مختارات

ضحايا التوريث وخطاياه

توفي فجر الخميس 7 اكتوبر 2019 وبشكل مفاجئ هيثم أحمد زكي ابن الممثل القدير الراحل أحمد زكي عن عمر يناهز الخامسة والثلاثين عاما فقط، ولأسباب لاتزال غير مؤكدة. غير أن الصورة العامة لمسيرة حياة هذا الشاب تكشف عن جانب من المآسي الإنسانية التي تحدث لكثير من الأشخاص الذين دفعت بهم الأقدار إلي أن يعيشو في جلابيب آبائهم.

ولد هذا الشاب في أسرة فنية ولأب يتمتع بموهبة نادرة مكنّته من أن يصبح واحدا من أهم رموز السينما المصرية الحديثة. مات أحمد زكي الأب وسط ذهول وصدمة من الجماهير التي أحبت فنه، وكان طبيعيا أن يحظي الابن هيثم باهتمام كل جماهير وصناع السينما الذين اختلط عليهم الحب والتقدير بين أحمد زكي الفنان، وأحمد زكي الإنسان، وكان طبيعيا أن يولد هيثم كممثل وسط هذه الأجواء غير قادر علي أن يري نفسه إلا بمرآة الآخرين الذين يتوقعون له أن يكون الوريث الشرعي لأحمد زكي الفنان وليس الأب. وجد الشاب نفسه أمام توقعات كبيرة وظالمة بأن يصبح استنساخا جديدا لأحمد زكي ليكمل مسيرة أبيه الحافلة بالإبداعات المتميزة لمجرد أنه يحمل نفس الجينات والملامح الجسدية من الأب.

يحدث ذلك في ظل وجود ثقافة مجتمعية تؤمن بالعائلية كمظلة رئيسية وآمنة للحياة، وإيمان مطلق بأهمية توريث كل شئ للأبناء، ليس فقط المتلكات المادية، بل أيضا المواهب والقدرات وكل ما يصنع فرص الحياة. فى مثل هذه الظروف ليس أمام هؤلاء الأبناء إلا أن يسيروا فى الطريق الذى رُسِمَ لهم، وعليهم أن يتخلوا عن شخصياتهم واختياراتهم الحقيقية وطموحاتهم الفردية فى الحياة، وأن يظلوا متوحدين بالأباء لكي ينحجوا ويحققوا انجازات كبيرة فى عملهم. ومهما بذل هؤلاء الأبناء من جهد حقيقى فى اثبات جدارتهم وسط زملائهم، تظل الصورة المجتمعية الظالمة تلاحقهم ولاترى فيهم إلا امتدادا طبيعيا لمكانة الأباء والعائلات التى ينتمون إليها، وأن نجاحهم ليس إلا بفضل إمكانيات وهيبة ونفوذ آبائهم. وأنه لولا هذا الدعم العائلى الموروث ما حققوا شيئا فى حياتهم.

كثير من هؤلاء الأبناء لديهم بالفعل القدرة والكفاءة ومع ذلك يصارعون الحياة لكي يثبتو جدارتهم وأحقيتهم بما حصلوا عليه من فرص ودعم عائلى مباشر. غير أن المعاناة الإنسانية الأكبر تلاحق أولئك الأبناء الأقل فى الكفاءة والقدرة والموهبة. هؤلاء يستنفذون عبر حياتهم المهنية رصيدهم الموروث من مكانة آبائهم، ويصيبهم الضعف والهشاشة بفعل انعدام قدراتهم على تحقيق التوقعات الكبيرة التى كبلتهم. ومع مرور الزمن يصبحون ظلالًا باهتة لآبائهم، وحين يموت الأباء أو تتراجع هيبتهم ونفوذهم تنحسر الأضواء عن هؤلاء الأبناء الضعفاء ويتبخر الاهتمام الذي أحاطهم بالرعاية تقديرا لمكانة آبائهم.

هذه مأساة إنسانية بكل معني الكلمة نشهدها في أمثلة كثيرة للتوريث في مختلف المهن. حيث تلجأ الأسرة إلي توريث الأبناء كل ما تحقق في حياة الأبوين من إنجازات لتمكين الأبناء من فرص للحياة بأيسر الطرق، ظنا من الآباء والأمهات بأنهم أدري بما يفيد أبنائهم دون أي اعتبار لقدراتهم وحقهم في الاختيار ودون السماح لهؤلاء الأبناء بأن يعيشو تجربتهم الحياتية بنجاحاتها وإخفاقاتها. يحدث ذلك في كل المهن وأنماط العمل، سواء في القطاع الحكومي أو القطاع الخاص دون الاكتراث بتفاوت قدرات الأبناء ومواهبهم ومستويات ذكائهم.

وإذا سألت كثيرا من الشباب فى الجامعة أو الخريجين الآن ما الذى دفعك لاختيار تخصصك الحالى؟ سيجيب عدد كبير منهم بأن الأسرة هى السبب. أفهم أن تكون هناك أعداد ليست بالقليلة ستقول إن السبب هو المجموع فى الثانوية العامة، لكن قليلا جدا من الشباب سيقولون إنهم هم الذين اختاروا بأنفسهم تخصصاتهم.

واضح أن الأسرة فى مجتمعاتنا لاتكتفى بتنشئة الأبناء والتفانى من أجلهم، بل أيضا تهيمن على مستقبلهم. منذ عدة أشهر كنت أتابع أحد برامج مسابقات المواهب الموسيقية والغنائية، وشاهدت شابا مصريا موهوبا يقول وهو يعرف نفسه للجنة التحكيم: «والدى لم يعترف بالغناء وكان أمله أن أكون مهندس وأنا حققت أمنيته، ودلوقتى من حقى إنى أحقق أمنيتى فى الغناء»، يعنى حتى المواهب يتم القضاء عليها باسم المستقبل الأفضل. بالتأكيد دور الأسرة مهم فى بناء البشر، ولكن حين تصنع الأسرة بشراً بغير إرادتهم فإنها تقضى على حياتهم.

وهذا يدعونا الى التساؤل: لماذا تتفانى الأسرة من أجل أبنائها بالقضاء عليهم؟ ما الذى يدفع الأسرة، خاصة فى الطبقة الوسطى، إلى عمى البصيرة والتدخل فى حياة الأبناء إلى حد جعلهم كائنات مستنسخة مشوهة؟.. الاسباب كثيرة وراء تلك الظاهرة المعقدة التى تكبل روح التقدم فى المجتمع: قد تكون تعويضا للطموحات غير الملباة لدى الأبوين، أو عقدة الطموح الطبقى والرغبة العنيفة فى الحفاظ على الوضع الطبقى للأسرة والتميز، أو نتيجة للنظرة الدونية السائدة للأصعر سنا، خاصة حين يُنظر إلى الشباب والصغار بأنهم فاقدين للأهلية، وعدم إدراك الصواب من الخطأ، ومن ثم ينبغى الوصاية عليهم، وهنا تصبح الطاعة قيمة كبرى، والاستقلالية والفردية مفسدة كبرى. غير أن توريث المهن قد يكون السبب الأعمق رغبة فى احتكار مهن أو فرص أو نفوذ، أو أن يكون التوريث تأكيدا لأهمية الدعم العائلى كمظلة وحيدة وآمنة لضمان مستقبل أفضل للأبناء فى ظل الخوف على مصيرهم فى مجتمع غير عادل. ولهذا امتدت الظاهرة من عالم الوظائف المتميزة إلى وظائف كثيرة أصغر فى الجهاز الحكومى، بفعل دور الموظفين الذين كانو يمارسون ضغوطا فى احتكار الوظائف لإقاربهم وأبنائهم.

ليست المشكلة فى وجود مسار عائلى للطموحات والتطلعات، حين يقتدى الأبناء بآبائهم الناجحين ويسلكون نفس مساراتهم المهنية، فهذا المسار العائلي قديم قدم الحياة الإنسانية، ولاتزال آثاره باقية حتى اليوم فى مجتمعنا وربما فى مجتمعات أخرى متقدمة، وهو يمثل إطارًا مشروعاً فى الحياة طالما توفرت للأبناء عناصر الجدارة، وأعنى بذلك توفر القدرات والمواهب الطبيعية بما يجعلهم الأجدر من غيرهم فى نيل الوظائف الممنوحة لهم، وأن يتم ذلك فى ظل ضمان وجود نظام عادل لتكافؤ الفرص وليس على حساب الآخرين. غير أن المشكلة الحقيقية تكمن فى الإيمان بمبدأ التوريث على إطلاقه والذى يجعل الآباء يحتكرون لأبنائهم فرصا فى مجالات عمل ليسوا قادرين عليها ولا أحق بها، هؤلاء الأبناء شهود علي مجتمع يؤمن بالفساد والمحسوبية كطريق رئيسي للنجاح في الحياة، مجتمع لا يؤمن فيه كثير من الناس بالمواطنة والعدل، وهؤلاء الأبناء التعساء ضحايا للتوريث الظالم، حتي ولو لم تصبهم لحظات صدق ووقفة مع النفس.

*نقلا عن: الصفحة الشخصية للكاتب على موقع فيس بوك

الوسوم

سعيد المصري

 أستاذ الاجتماع بجامعة القاهرة

مقالات ذات صلة

إغلاق