منوعات

قضية أثارتها جنازة هيثم زكي: جنازات المشاهير.. وأخلاقيات التصوير

قالوا إن الصورة تعادل ألف كلمة، وعرّفها أهل الاختصاص بأنها نص بصري متكامل الشكل والمضمون، سهل الأخذ والتناول والتداول، عميق التأثير والفعل في عقل وقلب القارئ، قادرة على تجسيد المشاعر الإنسانية، واستثارة عواطف القراء وتوجيههم وتغيير مجريات الأمور، وبالتالي فإن محاولة حصارها هو شكل من أشكال التجهيل المتعمد وحرمان الجمهور من حقه في المعرفة.

ضربات سريعة

في كتابه «الصحافة المصورة والأخبار في عالم اليوم.. خلق واقع مرئي» عرّف لوب لانجتون مدير برنامج الصحافة البصرية في كلية الإعلام بجامعة ميامي الأمريكية، الصورة الصحفية بأنها: «اللقطة الثابتة والمعبرة عن حالة أو حدث ما يهم الجمهور، وهي فن صحفي يعبر عن موقف أو حدث ما».

إذن الصورة الصحفية وفقا لهذا التعريف هي توقيف لعجلة الزمن عن الدوران عند لحظة بعينها وتثبيت لتفاصيل تلك اللحظة في مكان بعينه لنقلها إلى الجمهور وتوثيقها وحفظها للأجيال القادمة، وبالتالي فإن غياب الصورة عن حدث – أيا ما كان – هو غياب للتفاصيل التي تصل إليها الكاميرا ولا تستطيع الكلمات التعبير عنها.

لانجتون يقول في الكتاب الذي ترجمته زينب عاطف وراجعه جلال الدين عز الدين علي: «نعمل نحن الصحفيين المصورين عمل الأوصياء على الجمهور؛ فيتمثل دورنا الأساسي في الإخبار بصريًّا عن الأحداث المهمة ووجهات النظر المتنوعة في عالمنا المشترك. فهدفنا الأسمى هو التصوير الكامل والأمين للموضوع الموكل إلينا. وبوصفنا صحفيين مصورين، نحمل مسئوليةَ توثيق المجتمع وحفظ تاريخه بالصور».

ويعدد لانجتون في كتابه مهام التصوير الفوتوغرافي ويصفها بأنها «ضربات سريعة»، يبحث فيها المصور عن وجه مثير للاهتمام أو مشهور، ويقرر إن كان سيلتقط لهذا الوجه صورة بسيطة أم معقَّدة، وينتظر حتى تحين لحظة ذروة التعبير أو النشاط، «في معظم الأحيان يكون الشخص مدركًا أن أحدا ما يلتقط صورة له، لكن في أحيان أخرى قد يشعر المصور أن معرفة الشخص بوجوده قد تشتته أو تمنعه من التصرف بطريقة طبيعية، أو قد يوضح الشخص أنه لن يسمح بالتقاط صور له في هذه الحالات، وقد يستخدم المصور عدسة أطول أو قد يسترق لقطات بكاميرا خفية».

من هنا، وبناء على ما قدم له لانجتون في كتابه عن الصحافة المصورة وأهميتها وأخلاقياتها، نقف عند أزمة لازمت عمل المصور الصحفي المتهم على طول الخط بالتطفل على الأحداث والشخصيات العامة والمشاهير بهدف قنص «shooting» لقطة خلال حدث ما أو اصطياد تعبير لشخصية ما.

قد يتعرض المحررون لبعض المواقف المحرجة أثناء ممارستهم عملهم، لكن تلك المواقف لا تقارن بما يواجهه المصور الصحفي، فالكاميرا تفضح شخصية هذا «المتطفل» من وجهة نظر السلطات أو المصادر التي تتواجد في مكان الحدث، فقد يستطيع المصدر أن يكذب خلال حديثه مع الصحفي وقد يضلله بمعلومات غير صحيحة أو يمنحه معلومات خطيرة شريطة ألا يذكر اسمه، لكنه لا يستطيع أن يفعل ذلك مع المصور الصحفي الذي اختار زاويته وترصد لفريسته «المصدر» حتى يلتقط التعبير الذي يرضيه أو يغطي التفاصيل التي قد لا يصل إليها زميله المحرر، لذا فالمصادر عادة لا ترتاح لوجود مصور صحفي محترف يتربص بها.

الكاتب «لوب لانجتون»

تغريدة السعدنى وغضب دينا

خلال الأسابيع الماضية أثيرت أزمة تغطية بعض جنازات المشاهير وانتقد البعض حصار كاميرات المصورين الصحفيين للنجوم الذين يحضرون تلك الجنازات، وبلغ الأمر أن طالب بعضهم بمنع تغطيتها أو الاكتفاء بكاميرا واحدة منعا لـ «البهدلة»، بتعبير الممثل الشاب أحمد السعدني.

السعدني وجه رسالة في تغريدة على حسابه بموقع «تويتر» إلى نقيب الصحفيين ضياء رشوان عقب جنازة الفنان هيثم أحمد زكي كتب فيها: «نداء إلى نقيب الصحفيين الترخيص لكاميرا تلفزيونية واحدة وكاميرا فوتوغرافية واحدة ومحرر صحفي واحد لتغطية أي جنازة أو عزاء لأي فنان (طالما هو شر لا بد منه)، ويتم عمل نسخ لباقي البرامج والصحف، من يتوفى منا يتبهدل حرفياً لحين دفنه ارحمونا يرحمكم الله».

رسالة السعدني جاءت بعد الأزمة التى أثارها تهجم الفنانة دينا الشربيني على بعض المصوريين الصحفيين المتواجدين في جنازة هيثم زكي أمام مسجد مصطفى محمود بحي المهندسين ظهر الخميس 7 نوفمبر 2019، «انتو بتصوروا إيه»، قالت الشربيني وهي تهدد أحد المصورين لعدم تصويرها، فرد عليها قائلا: «هتعملي إيه».

تساءل كثيرون من رواد مواقع التواصل الاجتماعي عن سبب هجوم الشربيني على المصورين، فقال بعضهم إنها أرادت أن تبدو حزينة ومتأثرة، فلجأت إلى «الحيطة المايلة» وهم المصورون، الذين يتعرضون لمعاملة سيئة وهجوم باللفظ وأحيانا باليد من بودي جاردات النجوم، الذين يرفضون تصويرهم في الجنازات وسرادقات العزاء، وقال البعض الآخر أن الشربيني لديها مشكلة مع الصحافة بشكل عام، والمصورين بشكل خاص، نظرا لفضحهم علاقتها غير المحددة المعالم بالنجم عمرو دياب، الذي لم يعلن حتى اليوم ما إذا كانا زوجين أم حبيبين أم صديقين، فيما فسر آخرون أنها وغيرها من الفنانات لا يردن الظهور أمام الكاميرات بدون مساحيق تجميل.

ما جرى في جنازة هيثم أحمد زكي تكرر في جنازات نجوم فن وسياسة على مدار السنوات الأخيرة، مرة في جنازة الفنان الراحل فاروق الفيشاوي، وأخرى في جنازة والدة الفنانة يسرا، وقبلها في جنازات نور الشريف وفاتن حمامة ومحمود عبد العزيز وغيرها، ووصلت الأمور إلى أن نقيب المهن التمثيلية أشرف زكي أصدر في 2015 قرارا بمنع تصوير جنازات الفنانين بدعوى أنه «بينفذ كلام ربنا»، وقال حينها «للموت جلال يجب احترامه ومراعاته، ومراعاة القرآن الذي يُقرأ في الجنازة»، واستشهد بالآية القرآنية «وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا»، ثم عاد وتراجع عن قراره بعد أن أدرك أن الخسارة ستطال الجميع في حال أصر على تفعيل القرار.

وقال زكي في اعتذاره عن قراره بالمنع إن البعض فهمه بشكل خاطئ، وأنه كان يقصد أن يكون هناك تنظيم لوجود المصورين الصحفيين «اللي عايز يصور ممكن يصور لكن خارج الجنازة ومش جوا المسجد، لأن اللي بيتظلم في الآخر الصحفيين والإعلاميين الكبار اللي بتسيء إليهم تصرفات بعض من ينتحلون صفة الصحفيين أثناء رغبتهم في التصوير».

البحث عن حل

فتحت تلك الأزمة مناقشات بين عدد من أطرافها الممثلة في نقابة المهن التمثيلية من جهة ونقابة الصحفيين وشعبة المصورين الصحفيين من جهة أخرى، وُطرح عدد من الآراء ووجهات النظر للوصول إلى حل لتلك القضية، منها وجود تنظيم مسبق لعملية تصوير الجنازات وذلك من خلال تخصيص أماكن محددة للمصورين الصحفيين ليتمكنوا من ممارسة عملهم دون استفزاز مشاعر أهالي المتوفي، والبعض طالب بالتوقف عن تغطية الجنازات وسرادقات العزاء مراعاة لما وصفوه بحرمة وجلال الموت.

الرأي الأخير قوبل بالرفض من قبل «المصورين الصحفيين»، «لولا وجودنا في جنازات المشاهير ما نقلت لنا وللأجيال المقبلة مشاهد جنازات تاريخية مثل جنازة أم كلثوم التي مازال العالم يتحدث عنها نظرا لضخامة عدد المشيعيين وهو ما تكرر في جنازات عبد الحليم حافظ وعبد الوهاب وأحمد زكي وغيرهم من أهل الفن» يقول مجدي إبراهيم رئيس شعبة المصورين الصحفيين في مصر.

مجدي إبراهيم رئيس شعبة المصورين الصحفيين

ويضيف إبراهيم أن الجنازة تنطلق من مكان عام ومن حق المصور التصوير في المكان العام ولا يجوز لأحد منعه إلا بقرار من الجهات الأمنية المختصة ولأسباب معلومة ومعلنة، ويستدرك «لكن مراعاة لحالة الحزن يجب على المصور استخدام عدسة زووم تسمح بالتصوير من مسافة بعيدة حتى لا يستفز المصور مشاعر أهالي المتوفي».

ويتساءل رئيس شعبة المصورين الصحفيين: «هل تنظيم عمل المصورين الصحفيين في الجنازات مسئولية أصحاب الجنازة وفي بعض الأحيان السلطات المختصة أم مسئوليتنا نحن؟.. لو تم تخصيص مكان لعمل المصور الصحفي لالتزم به، وبالتالي لن تكون هناك مشاكل».

أما عن التصوير فى سرادقات العزاء فيقول إبراهيم: قاعات العزاء مكان خاص ومن حق أهالي المتوفي أن يمنعوا التصوير أو يمنعوا التغطية الصحفية، ولا يجوز لنا كمصورين الاعتراض فالمكان الخاص له حرمة ولا يجوز اقتحامه دون إذن من أصحابه».

ويشير إلى أن هناك حالات خرق للسلوك الأخلاقي من جهة المصورين الصحفيين، «من أجل الحفاظ على ثقة مستهلكي الأخبار، يجب أن تتعامل وسائل الإعلام الإخبارية، بوجه عام، بسرعة وحسم مع الذين يتجاوزون الحد».

عزاء والدة يسرا

ميثاق أخلاقى

وينقل لانجتون في كتابه السابق الإشارة إليه بنود الميثاق الأخلاقي للجمعية الوطنية لمصوري الصحافة في الولايات المتحدة، ويقول: يجب على المصورين بوصفهم أمناء على العامة، ودورهم الأساسي هو تقديم تقارير بصرية عن الأحداث المهمة، وعن وجهات النظر المختلفة وهدفهم الأساسي هو التصوير الأمين والشامل للموضوع الذي نعمل عليه، أن تكون مسئولية المصورين الصحفيين توثيق المجتمع، والحفاظ على تاريخه من خلال الصور.

ويضيف الميثاق أن الصور الفوتوغرافية ولقطات الفيديو تعمل على كشف الحقائق الكبرى، وفضح الأخطاء والإهمال، وبث الأمل والتفاهم والربط بين الناس في جميع أنحاء العالم عبر لغة التفاهم البصري، كما يمكن للصور أن تتسبب في أذى بالغ إذا كانت متطفلة بقسوة، أو متلاعبا بها.

ووضع الميثاق عددا من المعايير وطالب المصورين الصحفيين بالالتزام بها في عملهم اليومي:

  • كُنْ دقيقًا وشاملًا في تمثيل الأشخاص موضوع الصور.
  • قاوِمْ إغراءَ فرص الصور الملفَّقة.
  • اسْعَ إلى الكمال، وحافظ على السياقَ عند التصوير أو التسجيل للأشخاص.
  • تجنَّبْ إظهارَ الأفراد والمجموعات بصورة نمطية.
  • أدرِكِ التحيُّزَ الشخصي، واعمل على تجنُّب حضوره في العمل.
  • عامِلْ كلَّ الأشخاص موضوع الصور باحترام وكرامة. وامنح اهتمامًا خاصًّا للأشخاص الضعفاء، وتعاطفًا مع ضحايا الجرائم أو المآسي. ولا تتطفَّلْ على لحظات الحزن الخاصة إلا عندما يكون الجمهور بحاجة بالغة ومبرَّرة لرؤيتها.
  • أثناء تصوير الأشخاص، لا تسهم عمدًا في تغيير الأحداث أو تسْعَ إلى تغييرها أو التأثير فيها.
  • يجب أن يحافظ التحرير على سلامة محتوى الصورة الفوتوغرافية وسياقها.
  • لا تتلاعَبْ بالصور أو تُضِفْ صوتًا أو تغيِّرْه بأية طريقة يمكنها تضليل المشاهدين أو إساءة تمثيل الأشخاص.
  • لا تدفَعْ أموالًا إلى المصادر أو الأشخاص أو تكافئهم ماديًّا على معلوماتهم أو مشاركتهم.
  • لا تقبَلْ هدايا أو معروفًا أو تعويضًا من أولئك الذين ربما يسعون إلى التأثير في التغطية الإعلامية.
  • لا تخرِّبْ عمدًا جهودَ الصحفيين الآخرين.

أخيرا لو التزم المصورون الصحفيون بما جاء في بنود هذا الميثاق وغيره من مواثيق الشرف الصحفي، واحترم الآخرون عمل المصور الصحفي وآمنوا بأن عمل هؤلاء له من الأهمية ما يتطلب تعاونهم معهم، لما وصلنا إلى الأزمات التي تتكرر مع كل مناسبة ،سعيدة كانت أم حزينة.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: