النبي يشبههم كما أنهم يشبهونه بالمعنى العميق للصبغة الحميمة المقصودة لا السطحي طبعا!

صورتان

للنبي عند المصريين صورتان قريبتان واضحتان، أولاهما صورته الظاهرية، التي هي شكله العام- قسمات وجهه وبسماته وغضبه للحق وخجله وحزنه وحركته وسكونه وأذكاره وجملة ما شوهد منه وسُمع بالتواتر الأكيد، بل يمتد الاهتمام إلى بردته ونعله وعصاته وكوبه وحِنَّائه ودابته ومختلف أشيائه، وجل الاجتماعات المصرية في مولده، وفي غير مولده بالمناسبات الدينية والليالي المباركة عموما، تمعن في تحديده شكليا، معتمدة على الكتب التي أفاضت في أوصافه، ومعتمدة، بالأساس، على الخيال المولع بذاته الطهور؛ فغالبا ما يصوره المصريون على هيئة نورانية زاهية، كله كله بالجملة والتفاصيل، كما تعبر عنه السينما بالضبط، وتنتهي مثل هذه الاجتماعات المتصلة الوديعة بالدعاء لله تعالى أن يؤيد بهديه الأمة وأن يجعل لها به منزلة تليق بنعمة اتباعه، أما الصورة الثانية فالصورة الباطنية التي تتقصد معناه متناهي الرفعة والصفاء، وهو المعنى الذي يلخصه بيت الشعر الأشهر: خُلِقْتَ مُبَرَّأً مِنْ كُلِّ عَيْبٍ/ كَأَنَّكَ قَدْ خُلِقْتَ كَمَا تَشَاءُ، وهو البيت الذي تردده الألسنة بالثناء على النبي عليه عقب كل آذان .

 ومهما عاب الآخرون المتشددون على ما يرونه تزيدا مصريا في الاحتفاء بالنبي الكريم، فإن المصريين يجدون في آيات القرآن ما ينتصر لأذواقهم في استقبال المعنى النبوي بالغ السموق؛ كقوله تعالى «إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله يد الله فوق أيديهم فمن نكث فإنما ينكث على نفسه ومن أوفى بما عاهد عليه الله فسيؤتيه أجرا عظيما» وقوله «ومن أطاع الرسول فقد أطاع الله» وقوله «ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم جاؤوك فاستغفروا الله واستغفر لهم الرسول لوجدوا الله توابا رحيما» وقوله «وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين» وقوله «وما كان  لكم أن تؤذوا رسول الله»

وبهذه المناسبة، أجدد الدعوة لأزهرنا العريق أن تكون لدينا مسابقة كبرى في الشعر والبحث تخص الرتبة المحمدية العلية بصورة مباشرة؛ فالبلدان من حولنا  تقيم مثلها، وبجوائز مالية مبالغ فيها وصخب إعلامي هائل يدعو بعضه للريبة؛ كأنهم يحتكرون رسول الله (ص)، وعينهم علينا تحديدا، كمن يريدون أن يقولوا للعالم: قد سبقنا مصر في المضمار التي ظنت السبق فيه.  وبصورة اللين والتسامح المطبوعة في قلوبنا عن النبي الجميل يمكننا هزيمة التشدد الديني الذي ليس من أرضنا ولا طبعنا لكنه دخيل علينا.

وبصورة كراهية الدماء والدمار المطبوعة في قلوبنا عنه (ص) بوسعنا تحجيم الإرهاب بفضح مخططاته ووأد أوهامه وطرده إلى صحاري الفناء الشاسعة.

إن لنا مع الرسول الخاتم حكايات خالصة الود عبقرية الاكتمال؛ حتى أن مسيحيينا يوقرونه كما نوقر المسيح (عليهما الصلاة والسلام).

الوسوم

عبد الرحيم طايع

شاعر وكاتب مصري

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق