دار الكتب

طه حسين المجدد .. بعيون  جابر عصفور

«خطبة الشيخ» واحدة من روايات عميد الآدب العربي طه حسين التي يمكن أن يُنظر إليها بوصفها رواية غير مكتملة، مثلها في ذلك مثل رواية «ما وراء النهر» التي قام بنشرها الراحل أحمد حسن الزيات – زوج أبنته- بعد وفاته. وقد تم جمع ونشر هذه الرواية عام 2017، حين شرعت «دار الكتب والوثائق القومية» في العمل على إعادة نشر مجلدات «مجلة السفور»

خطبة الشيخ .. رواية ملتبسة

 خلال تقديمه لها يصف الدكتور جابر عصفور أستاذ الأدب العربي بكلية الآداب جامعة القاهرة رواية «خطبة الشيخ» بأنها رواية ملتبسة يمكن قراءتها على أنها مكتملة ومكتفية بذاتها، لتحقيق أهداف طه حسين من وراء كتابتها. كما يمكن قراءتها كرواية غير مكتملة، وما نُشر منها لا يعد سوى مقدمة لما يتوقع أن تنتهي به الأحداث في الرواية.

 الدكتور جابر عصفور أستاذ الأدب العربي بكلية الآداب جامعة القاهرة

هذه الرواية نُشرت بمجلة «السفور» عام 1916، وتجري أحداثها 1913، وهي عبارة عن مجموعة من الرسائل المتبادلة بين أبطال الرواية، وهذه طريقة روائية كانت مستخدمة في الآداب الأوربية في ذلك الوقت، ولم تكن شيئا جديدا أو غريبا على تقنيات الرواية العالمية، لكنها بالطبع كانت غريبة على الرواية العربية التي لم تكن تعرف بعد تقنية كتابة الرواية في صورة عدة رسائل.

 

تدور الرسائل بين خمس شخصيات: «إحسان» بطلة الرواية وصديقتها «أسماء» والشيخ «علام الجيزاوي» الذي يتقدم لخطبة «إحسان» والشيخ «زهران فتح الباب» صديق الخطيب، والأب «سيد رحمي» والد إحسان.

غير أن بناء الرواية يستند بشكل رئيسي على أربع شخصيات فقط مقسمة تقسيما دالا بين الذكورة والأنوثة، صديقتين وصديقين، ولا يخلو الأمر من المفارقة التي تمايز بين شخصية الصديقتين، فإحسان التي كانت تعمل كمُعلمة مثلها مثل صديقتها أسماء تختلف عن صديقتها بشكل جذري، حيث ترى إحسان مستقبلها على نحو ينتهي بالزواج وتربية الأبناء، وهى تعلم أن هذا الزواج سيحرمها من عملها كمُعلمة، حيث كانت وزارة المعارف بذلك الوقت تحرم على المُعلمات الزواج وتطالبهن بتقديم الإستقالة من عملهن قبل أن يشرعن في الزواج.

فهل يمكن إعتبار رواية «خطبة الشيخ» بمثابة محاولة أولية لطرح ذلك القانون الجائر الذي كان يحرم المُعلمات من الجمع بين العمل والزواج في آن واحد؟.. ربما.. فالرواية لم تستفض في طرح تلك المشكلة، وإن كانت قد نوهت عنها، مع الأخذ في الإعتبار – كما سبقت الإشارة – أن الرواية على نحو ما تعد رواية غير مكتملة.

وفي تعليقه على هذه النقطة أشار جابر عصفور في التقديم للرواية، إلى أنه تم الغاء هذا القانون بعد نشر الرواية بثلاث سنوات، حيث الغت وزارة المعارف ذلك القانون الجائر، ومن ثم ردت للمُعلمة حقها الطبيعي في الجمع بين العمل والزواج، في أعقاب ثورة 1919، التي جاءت مصحوبة بسياق تاريخي منفتح.

نعود للرواية لنجد صديقة البطلة «أسماء» تحمل أفكارا معادية لمؤسسة الزواج، حيث ترى الزواج مؤسسة تهدر حقوق المرأة وتحد من إختيارتها في الحياة، لذا فقد أتخذت أسماء قراراً بتكريس حياتها للتعليم والتعلم، مستبدلة طريق الزواج بطريق العلم.

أما الخطيب الشيخ «علام الجيزاوي» فهو شاب أزهري يبلغ الثامنة والعشرين من العمر، إنتهازي إلى أبعد حد، لذا فقد بحث عن أسرة ثرية لخطبة أبنتها، طمعا في المال، وليس بحثا عن حبيبة وشريكة للحياة، وهو يكتب مصرحا باطماعه تلك، دون خجل، لصديقه الذي كان يقاسمه حياة الفقر خلال دراسته بالأزهر.

الرسائل في مجملها عبارة عن مناظرة بين إحسان وصديقتها أسماء من جانب، وبين الشيخ علام الخطيب وصديقه من جانب آخر، وعلى هذا النحو يمكن التنؤ بفشل تلك الخطبة التي تبارى فيها الشيخ علام في إستخدام العديد من الحيل، غير أن تلك الحيل لا تنطلي على إحسان، تلك الفتاة التي نالت قسطا جيدا من التعليم، إضافة إلى وجود صديقتها كسند لها، تلك الصديقة الذكية التي تطرح في رسائلها العديد من التساؤلات التي تنير طريق بطلة الرواية.

رسائل كامنة

لا يكتفي جابر عصفور في تقديمه لهذه الرواية المنسية، بتحليل الخطاب الظاهر من نصوص مجموعة الرسائل المتبادلة بين أبطال العمل، بل يتجاوزه إلى الدلالات المخفية التي تحملها الرواية. حيث يرى عصفور أن هذه الرواية تحمل الكثير من التورية، حيث تنطوي الرسائل المتداولة بين الأبطال على السخرية من بعض مشايخ الأزهر، ومن ثم التهكم عليهم وإظهار مثالبهم. ويصل عصفور في تحليله هذا إلى تفسير ما تعرض له طه حسين من طرد من الأزهر على يد كبار مشايخه آنذاك على نحو غير عادل لإختلافهم معه أو لإختلافه عنهم.

أما عن تناوله للرواية من الناحية الفنية، فيرى الدكتور عصفور أن الرواية وعلى الرغم من قيامها على خمس شخصيات، إلا أنه يتعذر رؤية وجود مستقل للشخصيات أو حضور متعدد الأصوات، هو ما يعيبه عصفور على العمل الروائي، حيث أن خطاب كل شخصية لا يختلف عن غيره من الشخصيات في المستويات الأسلوبية أو اللغوية بوجه عام، مما يدل على أن طه حسين لم يتمكن من تقمص شخصياته، ومن ثم التحدث عنها من الداخل، أو أن يجعلها تنطق على نحو مستقل ذاتي في كل حالة.

غير أن أبرز ما ميز أسلوب طه حسين في هذه الرواية – كما يرى عصفور – تمثل في براعته في محاكاة خطب مشايخ الأزهر التي تأتي ممهورة بالحرص على السجع وبلاغة التضمين والإشارة القرآنية.. وهو ما لا يخفي التهكم اللغوي الخفي من قبل طه حسين على أسلوب الأزهريين التقليدي في تعاملهم مع اللغة.

الأمر المثير في الرواية تمثل في رأى صديق الشيخ علام في تعليم المرأة الذي عبر عنه قائلا “ولعمري إن المرأة الجاهلة لأسلم عاقبة من المرأة المتعلمة تعليما حديثاً”، وهذا لم يكن رأيا فرديا يمثله أحد أبطال الرواية، وإنما ذلك الرأى كان هو الرأى السائد لدى عدد كبير من المشايخ في ذلك الوقت، وهذا ربما ما دعا طه حسين لكتابة روايته للرد فيها على أصحاب هذا الرأى الذي يرى في تعليم المرأة وبالا كبيرا على المجتمع!.. فقد استعان طه حسين بشخصيات روايته تلك ليطلق على ألسنتها ما لم يستطع أطلاقه من نقد موجه لشيوخ ذلك الزمان الذي كان طه حسين يرى أنهم يعانون من إزدواجية غير يسيره، إضافة للنطق بكل ما هو مسكوت عنه من خطاب يتعلق بتحرير المرأة.

 

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: