رؤى

من بوليفيا إلى العراق.. هل هي حقاً «ثورات»؟

لعله الإحباط الذي أصاب قطاعات غير قليلة في العالم العربي جراء إخفاق ما عرف بالربيع العربي، أو الانتفاضات الشعبية التي شهدتها بلدان عربية عدة منذ عام 2011، هو ما يدفع تلك القطاعات للتهليل والتصفيق لأي تحرك على مستوى الشارع في أي قطر عربي.

وهو الأمر الذي تبدى فيما يشهده كل من العراق ولبنان من تظاهرات استقبلت بقدر من الحفاوة يمكن للمتابع أن يلحظها على مواقع التواصل الاجتماعي المختلفة.

توقيت أمريكى

مصدر الاحتفاء هنا – في رأيي الشخصي – لا يعود بالضرورة إلى تأييد مطالب المتظاهرين والتي تبدو مطالب اقتصادية واجتماعية، لا سياسية، في المقام الأول، وانما هو نوع من التعويض عن الاخفاق الشخصي من خلال تحركات الآخرين.

لكن هذه الحفاوة لا تطرح السؤال الأهم وهو: هل تصب هذه التظاهرات حقا في صالح شعوب المنطقة وفي القلب منها تلك المنتفضة أم أنها تصب في صالح أجندات  خارجية تستغل غضبا شعبيا مشروعا واحباطا تراكم على مدار سنوات لصالح أهدافها؟

بداية، لا يمكن للمرء أن يتجاهل التوقيت الدقيق لهذه التظاهرات والمتزامن مع «انتفاضات» مماثلة في كل من هونج كونج وفي أمريكا الجنوبية وخاصة في بوليفيا ولا أن يتجاهل حقيقة أن اغلب هذه التحركات جاء بعد إخفاق مشروع تغيير النظام في سوريا عقب سنوات ثمان من الحرب الأهلية الدامية. فبعد أكثر من ثماني سنوات من انطلاقة الانتفاضة السورية في مارس من عام 2011، تبدو الأهداف الأمريكية من هذه الحرب أبعد ما تكون عن التحقق، فالرغبة في اسقاط نظام حليف لطهران قد باءت بالاخفاق، بل جاءت إيران بقواتها إلى سوريا وباتت على مرمى حجر من الأراضي الفلسطينية المحتلة، كما أن الرغبة في إضعاف الحركات الحليفة لإيران لم تسر كما شاءت واشنطن، حيث خرجت تلك الحركات من الحرب أقوى مما كانت عليه، مكتسبة خبرة ميدانية من سنوات الحرب الطوال وبات وجودها في كل من الجولان السوري وجنوب لبنان يهدد بفتح كلا الجبهتين في أية حرب إقليمية قادمة.

من ثم، فإن نظرة شاملة على خريطة التظاهرات والبلدان التي توجد فيها تكشف عن رغبة أمريكية في تعويض ما لم تنله في سوريا من خلال «بديل مدني» إذا صح التعبير.

فتظاهرات العراق مثلا، رغم كونها ناتجة عن هم معيشي حقيقي وأوضاع أفرزتها حقبة ما بعد الاحتلال الأمريكي (عام 2003) إلا أن التوظيف السياسي لها تبدى في استهداف مقرات أحزاب وقوى سياسية بعينها عرفت بعلاقتها بطهران والتي وصلت لحد إحراق مقارها واغتيال عدد من أعضائها. كما أن احتفاء فضائيات عربية بعينها، عرف عنها الخطاب المحافظ والعداء لانتفاضات عام 2011، بهذه التظاهرات لا يمكن تفسيره إلا في اطار خطاب المتظاهرين المعادي لايران التي طالما استهدفتها تلك الفضائيات باعتبارها العدو الرئيسي.

الأمر ذاته ينطبق على تظاهرات لبنان التي انطلقت من واقع اقتصادي مترد، ورغم نجاح هذا الحراك، خاصة في بداياته، في انتاج خطاب متجاوز للطائفية التي طالما مزقت المجتمع اللبناني، إلا أن قوى بعينها داخل  الحراك أبت إلا تحويل مساره، فلم تعد المطالب اجتماعية بحتة بل تجاوزتها للهجوم على قيادات حزبية محددة وشهدت التظاهرات إحراق صورها رغم بعدها التام عن أي ملفات اقتصادية.

ومن الطريف حقا أن قيادات إرتكبت جرائم بحق الشعب اللبناني طيلة سنوات الحرب الأهلية التي شهدها ذلك البلد العربى (1975-1990) تقدم نفسها حاليا بوصفها مؤيدة للحراك ومطالبة بمحاربة «الفساد»!

كما أن تصعيد المطالب- رغم إنجاز أهمها – وهو استقالة الحكومة والمطالبة غير المبررة باستقالة الرئيس أيضا – رغم إبداء هذا الأخير استعدادا تاما للحوار حول مطالب الشارع- لا يمكن فهمه إلا في إطار رغبة أطراف خارجية في التخلص من كافة الرموز السياسية المرتبطة بالمقاومة اللبنانية أو الداعمة لها أو المتحالفة معها.

نظرية الأوانى المستطرقة

هذه التحركات ليست بمعزل عما جرى ويجري في هونج كونج تحت مسمى الديمقراطية والتي تخصص لها القنوات الإخبارية الأمريكية والأوروبية مساحات تغطية واسعة، فرغم شعار الديمقراطية الذي يرفعه المتظاهرون، إلا أن الهدف الحقيقي هو إضعاف النظام الصيني واقتصاده الناهض والتمهيد لفصل هذا الجزء من الصين عن سيطرة بكين.

ولا يصعب على المتابع أن يدرك الغرض الحقيقي من هذا الحراك على الأرض من خلال ما حدث في بوليفيا من تدخل للمؤسسة العسكرية أدى إلى تنحي الرئيس اليساري إيفو موراليس. لخص موراليس ما حدث في بلاده ولنظامه في جملة بليغة حين قال أن خطيئته الأساسية هو أنه كان-ولا زال- معادياً للإمبريالية.

إيفو موراليس

لم تغفر واشنطن لموراليس الذي يعد أول رئيس لبوليفيا من صفوف سكانها الأصليين مصادرته لقطاع المحروقات وخاصة الغاز الطبيعي الذي تصدره بلاده ولا موقفه الداعم للقضية الفلسطينية ولا تحالفه ودفاعه عن النظام الفنزويلي الذي لازالت محاولات إسقاطه هو الآخر من قبل واشنطن مستمرة. ولم يعبأ الساسة الأمريكيون بحقيقة أن سياسات موراليس خفضت نسبة الفقر في بلاده بحوالي النصف ، أو أنها وفرت خدمات للسكان الأصليين لم تقدمها أي حكومة سابقة في بوليفيا، بل سارع الاعلام الأمريكي لتصوير موراليس بوصفه طاغية يقمع تظاهرات شعبه، علما بأن مؤيدي موراليس – وجلهم من البسطاء – لم يرتكبوا أية أعمال عنف، في مقابل أنصار المعارضة الذين طالت تهديداتهم وعنفهم اعلاميين مؤيدين لموراليس وغلب على خطابهم عنصرية واضحة تجاه السكان الأصليين.

وبعد تدخل المؤسسة العسكرية لدفع موراليس لترك السلطة لم تخف واشنطن فرحتها بهذه النتيجة، وغرد الرئيس ترامب على موقع تويتر مشيدا باستقالة موراليس من رئاسة بوليفيا، ورأى فيها «رسالة قوية» إلى الأنظمة التي وصفها بغير الشرعية.

دونالد ترامب

تعيد هذه الواقعة إلى الأذهان وقائع مماثلة استخدمت فيها واشنطن التظاهرات الشعبية لتحقيق أجندتها الخاصة المعادية في جوهرها لمصالح تلك الشعوب، في أوائل الخمسينات تم استخدام التظاهرات للتمهيد لانقلاب عسكري في إيران قاده الجنرال زاهدي ودعمته الاستخبارات الأمريكية لاسقاط حكومة الدكتور مصدق المنتخبة، انتقاما من هذا الأخير لتأميمه قطاع النفط في إيران.

محمد مصدق                                         فضل الله زاهدي

وفي سبتمبرمن عام 1973، كان التظاهر والإضراب أداة أضفت الشرعية على انقلاب آخر قاده الجنرال بينوشيه في تشيلي وأجهض بواسطته الديمقراطية الوليدة التي أتت بنظام الرئيس الاشتراكي سلفادور الليندي إلى السلطة، وأسفر الانقلاب عن مقتل الليندي واعتقال وتعذيب الآلاف من مؤيديه.

خلاصة القول، أنه ليس كل حراك في الشارع يستحق الاحتفاء به، وليس كل تظاهر بالضرورة «ثورة»، كما أنه ليس كل تحرك شعبي تمهيد للديمقراطية، بل إنه في بعض الأحيان يكون الأداة التي تستخدم لسحقها، وأن على المرء أن ينظر إلى ما وراء التظاهرات، إلى أجندتها وأهدافها ومن يقودها قبل أن يحدد موقفه منها سواء بالتأييد أو الرفض، لكيلا يكون كذلك «الساذج» الذي يتحدث عنه المثل الصيني الذي يشير محدثه إلى القمر في حين ينظر هو -أي الساذج – إلى إصبعه!

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق