ثقافة

في ذكرى ميلاده الثلاثين بعد المائة.. مبدعون مصريون وعرب يحتفون بعميد الأدب العربي (1)

يجمع مبدعو الوطن العربي، على تبجيل وتمجيد عميد الأدب العربي، المعجزة الخالدة الدكتور طه حسين، الذي صنع لنفسه منهجا وطريقة متفردة للتفكير خارج ماهو  مطروح. كما مثل مشروعه الثقافي والأدبي طاقة استنارة وحداثة لم تتوقف عن ضخ إضاءاتها في كل اتجاه.

وتزامنا مع الاحتفاء بمرور 130 عامًا على مولده، الذي جاء إلى الدنيا كـ«نقطة» نور تشق ظلام الجهل، في الخامس عشر من نوفمبر عام 1889، نحاول عبر هذه السطور رصد شهادات نخبة من الكتاب والمبدعين المصريين والعرب، حول طه حسين ومشروعه الثقافي والفكري، الذي تحدى من خلاله تيارات التخلف والتقهقر والجمود، وشكّل أحد الجسور المهمة للعبور نحو الحداثة والمستقبل ليكون طه حسين أحد رواد إعمال العقل، ومن المحرضين الكبار على فريضة  التفكير.

لم يكن أعمى!

يقول الشاعر عبد المنعم رمضان: منذ أكثر من شهرين تقريبا، ذهبت مع أصدقاء مصريين وعرب، وللمرة الأولى، إلى فيلا «رامتان»، منزل طه حسين وآلمني الأمر وسرني في الوقت ذاته، أن المنزل أقيم وفي عقل المهندس الذي أسسه أن صاحبه أعمى، وأن زوجة صاحبه أمرأة قوية وذات نفوذ، فممرات المنزل وسلالمه كانت تلائم طه حسين، أما أثاثه فخُصص أكثر من أجل إمرأة.

الشاعر عبد المنعم رمضان

  ويضيف رمضان: «عندها تذكرت مقالة كتبتها منذ سنوات، وكان عنوانها، طه حسين لم يكن أعمى، حكيت أنه كان مبصرا حتى ذهب إلى فرنسا، وعندما دخل محلا في ليون لبيع النظارات، جرب عددا من نظارات ذات عدسات سوداء فتنته، وأجبرته أن يشتري أكثر من واحدة، بعدها أدعى العمى، راغبا فى أن يري مالا يراه وهو مبصر، حتى أنه ذات يوم صيفي،أتته صحفية شابة لتجرى معه حوارا، ساعتها كان طه حسين بمفرده، وبعد قليل تخففت الفتاة من بلوزتها، واستمرت فى الحوار، بعد قليل شعرت في الرغبة في التخلص من كل ملابسها، وأكملت الحوار، عندها أحست الفتاة بأن عمى طه حسين منحها حرية أكبر من مساحة الكون، وأحس طه حسين أن عماه منحه حرية الرؤية والرؤى فتشبث به، لانه اكتشف طريق المعرفة، ومعرفته، أستطاعت بسبب ذلك أن تقلقنا،

 ويرى رمضان أننا اليوم ربما  في حاجة إلى عمى طه حسين، كي نرى الدرك الأسفل الذي هبطنا إليه، ليتنا نصاب جميعا بالعمى، ربما ساعتها نرى كيف أصبحنا؟!

طه حسين ومستقبل الثقافة في مصر

يرى الشاعر أشرف البولاقي أن شهرين كل عام، كفيلانِ تمامًا، لو تم استثمارهما جيدًا، أن يُحدِثا حراكًا فكريًا وعقليًا في الثقافة المصرية بأسرِها، وهُما شهرا أكتوبر ونوفمبر، وهُما الشهران اللذان ولِد وتوفي فيهما عميد الأدب العربي الدكتور طه حسين، ولعله مِن ترتيب الأقدار أن يكون الشهران متتابعيْن، حتى يسهل على الثقافة أن تكرّس جهودها لهما. لكن أنَّى لهذه الثقافة أن تستثمر شيئًا كهذا؟! لاسيما وأن طه حسين نفسه بدا وكأنه كان يعرّض بما ستؤول إليه تلك الثقافة في كتابه «مستقبل الثقافة في مصر».

الشاعر أشرف البولاقي

 ويصف البولاقي هذا الكتاب بأنه واحدٌ من أهم وأخطر الكتب في تاريخ الفكر العربي، ليس وقت ظهوره فقط سنة 1938 ولكن حتى يومنا هذا، بسبب ما تناول فيه مؤلفه من طبيعة الثقافة المصرية وخصائصها المميزة، ومن حديثه عن حرية الآداب والفنون، والأهم والأخطر من ذلك إشاراته إلى انتماء الثقافة المصرية والعقل المصري.

الموسوعي

من جانبه يؤكد الروائي والقاص شريف صالح أنه ليس من السهل اختزال طه حسين، فهو من العقول التي أنشأت مؤسستها الخاصة بها. هو الأستاذ الجامعي والصحفي والمفكر والأديب والسياسي.

 ويشير صالح إلى إنتاج العميد المتنوعً ما بين التراث والحداثة، مُعبرًا من خلاله عن قيم الاستنارة، والنقد بمعناه الفلسفي الدقيق، الذي يسعى لخلخلة القائم سعيًا في اتجاه مستقبل أفضل. فقد كان طه حسين متعددًا في واحد، ما مكنه أن يصبح أبرز أقرانه حضورًا في الفضاء العام.

الروائي شريف صالح

 ويضيف صاحب رواية حارس الفيسبوك: للأسف تعرض «إرث» طه حسين للتهميش، والتعميم، والإبعاد.. فلم يعد «التعليم كالماء والهواء» كما نادى وزيرًا، بل أصبح حقًا فقط لمن يدفع أكثر، واختفى التلاميذ من المدارس أو كادوا.. وبدلًا من أن يؤسس نقده وتشريحه للخطاب الدينى لرؤية عصرية للدين في مجتمع القرن الحادي والعشرين، انتهى بنا الحال إلى جماعات إسلاموية متشددة لا تتورع عن سب وتكفير طه حسين ليل نهار.

ويعبر صالح عن حزنه لفقدان الروح الموسوعية التي طور بها طه حسين آداب العربية ودراستها، مُستعيدًا قامات مثل المعري وابن خلدون، وجامعًا ما بين الفلسفة والتاريخ واللغة. للأسف، وبمرور الزمن، انعزل إرث طه حسين عن فضائه العام، فلا أثر لاسمه في الإعلام اللهم إلا ذكرى الميلاد والوفاة.. ولا أثر له في كتب المدارس ومكتباتها، إلا فيما ندر.ويبدو ذلك كله متسقًا، مع هيمنة جماعات متشددة على الفضاء العام،

اقرأ أيضا:

التفكير في مواجهة التكفير

 ويرى الروائي والشاعر السوري هوشنك أوسي أنه إذا كان أبو العلاء المعرّي في زمنه؛ «فيلسوف الشعراء وشاعر الفلاسفة»، فإن مقام طه حسين في زمنه وزمننا أيضاً، يصحُّ توصيفهُ بـ«أديب الفلاسفة، وفيلسوف الأدباء»..

الشاعر هوشنك أوسي

 ويضيف أن أهميّة طه حسين لا تتأتّى فقط من أنه أراد نقد السرديّة الدينيّة والتاريخيّة للعرب، إنطلاقاً من مراجعة ونقد الشعر الجاهلي، على صعيد المفهوم والاصطلاح والدلالة والمضمون، منحازاً لنزعة الشكّ والبحث والتدقيق والتمحيص، كما ينبغي للباحث والفيلسوف والناقد الحصيف والجريء أن يفعل، ولكنها تتأتى أيضا من أنه تناول تيمة القداسة ليس فقط في النصّ الديني، بل في النصّ الشعري الذي تحوّل بفعل التقادم والتكريس والترسيخ إلى كونه مقدّسا أو شبه مقدّس.

ويختم صاحب رواية  وطأة اليقين.. استغرب كيف أن مصر في العقود الثلاثة الماضية، لا تهتم بطه حسين، بنفس مقام اهتمامها بنجيب محفوظ. رغم أن مساهمة حسين في الثقافة المصرية والعربية، هي أضعاف مساهمة نجيب محفوظ التي اقتصرت على الرواية وكتابة السيناريو، بينما مساهمة حسين تجاوزت الأدب إلى البحث والنقد والفكر الإصلاحي التنويري، ويمكن اعتباره من الروّاد المطالبين بمراجعة كتب التراث. ولو كان حسين حيّاً، لاستمرّ في منهجه وسعيه ومشروعه النقدي التنويري في مراجعة المزيد من كتب التراث والفقه أيضاً.

اقرأ أيضا:

مركزية العميد

ويشير الشاعر إسلام نوار إلى أن طه حسين ولد في عصر يشبه العصور الوسطى الأوربية، أشهدنا معه مسار الشك الديكارتي، رابطا بين الذات والحقيقة، وطرح ما كان يجب أن يطرح في حينه، بأن يصبح العقل ميدان الانتماء الحقيقي، وأراد أن نمر معه بفترة الانتقال الطبيعية للكلاسيكية،

الشاعر إسلام نوار

 لكن نوار يرى أننا فوتنا الفرصة وفضلنا الثبات في العصور الوسطى التي بقينا فيها للآن، فوتنا الفرصة، وأصبح الباقي من طه حسين كرسيه في الجامعة الذي يُتنازع على من يجلس عليه، في ثقافة انحطت، واتسعت الهوة بين انحطاطنا الحالي والمحيط العالمي الآني.

ويختم صاحب ديوان «لاتقل عن ولدي إنه يمشي في السماء» بأن  هذه البنية الثقافية العربية القائمة على المركزية، والتي دوما ما تضع شخصا ما مركزا لها تدور إنتاجيتها حوله، فوتنا الفرصة في جعل طه حسين مركزا لها، وهو بالتأكيد كان أكثرا استحقاقا في وجهة نظري من الأشخاص الذين وضعناهم في المركز، هذا إذا قبلنا بفكرة المركزية أصلا.

اقرأ أيضا:

نحن جوقة العميان.

تقول الروائية والقاصة جلاء الطيري إن طه حسين عميد كان فاقداً للبصر لا البصيرة إمتدت بصيرته فى روايته الآسرة دعاء الكروان وصف فيه الريف وصفاً بديعاً وصف من رأى وأبصر، الخطيئة والغواية والقهر هم قدر الأنثى مُنذ بدء الخليقة، ومع أن الآخر يكون شريكاً لها بل هوالمحرض لكنه القاضى والجلاد،الذنب يقع عليها وحدها، هذا ما يطرحه طه حسين فى تلك الرواية وباسلوب بديع، الوأد والقسوة والألم الذى تُعايشه المرأة وكأنه قدرها الموسومة به. فجميع نساء الرواية سوداويات حزينات مقهورات، بداية من الأم التى هجرها زوجها إثر فضيحة أخلاقيه هو الفاعل والمدان ولكن الجرم يقع عليها بسبب مجتمع ذكورى يؤطر لسطوة الرجل.

الروائية جلاء الطيري

(يتبع)

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق