ثقافة

فى ذكرى ميلاده الثلاثين بعد المائة: مبدعون مصريون وعرب يحتفون بعميد الأدب العربى (2-2)

ما زال صاحب الأيام ومنجزه الفكرى والأدبى والثقافى الكبير والعميق، جديرين بالطرح والمناقشة، وما زالت القضايا التى فجّرها العميد حاضرة تبعث على التفكير والنقاش والجدل، ومازالت مسألة استثمارإسهامات طه حسين التنويرية العظيمة فى الفكر العربى ضرورة حتمية.. هنا مع احتفائنا بالذكرى الثلاثين بعد المائة لميلاد عميد الأدب العربى نواصل استطلاع شهادات أدبائنا ومبدعينا المصريين والعرب فى جزئها الثانى والأخير حول طه حسين ومنجزه الباقى والممتد.

عقل تنويري

تحت عنوان «طه حسين.. التذكَّرُ واندثارُ الأثر» جاءت شهادة الشاعر والصحفى إبراهيم المصرى التى استثمرها ليشيرإلى واقعنا الثقافي الراهن وما آل اليه.

 يقول  إبراهيم المصري: إن التفكير في طه حسين، في ذكرى مولده أو في ذكرى وفاته، لا يؤدي في الغالب إلَّا إلى تكرار ما نعرفه جميعاً عن عقل تنويري، خاض معارك كمعركة كتابه «الشعر الجاهلي» وعن عقل موسوعي ناقد يرى في قيم العلم والمعرفة والتعليم أساساً للنهضة والتقدم.

الشاعر والصحفي «إبراهيم المصري»

 ويضيف المصري: «ولكن مهما تحدثنا عن طه حسين وتذكرناه «كأسطورة» فإن ذلك كله لا يؤدي إلى أية نتيجة في دولة ومجتمع وتعليم، يعملون جميعاً ضد كل ما دعا إليه طه حسين وأفنى عمره من أجله. ويرى المصري أنه وفي حال كحالنا هذه يُؤتى بطه حسين أو بغيره من رموز ما عُرف بعصر النهضة من أجل «الحنين أو التفاخر..» فجميع ما يمثله طه حسين قد تبخر، ولا إسناد له في الواقع بأي شكل من الأشكال حتى في التعليم والبحث الجامعي.

وعلى جانبٍ آخر،- يقول المصري -: «لا يُؤخذ طه حسين ولا غيره من رموز النهضة الحديثة بجدية نقدية، تمحِّص ميراثهم الفكري والإبداعي كله، وإذ طه حسين «عميد الأدب العربي» وأحمد شوقي «أمير الشعراء» ولطفي السيد «رائد الليبرالية» ومحمد عبد الوهاب «موسيقار الأجيال» فما الذي يمكن قوله أمام الألقاب التصنيمية هذه، وهي كانت ولا تزال تحتل الواجهة كالزعيم الخالد والرئيس المؤمن، بما يمنع الفكر من التقدم في «حقول الرهبة» المفروضة علينا تعليماً وإعلاماً وثقافة، بما يمحو أي أثر في الحاضر والمستقبل لأفكار وقيم وإبداع طه حسين.

اقرأ أيضا:

أعجوبة كل القرون

  الروائي ناصر عراق يعتقد – بكثير من اليقين – أن طه حسين هو أهم مثقف مصري وعربي في الألف عام الأخيرة. ويقول: «عندي مجموعة أسباب تمنحه هذه المكانة المرموقة، أولها وأهمها قدرته المدهشة على نسف الجمود الفكري الذي أمسك بخناق الأمة العربية طوال ألف عام أو يزيد، وذلك منذ أن أصدر كتابه القنبلة (في الشعر الجاهلي) عام 1926، الذي اعتمد فيه على نظرية الشك في تراثنا، مهما كانت قداسته، وأخضعه للبحث والتمحيص، فإذا اطمأن له العقل الحديث كان بها، وإذا خاصم هذا التراث عقولنا أطحنا به وتجاوزناه، وبذلك أعاد طه حسين للعقل المصري والعربي استقلاله ورونقه وكبرياءه.

الروائي «ناصر عاق»

ويضيف عراق: قد ينافس ابن خلدون (1332/ 1406م) طه حسين في تصدر قائمة العباقرة من رجال الثقافة العرب في الألفية الثانية، لكن طه حسين أضاف إلى ما أنجزه في زلزلة الفكر الجامد أمرًا بالغ الأهمية، وهو استخدام سلطاته بوصفه وزيرًا للمعارف في حكومة الوفد عام 1950 لينحاز إلى حق الناس في الحصول على المعارف بلا مال، فيقرر مجانية التعليم الإعدادي والثانوي على مئات الآلاف من أبناء مصر، الأمر الذي قفز بالشعب المصري قفزة كبرى إلى الأمام من حيث احترام العلم وتوفيره للناس كالماء والهواء بتعبير عميد الأدب العربي نفسه.

ويبقى دور طه حسين  البارز في تطوير النثر العربي، – والكلام لايزال لناصر عراق-، فالنثر قبل طه حسين كان يتكئ على منطق البلاغة القديمة التي تعود إلى أزمنة الانحطاط اللغوي أيام المماليك والعثمانيين، تلك البلاغة البائسة التي تحتفل بالسجع والإسهاب والحشو ولا تحترم الفكرة ولا المنطق، فقاد الأستاذ العميد ثورة على هذا النثر الممجوج، وقدم لنا في كتبه الكثيرة قطعًا فنية بالغة الرشاقة من النثر الجميل المتعانق مع الأفكار الثورية.

ويختم ناصر عراق شهادته وإذا كانت الصحافة التونسية قد قالت حين زراهم العميد عام 1957 (إن طه حسين أعجوبة القرن العشرين)، فيمكنني القول بثقة: إن طه حسين أعجوبة كل القرون.

نقطة فاصلة

 أما الشاعر والقاص أسامة جاد فيصف طه حسين بأنه « أهم تحول نقدي في العالم العربي شهده القرن العشرون، هو نقطة فاصلة حقيقية بين توجهين نقديين، أحدهما كأن سائدا قبله، والثاني كان هو رائده بامتياز. وفيما كان التوجه الأول مفرطا في تقليديته، يُخضع الأعمال الفنية إلى هوى الناقد وتخريجاته، أو يخضع هو والناقد إلى آراء الأقدمين دون مراجعة ودون عناية بتغير زمن النصوص الفنية وظرفيات إبداعها عن أعمال القدماء، كان عميد الأدب العربي أكثر علمية وأكثر منهجية في طروحاته، وكان لارتكازه على مبدأ الشك الدور الأكبر في مراجعات غاية في الأهمية لتراثنا النقدي والأدبي على امتداد تاريخه.

الشاعر «أسامة جاد»

يؤكد صاحب ديوان «صباح مناسب للقتل»: كان منهج العميد، -على ما واجهه من اتهامات ومن طعون – فتحا عربيا في ذاته، أسس لعلم مناهج النقد وقفزاته الهائلة وصولا إلى النقد الثقافي وعلم تحليل الخطاب..وبغض النظر عن اتهام طه حسين بالتأثر، أو حتى بالنقل، عن مرجليوث، أو بانبهاره الشديد بالثقافة اليونانية على التعيين، فإنني لا أرى ذلك قدحا في المنهج، تأسيسا على أهمية التفاعل مع كل منجزات الإنسانية في الشأن المعرفي.

 ويعتبر جاد أنه لو لم يكن طه حسين لما انفتح الباب أمام أعلام معاصرة في النقد العربي من بينهم حسن حنفي ونصر حامد أبو زيد وعز الدين إسماعيل ويمنى العيد وهدى وصفي وجابر عصفور وصولا إلى نقادنا ومبدعينا الشباب.

 ويشير الشاعر والكاتب محمود خير الله إلى أنه لا يمكن اختصار تأثير مفكر كبير بحجم طه حسين في مجال واحد، أو في نطاق ضيق، فالحق أن الرجل الذي يجب أن تحتفل مصر بذكرى ميلاده الـ130، احتفالاً محترماً ولائقاً باسمه ومنجزه ومحبته للعقل وللإنسان، استطاع أن يبذر ثماره العقلية الناضجة في كثير من فروع العلم والمعرفة والأدب والنقد.

الشاعر «محمود خير الله»

  ويرى خير الله أن أكثر ما يمكن أن نفيده من عقل هذا الرجل، هو انجازه التاريخي في إعادة قراءة الأدب والشعر الجاهليين، في كتابه الأشهر «في الشعرالجاهلي»، وهو الكتاب الذي حوكم بسببه عام 1926، باعتباره ينسف كل ما يُروى عن أيام العرب وحروبها وخصوماتها، وما يتصل بذلك من الشعر المنسوب إلى الأقدمين نسفاً صريحاً.

ويضيف أن ما يمكن أن نتعلمه من طه حسين، أنه استطاع أن يمشي حرفياً عكس التيار السائد في الدراسات النقدية المتعلقة بالأدب الجاهلي، وفي كتب البلاغة القديمة، معتمداً على مدارس النقد الحديثة، حيث اعتبر نصوص الشعر الجاهلي ذات السمة المتسامحة والطبيعة الهادئة لا تمثل الشعر العربي قبل الإسلام، وحين أعمل عقله اكتشف أن مُعلقة «طرفة بن العبد» التي تحتفي بالخمر بالذات، وتمتدح نموذج الفتى العربي الشجاع ذي النسب العريق في الجاهلية، هي الدليل على أن بعض الشعر الجاهلي صحيح.

اقرأ أيضا:

أيقونة في الظلام

وتقول الشاعرة التونسية آسيا شارني إنه عند الحديث عن العظماء فلا يمكننا تجاهل الخوض في مسيرة إبداعية جمعت بين التأليف والتّرجمة والنّقد وواجهت مجتمعا محافظا رافضا حلحلة الموروث الثقافي القديم. كيف لا يمكننا الإعتداد بمن هزم الظّلام طيلة حياته لينتصر للنّور الجوانيّ الفكري، ولم تكن عاهته إلا قنديل معرفة عظيمة وجرأة بارزة، إذ رمت بحجر الشكّ في بحر الشّعر الجاهلي فحصدت كبرى مُؤلَّفاته النّصيبَ الأكبر من الهجوم الّذي وصل إلى حدِّ رفع الدّعاوى القضائية.

 وتضيف آسيا: ربما لا تسمح لنا جغرافية الورق بالإتيان على دقائق تجربة د. طه حسين، لكنها ستكون إطلالة خاطفة تعرّج على بعض المحطّات التي أرغب في تسليط الضوء عليها والّتي اعتبرها ساهمت في تشكيل وعي جديد ببعض الأجناس الأدبية المستحدثة إذ نجده خاض تجربة الكتابة الثنائية مع توفيق الحكيم في الرواية المسرحية «القصر المسحور» وهي تجربة مستحدثة تتطلب شريكا شرسا إبداعيا ومتماهيا أسلوبيا وفكريا وقادرا على فرض التوازن الإبداعي لنجاح التجربة التي أعتَبِرها من أصعب التجارب وأقلها كتابة في تاريخ الرواية العربية.

الشاعرة التونسية «اسيا شارني»

لم يكن طه حسين – في رأي آسيا شارني – مبدعا محايدا، بل كان الثائر الباحث عن التموقع في الساحة الإبداعية المصرية والعربية ولقد استمعت الى تسجيل لمحاضرة قدمها في تونس سنة 1957 تحت عنوان «رحلة فنية» مبينا ان صاحب الرحلة هو الفن العربي ولعل هذا العنوان يختزل تجربة كان فيها طه حسين أبا الإنشاء.

ونختم ملف شهادات مبدعينا بشهادة الشاعر والكاتب الصحفي محمد الشحات الذى يقول إن طه حسين أحدث تأثيرًا إيجابيًا بالغ العمق والأهمية فى تطور الفكر العربي الحديث، بما فيه تأثيره في المنظور الاجتماعي للدراسات الأدبية، والفكرية، والدعوة الى اتباع العلم الحديث بعد معايشته واحتكاكه بالحضارة الاوربية الحديثة، وما لمسه من مظاهر للتقدم والرقى والنهضة التى أوصلتهم من خلال استخدام طرق التفكير العلمى السليم الى تلك النهضة وذلك التقدم.

الكاتب الصحفي «محمد الشحات»

 كما أن  طه حسين – يضيف الشحات – أكد خلال تجربته على ضرورة رفع الغطاء الكامن على العقل.. هذا الغطاء الذى عانى منه المصريون و العرب، وكان هذا الاتجاه أحد الاسباب المباشرة، لصدامه الدائم والمتكرر مع أصحاب التفكير الجامد.

 ونتذكر هنا ما قاله العميد ذات يوم: «فلنبتهل إلى الله في أن يبرئنا من علة الكلام الكثير، فلعلنا إن برئنا من هذه العلة أن نجد العزاء عن آلامنا وكوارثنا، في العمل الذي يزيل الآلام، ويمحو الكوارث، ويجلي الغمرات»، هذه احدى مقولاته وليتنا نتمكن من اعادة قراءة ما تركه طه حسين قراءة متأنية ومتعمقة، ونحن نحتفل بيوم مولده.. انتهى الكلام، ولا ينتهى أبدا حضور طه حسين الكبير فى حياتنا الفكرية والمعرفية.. حيا وميتا.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق