ثقافة

مسيرة قادها شوقى.. عن تلك الأيام في تاريخ المسرح الشعرى

ارتبط فن المسرح منذ بداياته الأولي بالشعرالذى كان أداة فنية للتعبيرعن المضامين المسرحية المختلفة، وكان أرسطو في كتابه «فن الشعر» قد قنن للعلاقة الوثيقة بين الشعر والمسرح حين قال إن الشعر فن من فنون المحاكاة كالموسيقى والرسم. واعتبر «صلاح عبد الصبور» أن المسرح لا يُكتب إلا شعرا هكذا يرى أحد أهم رواد المسرح الشعرى العربي وأحد المجددين الكبار فى مسيرة الشعر العربى.. فإلى أى مدى تحققت تلك المقولة مع تراجع المسرح الشعرى العربى بشكل لافت فى العقود الأخيرة؟

  لا يمكن عزل الأزمة التى يعانى منها المسرح الشعرى عن الأزمة الشاملة التى يمر بها المسرح العربى بشكل عام، ولعل أسباب ذلك التراجع عديدة من بينها سيطرة عصر التلفزيون وبعد ذلك الانترنت، مما أدى الى تراجع كبير للدور التقليدى للمسرح، الذى ساهم فى تشكيل وعي ووجدان الشعوب العربية منذ نشأته الفعلية على يد جورج أبيض الذى عاد من دراسته فى فرنسا لينشىء مسرحا مصريا عام 1910.

لمحة تاريخية

بدأت مسيرة «أبو الفنون» مع جورج أبيض ورفاقه، وتطور بشكل سريع واعتمد فى بداياته على الترجمة والتمصير للنصوص الأجنبية، وظهرت فرق مسرحية عديدة منها «عكاشة» و«منيرة المهدية» و«يوسف وهبى» و«عبد الرحمن رشدى» وظهر مؤلفون ومترجمون من بينهم فرح أنطون ونجيب حداد.

وفى عام 1928 عاد توفيق الحكيم من دراسته بفرنسا حاملا رؤية جديدة وقدم مسرحية «أهل الكهف» عام 1933 والتى تمثل بداية مرحلة جديدة للمسرح المصرى. وفى عام 1935 تؤسس الدولة «الفرقة القومية المسرحية» برئاسة خليل مطران، لتكون تعبيرا عن أهمية دور المسرح المصرى وإستجابة للنهضة المسرحية الهائلة التى تشهدها مصر.

وكانت العروض المسرحية منذ نشأة المسرح الحديث تقدم خلال مشاهدها أغنيات أحيانا كفواصل ما بين المشاهد وأحيانا أخرى، كانت الأغانى مكونا أساسيا داخل العمل لخدمة الدراما.

شوقى وبدايات المسرح الشعرى

بدأ المسرح الشعرى بشكله المتعارف عليه على يد أمير الشعراء أحمد شوقى (18681932)، الذي يعتبر أحد أهم رواد المسرح الشعرى العربى، وقد استفاد كثيرا من إطلاعه على التراث العالمى فى المسرح الشعرى. ففى عام 1927 قدم شوقى أولى مسرحياته، وهى مسرحية «مصرع كليوباترا»، وتناول فيها جزءا من تاريخ مصر القديم، وقد اختار شوقي في هذه المسرحية فترة من أواخر عهد البطالمة، حيث فترة حكم كيلوباترا. و كتب شوقى مسرحيته الثانية «مجنون ليلى» في عام 1931، قبل سنة من وفاته، وفيها يستلهم شوقي  لتاريخ العربي، حيث تدور أحداثها حول عنترة بن شداد العبسي وحبيبته عبلة. كما كتب شوقي أيضا مسرحية «قمبيز» التى  تدور أحداثها فى فترة وقوع مصر في يد الفرس بعد غزو غاشم قام به الملك الفارسي.

وتعتبر مسرحية «الست هدى» آخر أعماله المسرحية وقد توفي قبل نشرها. وتناول فيها أحداثا اجتماعية تجرى في أحد احياء مدينة القاهرة.

بهذا يكون شوقى قد فتح الباب أمام مسرح شعرى عربى، وقد تميزت أعماله بالإستعانة بالموروث التاريخى دائما بإستثناء آخر أعماله التى تمثل مسرحا إجتماعيا.

وقد تأثر بشوقى عدد من الشعراء من بينهم عزيز أباظة (1899- 1973) الذى قدم أولى مسرحياته الشعرية «قيس ولبنى 1943 ثم أتبعها بعدد من المسرحيات مثل «العباسة 1947» و«الناصر 1949» و«شجرة الدر 1951» و«غروب الاندلس 1952»  و”شهريار «1954».

كما قدم «على أحمد باكثير» عددا من الإسهامات فى المسرح الشعرى من أبرزها (سر الحاكم بأمر الله) و(سر شهر زاد) التي ترجمت إلى الفرنسية و(مأساة أوديب) التي ترجمت إلى الإنجليزية.

عبد الصبور المجدد دائما

ومع عقدى الخمسينيات والستينيات يزداد الإهتمام الرسمى بالمسرح وتنشىء الدولة عددا من المؤسسات العلمية والفنية التى تعزز من هذا الاهتمام من بينها أكاديمية الفنون «1959» التى استوعبت كل الطاقات الفنية وساهمت فى حركة ثقافية إستثنائية فى تاريخ مصر المعاصر.

ويشهد المسرح المصرى أزهى عصوره على الإطلاق وتثمر تلك الحالة عشرات الكتاب والمخرجين والفنانين الذين يحملون على عاتقهم رسالة المسرح العربى وقٌيَمه. ويزدهر المسرح الشعرى كأحد ألوان الفن المسرحى ويساهم صلاح عبد الصبور فى حركة المسرح ويمنحه من موهبته الشعرية المتفجرة   ليحدث نقلة هامة بعد جيل الآباء المؤسسين «شوقى – اباظة – وغيرهم».

وقد جاءت مسرحيات عبد الصبور الشعرية لتستلهم  التراث وتسقطه على واقعنا العربى بل وتشتبك مع الواقع بحثا عن الأجمل دائما

و فى هذا الإطار قدم عبد الصبور  أولى مسرحياته عام 1964 وهى مسرحية «مأساة الحلاج» وفى عام 1968 قدم مسرحية «مسافر ليل» التى شكلت واحدة من علامات المسرح الشعرى العربى وتناول عبد الصبور اشكالية العلاقة بين المثقف والسلطة تلك العلاقة الشائكة والمرتبكة التى كانت واحدة من قضايا الشاعر المُؤرِقة دائما.

وفى عام 1969 قدم عبد الصبور  مسرحية «الأميرة تنتظر» و مسرحية «ليلى والمجنون 1971» ثم فى عام 1973 كانت آخر أعماله المسرحية «بعد ان يموت الملك» والتى واصل خلالها طرح قضاياه السياسية، سواء فى القصيدة أو فى نصوصه المسرحية ومن بينها طغيان الحاكم

و  بكل هذه الأعمال يمثّل  عبد الصبور أحد رموز المسرح الشعرى العربى، ولعل المناخ الثقافى الذى كانت تعيشه مصر انذاك ساهم فى أن تتحول كل أعمال عبد الصبور إلى خشبة المسرح ليراها جمهوره.

الشرقاوي ونجيب سرور

ويعتبر عبد الرحمن الشرقاوى (1921- 1987) محطة هامة فى المسرح الشعرى فهو الكاتب والباحث والروائى صاحب رواية «الأرض» و المثقف الإسلامى كما أطلق عليه بعض النقاد وهو التقدمى المجدد حامل قضية التنوير والإشتباك وتفكيك التراث فى أحيان كثيرة.

قدم الشرقاوى روايته الشهيرة «الأرض» عام 1954، وكان أكثر شعراء المسرح إثارة للجدل بما قدمه من نصوص شديدة الجرأة ومنها «الحسين ثائرا» و«الفتى مهران» «جميلة» التى تناول فيها ملحمة المناضلة الجزائرية جميلة بوحريد ومسرحية «النسر الأحمر» ومسرحيته الشهيرة «عرابى» إضافة الى مسرحيته «الحسين شهيدا» التى تمثل أهم أعماله وأكثرها حضورا رغم ما أحاطها من حصار ومنع وظل حلم إنتاجها يرواد المسرحيين

وكان المسرح جاذبا لعشرات الشعراء فى تلك المرحلة وقدم «نجيب سرور» (1932- 1978) عددا من التجارب المهمة التى صنعت مسارا جديدا نحته «سرور» لنفسه، خاصة وأنه كان مخرجا مسرحيا مميزا وليس فقط شاعرا موهوبا.

وقدم سرور  مسرحية «ياسين وبهية» 1965 والتى عرضت على مسرح الطليعة وأخرجها كرم مطاوع الذى قدم للشاعر مسرحية «يابهية وخبرينى» عام 1967 كما كتب عددا من النصوص النثرية للمسرح لكنه كان مهتما بتضمين أغنيات داخل كل النصوص وفى عام 1974 قدم مسرحيته الشعرية «منين أجيب ناس» واخرجها جلال الشرقاوى.

وتمثل تجربة نجيب سرور فى المسرح الشعرى المصرى إضافة كبيرة وتميزت أعماله بإنحياز صارخ للمهمشين والمقهورين إضافة الى تمايز الادوات الفنية التى إستخدمها والنزول بالمسرح الشعرى من علياء النخبة ليخاطب به البسطاء بلغة شديدة البساطة فائقة الشجن والتاثير.

وتمثل تلك المرحلة التى بدأت مع احمد شوقى وإستمرت حتى نجيب سرور أنضج مراحل المسرح الشعرى العربى ربما لأن المسرح العربى ذاته كان فى توهج وشهد بعد ذلك تراجعا كبيرا خاصة مع تخلى الدولة عن دورها فى دعمه.

جويدة وعودة للمسرح الشعرى

وبعد غياب المسرح الشعرى سنوات طويلة يقدم الشاعر فاروق جويدة عام 1991 مسرحية «الوزير العاشق» من إخراج فهمى الخولى ثم يستثمر نجاحها الكبير، ويقدم «دماء على ستار الكعبة» التى تتناول سيرة الحجاج بن يوسف الثقفى ثم يكتب جويدة عام 1994 مسرحية «الخديوى» وقد قدمت العروض الثلاثة على مسارح الدولة وحققت نجاحا كبيرا.

وتمثل تجربة جويدة واحدة من التجارب الناجحة فى كتابة المسرح الشعرى، وربما كان أكثر شعراء جيله حظا، حين إستطاع أن يحول النصوص المسرحية إلى عروض على مسارح الدولة، بينما ظلت تجارب عدد آخر من الشعراء قليلة الإنتشار، ولم تخرج إلى أضواء خشبة المسرح.

 ومن بين تلك التجارب إسهامات كل من محمد إبراهيم أبوسنة ومحمد مهران السيد وأنس داود وأحمد سويلم. ومن جيل السبعينات وليد منير والاسهامات الكبيرة لكل من محمود نسيم وفريد أبوسعدة ومحمد سليمان.

ويبقى أن نشير إلى أن عوامل عديدة ساهمت فى تراجع المسرح الشعرى الذى ظل لعقود طويلة أحد مميزات مسرح الدولة. ومن تلك العوامل غياب مسرح الدولة ذاته، وضعف الإقبال عليه، وتراجع ميزانياته، مما أدى لغياب النجوم عن المشاركة فى أعماله، سواء من الممثلين أو المخرجين إضافة إلى عوامل أساسية تتعلق بتردى المناخ الثقافى العام وتراجع إهتمامات المتلقى وإنصرافه نحو فنون معظمها إستهلاكى تقدم المتعة الوقتيه البعيدة عن أى قيمة.

ان تراجع المسرح الشعرى العربى بالتأكيد ليس مجرد تراجع لأحد فنونا الهامة، إنما يمثل إشارة شديدة الدلالة على تراجع الوضع الثقافى والفنى بشكل عام.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق