رؤى

كيف اختار تنظيم الدولة الإسلامية قائده الجديد؟

*أرون لوند – باحث سياسي في شئون الشرق الأوسط

*ترجمة: أحمد بركات

في نهاية الشهر الماضي، قتل الرجل الأول على لائحة المطلوبين في العالم، لكن خطر «تنظيم الدولة الإسلامية» (داعش) لم ينته بعد. فبعد ثلاثة أيام فقط من مقتل أبي بكر البغدادي، زعيم تنظيم الدولة، أصدر التنظيم بيانا يعلن فيه تنصيب «أبو إبراهيم الهاشمي القرشي خليفة للمسلمين وأميرا للمؤمنين»، وذلك   «عملا بسنة الصحابة الكرام في استعجال تنصيب الإمام».

وعلى غرار سلفه، حظي «القرشي» بلقب «خليفة المسلمين»، أي الحاكم الشرعي على جميع المسلمين، وهو ما سيجده معظم المسلمين في جميع أنحاء العالم – البالغ عددهم 1.8 مليار مسلم – إما مسيئا للغاية أو مثيرا بشدة، لكنه عند أعضاء تنظيم الدولة خلافة جديدة لها ما بعدها.

يبقى السؤال: من هو ذلك الرجل الجديد؟ الإجابة ببساطة هي «لا أحد يعرف». فـ «أبو إبراهيم الهاشمي القرشي» هو مجرد اسم مستعار، والاسمان الأخيران لا ينبئان بشيء سوى نسبه إلى آل بيت النبوة، وانتمائه إلى قبيلة قريش، حيث يرى معظم العلماء المسلمين أن النسب إلى قريش شرط ضروري للخلافة.

ربما يكون أبو إبراهيم عراقيا، لأن معظم القادة البارزين في الجماعة كانوا عراقيين، ولأن البيان يذكر أنه شارك في الجهاد ضد الولايات المتحدة  في الماضي، لكن الأمر يبقى احتمالا لا يرقى إلى اليقين.

في كل الأحوال، يبذل صحفيون ومحللون وخبراء ورجال استخبارات كثيرون حاليا، وفي أماكن مختلفة من العالم، جهودا مضنية في محاولة ’لتركيب‘ هذه التفاصيل الشحيحة على ’صور‘ قادة الدولة الإسلامية المعروفين، والذين يستخدمون في العادة العديد من الأسماء المستعارة. على كل حال، سيُعرف شخص الخليفة الجديد عاجلا أو آجلا، أو ربما يكون قد عُرف بالفعل إذا صدقت – في هذه المرة – تغريدة الرئيس الأمريكي التي أكد فيها: «لقد نصب تنظيم الدولة قائده الجديد، ونحن نعرف مَن هو على وجه اليقين».

 أبو حمزة القرشي

من المثير للاهتمام أن البيان الذي قرأه المتحدث باسم تنظيم الدولة الإسلامية، أبو حمزة القرشي، يعطي إشارات عميقة حول كيفية تنصيب «أبو إبراهيم» كخليفة للمسلمين، أو – على أقل تقدير – الصورة التي تريد الجماعة أن تصدرها حول ذلك الحدث. فتنظيم الدولة الإسلامية، كجماعة أصولية يرتكز تصورها العميق لذاتها على فكرة كونها دولة ثيوقراطية( دينية ) يقودها خليفة، يبدو في حاجة ماسة إلى تصدير هذه السابقة التاريخية في صورة منهجية جادة.

يبرز أبو حمزة في بداية بيانه أن خلافة «أبو إبراهيم» قد تمت «عملا بسنة الصحابة الكرام»؛ إذ يحتفظ المسلمون السنة بتبجيل عميق للخلفاء الأربعة الأوائل الراشدين (632 – 661) الذين تباينت أحداث وآليات تنصيبهم. فقد تم اختيار الخليفة الأول، أبو بكر الصديق، فور موت النبي (صلى الله عليه وسلم) في عام 632، في ظل عدم وجود تعليمات واضحة من النبي بشأن خليفته. رغم ذلك، عيًن أبو بكر خليفته، عمر بن الخطاب، أثناء حياته. أما عمر فقد «شكّل لجنة» لاختيار الخليفة الثالث، ووقع الاختيار على عثمان بن عفان. وبعد مقتل عثمان وصل الخليفة الرابع، علي بن أبي طالب، إلى سدة الخلافة وسط صراعات داخلية عبر عملية معقدة تضمنت حشد مؤيدين إلى جانبه.

خضعت هذه الأحداث بطبيعة الحال لبحث ودراسة مستفيضين، كانت تفاصيلها، وما بينها من فروقات دقيقة، موضع جدل عميق بين المسلمين على مدى ما يزيد على 1000 عام من الزمان. لكن ما خلصت إليه هذه الدراسات وذلك الجدل، هو أنه لم يكن ثمة آلية محددة لاختيار الخليفة في بداية التاريخ الإسلامي، وأن الخلفاء الراشدين الأربعة جاءوا إلى السلطة، إما عبر الاختيار أو التعيين المباشر من الخليفة السابق.

مجلس الشورى

يشير بيان 31 أكتوبر الذي قرأه أبو حمزة القرشي إلى أن اختيار «أبو إبراهيم» خليفة على عرش الدولة الإسلامية، قد جاء عبر ما يشبه ’منهجية توليفية‘، لكن القرار – في نهاية المطاف – كان موكولا إلى «مجلس الشورى». يقول أبو حمزة إن مجلس شورى الدولة الإسلامية – وهو أعلى هيئة استشارية وحكمية – قد انعقد “فور التأكد من استشهاد الشيخ أبو بكر البغدادي تقبله الله… حرصا على جماعة المسلمين وانتظام شئونها… ]و[عملا بسنة الصحابة الكرام في استعجال تنصيب الإمام». وبالنظر إلى الأوضاع الأمنية في سوريا والعراق فإن مجرد عقد هذا الاجتماع يعد إنجازا رائعا بذاته، ويزداد هذا الإنجاز توهجا لو ثبت حضور ممثلي الولايات ’النائية‘ التابعة لتنظيم الدولة – سواء من القوقاز (روسيا)، أو أفغانستان، أو غرب إفريقيا – إليه. لكن البيان لم يحدد ما إذا كان اجتماع المجلس قد تم بالمعنى المادي، أو من خلال تبادل الرسائل عبر «مجموعة دردشة».

يمضي بيان أبو حمزة ليعلن أن «شيوخ المجاهدين» (في هذا السياق، تعني هذه العبارة على الأرجح «أعضاء مجلس الشورى» أنفسهم) قد «توافقوا» على بيعة أبو إبراهيم (ربما تشير «توافقوا» إلى «موافقة الأغلبية»، وليس بالضرورة «إجماع الآراء”»).

علاوة على ذلك، يزعم أبو حمزة أن قرار مجلس الشورى قد أُخذ «بعد التشاور مع إخوانهم والعمل بوصية خليفة المسلمين تقبله الله». في الغالب تعني كلمة «إخوانهم» أعضاء تنظيم الدولة من خارج مجلس الشورى، مثل القادة البارزين والعلماء محل الاعتبار داخل التنظيم. أما «خليفة المسلمين» فهو أبو بكر البغدادي.

وصية البغدادي

لا تعني كلمة «وصية» في عبارة «العمل بوصية خليفة المسلمين» بالضرورة أن البغدادي قد خلف رسالة رسمية مكتوبة، وإنما قد يُقصد بها ’رأي‘ أو ’أمر‘، أعطاه البغدادي أثناء حياته.

وقد سلط خبراء في السلفية الجهادية من شاكلة «حسن حسن»  و«سام هيلر»، الضوء على هذه العبارة لأنها تشي بأن التنظيم كانت لديه آلية مسبقة لتنصيب قائده الجديد. لا شك أن الترتيب المسبق لمسار انتقال الخلافة أمر منطقي في جماعة تشهد تحولات مستمرة على مستوى قياداتها العليا، وحيث يرتبط الأعضاء ببعضهم البعض في دوائر العمل التنظيمي عبر بيعات شخصية يقطعونها على أنفسهم تجاه قائدهم الأعلى. رغم ذلك، تبقى هذه العبارة أول إشارة عامة إلى وجود تعليمات خلفها البغدادي.

من ناحية أخرى، لا تخبر كلمة «وصية» بأكثر من أن البغدادي قد  ترك بعد موته صيغة ما من ’التعليمات‘. ربما يعني هذا أنه أمر بشكل مباشر بتولي أبي إبراهيم منصب الخلافة بعد موته، وربما يعني أيضا أنه عبّر عن رأي أو تفضيل شخصي لأبي إبراهيم، دون أن يختاره بالمعنى الحرفي للكلمة، أو أنه ترك قائمة مصغرة بأسماء خلفاء محتملين للاختيار منها، أو أنه وضع آلية لكيفية اختيار الخليفة الجديد دون تسميته.. أو ربما مزيجا مما سبق جميعا.

ليس من الواضح إلى أي مدى يمكن أن يلزم قادة تنظيم الدولة أنفسهم بقرارات البغدادي، التي اتخذها حال حياته، بعد موته، لكن أبا حمزة يقطع بوضوح، بأن الجماعة قد وضعت ’وصيته‘ موضع الاعتبار، وعملت بموجبها. لكنه يحرص بالقدر نفسه على أن يؤكد أن أعضاء مجلس الشورى لم يتخذوا القرار إلا بعد «مشورة إخوانهم».

ما يؤكده ذلك جميعا هو أن القرار كان في نهاية المطاف من اختصاص مجلس الشورى. فقد أخذوا «وصية» البغدادي بعين الاعتبار، وكذلك «مشورة إخوانهم» ليخلصوا من ذلك كله إلى «بيعة الشيخ المجاهم العالم العامل العابد، أبي إبراهيم الهاشمي القرشي – حفظه الله تعالى – أميرا للمؤمنين وخليفة للمسلمين».

رغم ذلك، لا يستند التحليل السابق سوى إلى ’افتراض‘ صدق أبي حمزة فيما رواه عن آليات تنصيب أبي إبراهيم، لذلك تبقى عبارة «إذا …» مهمة، إذ ينبني عليها «جواب شرط» ربما يقلب الطاولة بأكملها رأسا على عقب، وذلك في حال ثبوت عدم صدق هذه الفرضية. بعبارة أخرى، قد تكون هذه الرواية برمتها مجرد محاولة خاض غمارها المتحدث باسم تنظيم الدولة من أجل إضفاء ’غطاء‘ شرعي ديني على عملية تشوبها الفوضى والفساد، أو لإخفاء عملية اغتصاب للسلطة من شأنها أن تؤدي إلى وقوع انقسامات داخلية يتحاشاها قادة التنظيم.

حتى الآن، ليس لدينا ما يكفي من المعرفة لتحليل الوقائع – المهمة بلا شك – بما يناسبها من دقة وعمق، وربما يكون هذا هو أبعد ما أمكننا التوصل إليه في ظل الغموض المعلوماتي حول ما يجري على طاولة أعمال تنظيم الدولة الإسلامية.   

*هذه المادة مترجمة. يمكن مطالعة النص الأصلي باللغة الإنجليزية من هنا 👉

الوسوم

أحمد بركات

باحث و مترجم مصرى

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق