فن

السطو الصهيوني على الموسيقى العربية

الحركة الصهيونية هل هى حركة إحتلال عسكري إستيطاني يتسم بجرائمه الوحشية وفقط؟ أم هى حركة تتضمن – إضافة لذلك -إلتفافاً حول ثقافات الشعوب العربية في محاولة للسطو عليها بشكل لا يقل خطورة في تأثيره عن مذابحها وجرائمها العسكرية الإستيطانية؟..

المتتبع للحركة الصهيوينة منذ نشأتها الأولى سيكتشف أن تلك الحركة قامت على سلب الشعوب العربية ليس فقط  الأرض، وإنما أيضا سلب التراث الثقافي والفني لتلك الشعوب.

الناقد والمؤرخ الموسيقي الراحل الأستاذ فرج العنتري في كتابه «السطو الصهيوني على الموسيقى العربية» الصادر عن دار الكلمة عام 1997 أطلق بكتابه صرخة تحذير مدوية طالب فيها بضرورة الرد على كل تلك الإدعاءات التي يرددها مناصرو  الحركة الصهيونية حول إنتساب عدد من الأعمال الفنية والتراثية العربية إليهم بوصفها منتجاً إبداعيا خاصا بهم.  

المؤرخ الموسيقي الراحل فرج العنتري وكتابه «السطو الصهيوني على الموسيقى العربية»

السطو من برلين إلى القاهرة

يصحب العنتري قارىء كتابه بلغة سلسة في رحلة تمتد لما يقرب من سبعين عاما من السطو الصهيوني المنظم على التراث الثقافي والفني العربي. تبدأ تلك الرحلة من برلين عام 1930 قبل نحو ثمانية عشر عاما من الإعلان عن إقامة الكيان الإسرائيلي المحتل عام 1948، حيث خطط عددا من كوادر الحركة الصهيوينة، لعقد مؤتمر دولي يهدف إلى العمل على جمع مختلف أنواع المأثورات التراثية الخاصة بمختلف البلدان العربية تمهيدا لتهريبها لتصبح النواة الأولى لقسم موسيقى الشرق الأوسط بالجامعة العبرية بالقدس، ومن ثم الإفادة من ذلك التراث فيما بعد.

حرص مخططو هذا المؤتمر على عقد مؤتمرهم بالقاهرة في ظل حكومة إسماعيل صدقي باشا، الذي وصفه العنتري بكونه «مزراحي الهوى» ذلك أنه كان شريكا فى عدد من الشركات التي يملكها اليهود في مصر، وبرعاية من الملك فؤاد شخصيا الذي أصدر أمرا ملكيا يحمل رقم 10 لسنة 1932 بعقد ذلك المؤتمر، الذي تم فيه دعوة العديد من الوفود الأجنبية من ألمانيا، وفرنسا، أسبانيا، إيطاليا،وبريطانيا العظمى،النمسا، تشيكوسلوفاكيا والمجر، إلى جانب الوفود العربية من سوريا، لبنان، العراق، الجزائر، تونس، مراكش، وتركيا.

التراث المنهوب

أولى العنتري في كتابه إهتماما خاصا بتعريف قرائه بأبرز المشاركين بأعمال «مؤتمر السطو» ومن بينهم «روبرت لاخمان» (1892 -1939) الذي يعد أحد أبرز كوادر الحركة الصهيونية وهو ينتمي لأصول ألمانية، وقدعمل كأستاذ جامعي بجامعة برلين، وقام بالعديد من الزيارات الميدانية لتونس دارسا ومسجلا لموسيقى طوائف البدو والفلاحين والجالية اليهودية وأجرى دراسته للدكتوراه حول «موسيقى المدينة في تونس»، إضافة لتجواله المتكرر داخل مصر بهدف جمع التراث الثقافي المصري، وعقب فصله من عمله عام 1933 إرتحل إلى مدينة القدس حاملا معه حصيلة كبرى جمعها من مكتبة برلين ومن كل تسجيلات مؤتمر الموسيقى العربية الذي عقد بالقاهرة عام 1932، والتي بلغ تقديرها الإحصائي نحو خمسمائة نموذج عن بلاد الشمال الإفريقي، وألّف نموذجا عن مختلف ألوان الموسيقى العربية التقليدية لسوريا والعراق ومصر، إضافة لموسيقى بعض كنائس الشرق.

يشير العنتري إلى أن «لاخمان» خلال جولاته بمصر حرص على توثيق العديد من المأثورات والطقوس الشعبية المصرية من معزوفات وإنشاد وحلقات ذكر صوفي لطائفة المولوية بمقر التكية الخاصة بهم بحي الخليفة، وحلقات إنشاد للطريقة الليثية بالقاهرة، كما قام بتوثيق عدد من جلسات «دقات الزار» المصري والسوداني، إلى جانب عدد من جلسات الإنشاد الكنسي بالكرازة المرقسية والكنيسة المعلقة بمصر القديمة، إضافة للعديد من الأغاني الشعبية لعدد من المغنيين الشعبيين أمثال: «محمد أفندي العربي – الست أنوسة المصرية – جوقة الحاج طه أبو مندور» وغيرهم الكثير، كما حرص «لخمان» بصفة خاصة على توثيق ألحان الشيخ سيد درويش بأداء عدد من المطربين المصريين وفرقة الموسيقى العربية، إضافة للعديد من أغاني ومقطوعات الشيخ درويش الحريري.

بكل هذه الحصيلة الثرية تم تأسيس قسم موسيقى الشرق الأوسط بالجامعة العبرية بالقدس عام 1935 الذي تولى «لاخمان» رئاسته حتى وفاته عام 1939.. صار هذا القسم بمثابة النواة الأولى لدراسة الموسيقى العربية لدي الإسرائيليين ومن ثم إستيعاب المزاج الفني الموسيقي العربي إضافة للسطو عليه وإدعاء إنتساب بعضا منه إليهم لاحقا.

مؤتمر الموسيقى العربية الأول القاهرة 1932

سيناء الأرض والتراث

احتلال أرض سيناء عام 1967 لم يكن كافيا بالنسبة إلى الإسرائيليين ،فإضافة لإحتلال الأرض حرصوا على السطو على التراث الشعبي الخاص بها، وهنا يروي العنتري عن تلك الوقائع ،مشيرا إلى أن عام 1968 شهد عمليات موسعة من قبل الصهاينة تهدف لجمع مأثورات الموسيقى البدوية، وذلك تحت إشراف «عامنون شيلواح»، وهو من مواليد الأرجنتين الذي حرص على توثيق الأغاني والأشعار والرقصات الشعبية البدوية على إختلافها، ومن أمثلتها أغنية استسقاء القطعان والإبل وأغنيات تخصيب النخيل، وأغاني حداء الإبل، إلى جانب أغاني إحتفالات المناسبات من أعراس ورحلات الحج والختان، هذا إلى جانب مختلف الأشعار ورقص «الدَحية» و«المربوع» و«الرادي» وهى رقصات يوجد شبيه لها في اليمن، وفي أغلب أنحاء شبه الجزيرة العربية.

لم يكتف الإسرائيليون بجمع التراث السيناوي وفقط، وإنما حرصوا إلى جانب ذلك  على تعمد تشويه هذا التراث في محاولة منهم للإيحاء بإنتسابه إليهم، حيث عمدوا إلى محاولة إدخال عملتهم «الشيكل» كحلي تستخدم لتزيين «البراقع» السيناوية، إضافة إلى دعوة أهالي سيناء إلى إستخدام «نجمة داود السداسية» كوشم يتزينون به.

داود حسني.. وليلى مراد

«قولوا لعين الشمس ما تحماشي.. لاحسن غزال البر صابح ماشي» تلك الأنشودة الشعبية التي تغنى بها الشعب المصري حزنا على إعدام «الورداني» في مايو 1910 لإتهامه بإغتيال بطرس باشا غالي، والتي استلهم لحنها بليغ حمدي عند صوغه للحن الأغنية الشهيرة التي تغنت بها المطربة شادية، أدعى الإسرائيليون عبر إذاعتهم أن هذا اللحن من إبداعهم الخاص، إضافة لإدعائهم بأن داود حسني ينتمي إليهم ويدعى «دافيد حاييم ليفي» ومن ثم فإن مجمل إبداعه الفني يعود إليهم.

الفنانة ليلى مراد ولأنها كانت يهودية قبل أن تشهر إسلامها، لم تسلم من العديد من المحاولات لدعوتها لزيارة إسرائيل، غير أنها كانت دائما ترد قائلة: «أنا مصرية مسلمة وسأموت كذلك» حتى أن الرئيس الإسرائيلي الأسبق «شيمون بيريز» حين كان وزيرا للخارجية حرص على دعوتها لشغل منصب «سفير فوق العادة» مع ضمان كافة الإمتيازات التي ترغب بها، إلا أن ردها كان دائما وأبدا «أنا مصرية مسلمة وسأموت كذلك».

حين رحلت  ليلى مراد حرص التليفزيون الإسرائيلي على عرض فيلم وثائقي عنها يزعم الصهاينة فيه أنه من إنتاج مصري، وهو ليس كذلك بالمرة، يتضمن الفيلم دعوى أنها قد اضطرت إلى إعلان إسلامها لظروف سياسية إجتماعية، وبأنها توفيت وهى تؤمن بعائلتها اليهودية، وذلك حتى ينال الإسرائيليون شرف إنتسابها إليهم.

يواصل العنتري رحلته في كتابه «السطو الصهيوني على الموسيقى العربية» راصدا للعديد من محاولات التطبيع والسطو الموسيقى من قبل الإسرائيليين.. ويعرض للكثير من محاولات السطو الصهيونية على الإبداع الموسيقى العربى كاشفا  بالادلة وبالمنطق عن زيف الإدعاءات الصهيونية وبهتانها

يذكر أن الناقد والمؤرخ الراحل فرج العنتري من مواليد 27 أغسطس عام 1930 بقرية ميت حبيب مركز سمنود محافظة الغربية، حصل على دبلوم المعهد العالي للموسيقى المسرحية شعبة الأوركسترا عام 1952، كما حصل على ليسانس الآداب قسم الفلسفة جامعة عين شمس عام 1956، ودبلوم مناهج ووسائل التذوق الفني ودبلوم مناهج ووسائل التذوق الفني «شعبة الموسيقي» من جامعة موشى بيجاد، زغرب، بيوغوسلافيا 1962.

وقد شغل العنتري العديد من المناصب المتعلقة بعالم الموسيقى، كما كان له العديد من الكتابات التي تناولت قضايا البحث المتعلقة بجذور الموسيقي العربية والشعبية والمسرح الغنائي وغيرها الكثير من الموضوعات المتعلقة بالتذوق الموسيقي.

رحل الناقد والمؤرخ الموسيقي العظيم فرج العنتري في 28 فبراير عام 2012 بعد رحلة طويلة قضاها مدافعا عن الإبداع العربي ضد السطو الصهيوني، وناقدا لكل محاولات تشويه تراثنا العربي ،ومعارضا لكل محاولات التطبيع الثقافي الفني مع الكيان الصهيوني.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: