ثقافة

بين طه حسين وأبي العلاء.. قصة الصوت وصداه

لم تحظ شخصية في التراث العربي كله بمثل ما حظيت به شخصية شيخ المعرة وفيلسوفها أبى العلاء المعري من اهتمام وتقدير لدى عميد الأدب العربي طه حسين. فقد تواصلا لحد التماهي، وتلاقيا في خصالهما ومواقفهما من الحياة والوجود والناس لدرجة الامتزاج. رضي طه حسين في أكثر من مناسبة أن يُسخّر نفسه ليكون صدى لصوت الشاعر العباسي المتوفي في القرن الخامس الهجري، ظانا أن استدعاء أفكاره ومواقفه على الرغم من دقة معانيها وصعوبة تراكيبها اللغوية، هي أولى وأجدر بالحضور في ثقافتنا من سير الأدباء والفلاسفة الغربيين المتشائمين مثل «نيتشه» وشوبنهاور وغيرهما من فلاسفة الفكر الأوربي.

تشابه مدهش

ثمة تشابه مدهش جمع بين شخصيتي طه حسين وأبي العلاء المعري، ليس فقط في فقدان البصر حين حضرت البصيرة، ولا في الخيال الخصب النفاذ، وامتلاكهما لناصية اللغة وأسرارها، بل امتد هذه التشابه ليشمل الشعور بالاغتراب في مجتمعات لم تستوعب موهبة أبى العلاء وطاقته الإنسانية الفذة، كما تكالبت على خليله طه حسين بالاتهام حين ألقى بظلال من الشك على تراث راكد من المسلمات التاريخية، وشدة كل منهما على نفسه، وارتيابه في أحكام الناس ومواقفهم، وتفضيله للمغامرة وخوض الطرق الصعاب الوعرة بديلا عن الاستكانة واختيار الطرق السهلة المألوفة.

 ربما لم يفصل بينهما سوى ما سيطر على أبى العلا من موقف تجاه الحياة جعله يراها بلية، فإذا كان حبل النسل قد تواصل من آدم إليه فإن ذلك – في رأيه -حمق أحرى به أن يتجنبه وألا يُعقّب في هذه الأرض نسلا، كما هجر المرأة فلم تخطر له خاطرة الزواج، بينما تزوج طه حسين من فتاة فرنسية أحبها في ريعان شبابه ولازمته طوال ستين عاما، كانت خلالها عينه التي يبصر بها فتصدقه الرؤيا، وانجب منها  ولديه «مؤنس وأمينة»

اقرأ أيضا:

اللقاء الأول

أما اللقاء الأول الذي جمع بين الأديبين العملاقين فكان عام 1914 حين كان طه حسين يبحث عن موضوع لأطروحة الدكتوراه، وقد أعرض عن عدد من الموضوعات الهامة التي طُرحت عليه في الجامعة، كان من بينها موضوع عن أدب الخوارج، وآخر عن الجاحظ، وثالث عن أثر الفارسية في اللغة العربية إبان الدولة العباسية، ليجد نفسه أخيرا في ملاقاة الرجل (المعري) الذي رٌبي على كراهيته في درس مٌعلمه ولكنه ظل يكن له الاحترام والتقدير، وإلى معلمه هذا يعود الفضل في تكوين أسلوب طه حسين الأدبي وقدرته الإنشائية، وهو الشيخ سيد المرصفي.

غير أن دراسة الآداب وفق المناهج الغربية الحديثة التي تعرّف عليها في فرنسا أو تلك التي اعتمدتها الجامعة المصرية في منشئها بما جلبته من أساتذة مستشرقين للآداب، قد أزالت كثيرا من تلك الكراهية، وحيدت العواطف والمواقف المسبقة من حياته البحثية، بالإضافة إلى ما لحظه حسين من اهتمام بالغ بالرجل في الثقافة الأوربية. فقد ترجمت لزوميات أبي العلاء  إلى الألمانية، ورسالة الغفران إلى الانجليزية، غير أن ثمة دافعا آخر  يذكره طه حسين نفسه حين يقول «ورأيت بيني وبين الرجل تشابها في تلك الآفة المحتومة، التي لحقت كلينا في أول صباه، فأثرت في حياته أثرا غير قليل»، في إشارة إلى فقدان البصر.

كان أول ما شغل بال طه حسين إزاء المعري هو أنسنة تلك الشخصية التي اعتادت عمائم التقليد اجتزاءها من سياقها التاريخي والاجتماعي لتحاكمها دينيا ثم تلقي بها إلى النار.فالمعري هو ابن بيئته،وتكوينه النفسي ونتاجه الفلسفي هو ابن لتلك الملابسات الاجتماعية والتاريخية والاقتصادية التي أحاطت به وأثرّت عليه، أو هو بتعبير حسين – ثمره من ثمرات عصره، ومن ثم سعى طه حسين إلى اكتشاف مجموعة العلل والمؤثرات التي كونت تلك الشخصية الفذة والمعقدة لأبي العلاء المعري، وهي علل استدعت التنقيب في الثقافة العربية حينا والإسلامية حينا آخر.إذ لم تخل ثقافته من تأثيرات الشعوب الإسلامية من غير العرب ،تلك التي تناول نحلها وفرقها، بل تجاوزتهما في بعض الأحيان إلى المصادر اليونانية ليقارن بين شخصيتي أبى العلاء وفيلسوف السعادة اليوناني أبيقور، كما تجاوزت تلك البقعة الجغرافية الضيقة الممتدة ما بين حلب وحماة إلى البساط الإسلامي المتسع في القرن الرابع الهجري.

سجن أبى العلاء

 ووفقا لهذه المنهجية عًرف طه حسين الجمهور العربي للمرة الأولى بشيخ المعرة وفيلسوفها كما لم يعرفونه من قبل وأثار لغطا كبيرا بدراسته إذ اعتبروه يُحيي ذكرى شخصية مارقة حري بها أن تدفن ويدفن معها نتاجها، لكن طه حسين كان قد سقط في شراك الشخصية التي استهوته بما تعكسه من موقف رافض ومعاند للأوضاع الحياتية من حولها، ومن ثم لن يبخل عليها بمزيد من وقته في سبيل إخراجها من مرقدها، وبعثها في مجتمع القرن العشرين، ولم يتوان طه حسين عن أن يقدم شخصية أبى العلاء من جديد من خلال قراءته للزومياته تلك التي عنونها بعنوان بالغ الدلالة (مع أبى العلاء في سجنه) فأي سجن؟

إنه سجن العمى وفقدان القدرة على البصر والإطلاع على مظاهر الحياة وأشكال الناس والطبيعة. كان أبو العلاء يعبر عن ذلك الحرمان في غضب الناقم المتحسر، بينما حاول حسين أن يحقق الرضا لنفسه بقليل معرفة ينالها من خلال الغير، ولنقرأ ذلك الحوار المتخيل الذي دار بين طه حسين وأبى العلاء في مقدمة كتابه أثناء رحلته إلى مدينة نابولي، وهو حوار يبرز كيف كان صوت أبي العلاء هو الأصدق تعبيرا عما يعتمل في صدر حسين من غضب ونقمة على الحياة، وتحسر على فقدان نعمة البصر رغم ما حاول إظهاره طيلة الوقت من رضا مكتفيا بالغير حين عجزت الذات.

يقول طه حسين: «كانت زوجتي وابناي وصاحبي ينظرون إلى البحر والسماء، وإلى الجزر والربى، وإلى هذه المناظر الكثيرة المختلفة التي كانت تُحدث لهم متعة، وتُطلق ألسنتهم بالإعجاب، وتُبهر نفوسهم وتَسحر قلوبهم، كٌنت أحس هذه الطبيعة التي لم أرها ولم أتصورها، ولا أعرف لها كنها تدنو مني قليلا قليلا، ثم تنفذ إلى نفسي، ثم تملأ قلبي رضا وأملا، وحبا للحياة، وبينما كانوا يتحدثون عما كانوا يرون، ويتواصفون بما كانوا يشهدون. كنت أنا أدير في نفسي حوارا بينى وبين أبى العلاء، موضوعه الرضا عن الحياة، والسخط عليها، والابتسام لها، والضيق بها، وكنت أحدث أبا العلاء بأن تشاؤمه لا مصدر له في حقيقته إلا العجز عن ذوق الحياة، والقصور عن الشعور بما يمكن أن يكون فيها من جمال وبهجة، ومن نعيم ولذة، وكان أبو العلاء يقول لي : فإنك ترضى عما لا تعرف، وتعجب بما لا ترى. وكنت أقول له: إن لم أعرف كل شىء فقد عرفت بعض الأشياء، وإن لم أر الطبيعة فقد أحسستها، وكان أبو العلاء يقول لى: تبيًن إن استطعت حقيقة ما تعرف، فسترى معرفتك مشوهة، ولائم -إن استطعت – بين ما تحس من الطبيعة، وما يرى الناس منها، فلن تجد إلى هذه الملائمة سبيلا».

صوت الضمير

كان أبو العلاء المعري يمثل لطه حسين في حقيقة الأمر صوت الضمير المكبوت، والذات الناقمة على قدرها ونصيبها، وآفة العمى التي حاصرته طيلة حياتها، فهو يتكلم من خلاله دون تزيد، ويستنطقه دون تكلف، فالتقارب في السمات الشخصية والمزاجية والتجارب الحياتية للشخصيتين، كان كفيلا بأن يجعل من أبى العلاء صوتا لطه حسين المكبوت والمقيد بالرضا، وهو ما كان جليا في مؤلفه الثالث عن أبى العلاء (صوت أبي العلاء)، حين قرر أن يترجم لزوميات المعري من لغتها التي ارتفعت معانيها عن أكثر الناس، فلم يكتف برسالته (ذكرى أبو العلاء)، ولا (مع أبي العلاء في سجنه) معتبرها عرًفت أبا العلاء إلى خاصة الناس. بينما سيعرفه (صوت أبى العلاء) الذي قدم فيه ترجمه نثرية بديعة لا تقل جمالا عن النص الشعري الأصلي للزوميات المعري، تاركا للقارىء حرية الاختيار ما بين الصوت وصداه، وإن لم يبادره شك في أن الناس سيجدون صوت أبي العلاء أعذب في نفوسهم وأحب إلى قلوبهم من صداه.

   

الوسوم

بلال مؤمن

كاتب و محرر مصري

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق