مدونة أصوات

مواتٌ لا يُحتمل – قصة قصيرة

مع الوقت وكثرة التنقل ومحاولات الاكتشاف المستمرة، والتفحص لكل الموجودات من بشر وحيوان ونبات وجماد- نضبت أنهار المتعة إلا قليلا، وبدأ ماء البهجة يغيض.. ضاق الحي بشوارعه وطرقاته.. تغبَّر هواؤه وشاهت وجوه أبنيته، زاده القيظ كآبةً والرطوبة ثقلا.. بقي من ميزاته أنه في قلب المدينة مفتوحٌ على أجمل مناطقها دون عوائق.. كورنيش النيل على بُعد خطوات.. حديقة المحافظة تجاوره، كما تجاوره حديقة أخرى مهجورة تحفها أشجارٌ عالية تنسدل منها بكثافة فروع رفيعة واهية كأنها الشَّعْر، وبها نخيل زينة وأشجار تثمر ثمرا يشبه النبق له مذاق سيئ.. لا أدري لماذا كانت تلك الحديقة لا يقصدها أحد سواي أنا ومن أصطحب معي في كل مرة.. لنستمتع باللعب قفزا وعدوا وعراكا حتى حلول الليل.. لكن النيل الذي أغراني ذات ظهيرةٍ أن أساير مجراه جنوبا؛ باغتني بانقطاع السور الحديدي، وانحسار مائه عن الشاطئ، ثم انقطاع الطريق، ثم أخافني بجثث الحيوانات وأكداس المخلفات، ما اضطرني أن أعود سريعا متفحصا كل ما يظهر أمامي من مبانٍ تصطف في الناحية الأخرى، فرأيت منازل ذات حدائقَ وقصرا مهجورا عُلِّقت عليه لافتة مكتوب عليها «مستشفى الطواري» تقبع بجوار نادي الضباط الذي كان قصر العلايلي باشا ذات يوم، قبل ظهور قصر «أحمد بك الطويل» الذي ظل لسنوات مبنى مديرية الأمن، وقد صحبت خالي ذات ليلة إلى هناك للكشف عن سبب انقطاع التيار الكهربي عن المديرية.. ثم كان التجوُّل خلف المستشفى العام بعد حلول الظلام ومحاولة استكشاف «غرفة التجهيز» عن بُعدٍ والمغامرة بالاقتراب رويدا رويدا.

ومع انقضاء الإجازة الصيفية وعودة الدراسة – كانت تلك الرحلات تستكمل بعد عصر الخميس وظهيرة الجمعة في هذا البراح الكائن وراء «بيت العُمْدَة» على حدود «المِنْيَة» التي اُعْتُبِرت لوقت حَيًا من أحياء المدينة رغم طبيعتها الريفية، وربما كان ذلك لانتشار معامل النسيج الصغيرة بها آنذاك.. أتعقب «الدبابير» الملونة وأعبث بها قليلا مترفقا بأجنحتها الشفافة، ثم أطلقها محاولا تخيُّلَ سعادتها بالنجاة والحرية، يومها شاهدت شجرة «المامبوزيا» لأول مرة، وأغراني صديقي برميها بالأحجار الصغيرة حتى نتمكن من جني بعض الثمار.. كيف أن محاولاتنا الأولى باءت بالفشل؟ بل إنها تسببت في تنبيه الحارس وخروجه إلينا مهرولا، مرسلا شتائمه المختارة بلهجة مختلفة.. ثم تلك المحاولات الشريرة التي بدأها صديقي بالتسلق نحو أعشاش الطيور وأخذ الصغار، وكيف أننا لم ننجح في ذلك سوى مرة واحدة دون تسلق عندما وضع عصفور بائس صغاره في عش واه بناه في جدار مُدَرَّجٍ تحت الإنشاء.. تم البناء ثم هُدم بعد سنوات وصار الملعب بما بقيَّ من مدرجاته خرابا يحرك هواءه الفاسد بالكاد من شدة القهر.. إذن لا شيء يمنعنا من الصيد وقد اقترب الصيف، والنيل يُحرك ماءه في نشوة بما يوحي بالوفرة.. وليس أسهل من انتزاع الغاب من «الهيش» الممتد على شاطئه أو قُرب أسوار الملعب، ثم شراء الشعر و«الصنارة» من أمام مسجد «العَتَبَانِي» والاستمتاع بمنظر الشيخين المتخاصمين اللذين يجلسان داخل الدكان فلا يوقدان مصباحا ولا يتبادلان كلمة واحدة، وكل منهما يراقب ما يبيعه الآخر ويدونه حتى تكون القسمة آخر النهار لا غش فيها ولا خداع.. مضى نحوٌ من صيفٍ قُرب النهر، لا شيء أهم من الصيد، التماع الأسماك عند خروجها من الماء مع حركتها السريعة للخلاص، وارتعاشتها اليائسة وقد صارت في قبضتي – بهجة حقيقية وسعادة لا تشوبها شائبة.. في الأيام شديدة الحرارة يهرب السمك إلى أعماق النهر مبتردا.. فأعود خالي الوفاض، عندما ذهبت إلى القرية مع صديق لي شاهدت تُرعة واسعة غزيرة الماء يسمونها «القنال» ورأيت تلك السلال التي يربطها الصيادون على الضفتين، ويسمونها «جوابي» لكني للأسف لم أر أحدهم يستخرجها وقد ازدحمت بالسمك كما أخبرني صاحبي الذي حرضني ذات مرة أن نستخرج واحدة؛ لا أذكر تحديدا هل نهيته عن ذلك الفعل وقتها، أم أننا استخرجنا واحدة بالفعل فوجدناها خاوية.. كنت رغم تكرار الذهاب إلى تلك القرية لا أشعر تجاه أهلها بالألفة، ربما لأن صديقي كان يحكي لي عنهم حكايات عجيبة يختلط فيها الخيال بالحقيقة، لكنها كانت في مجملها لا تبعث على الارتياح كما أن استقبال الأطفال لي كان مزعجا إذ كانوا ينعتونني -بسبب ملامحي- بـ «الأجنبي».

لذلك  كانت مشاركاتي إياهم اللعب محدودة جدا، فلم أحاول حتى ركوب حمار، ولم أجرؤ على التقافز فوق الساقية برغم رغبتي في ذلك، خوفا من أن يدفع أحدهم «الأجنبي» نحو القاع دون سابق إنذار، فتكون نهايتي وسط ضجيجهم البغيض.. وعندما حل الليل ذات مرة هناك ملأتني رهبة شديدة، إذ غطى الظلام كل شيء، وكانت مصادر الضوء محدودة وضعيفة، وداخل البيوت كانت الأنوار الخافتة تبعث على الضجر، وأصوات الحشرات والضفادع لا تهدأ، وأحاديث الناس لا تشي بالمودة التي نعرفها.. تبدأ بذكر فلان، وبعض مناقبه.. ثم ينهمر السيل بما يمحو ذلك محوا لا هوادة فيه.. عزَّزت كثير من المواقف فيما بعد من كراهيتي الشديدة لليل القُرى، فهو موات لا يحتمل، وكل محاولة لإحيائه تأتي شائهة، فتُحدِث أسوأ النتائج.. أكد لي ذلك بما يقطع كل شك رحلة عودة بائسة من إحدى مراكز محافظة مجاورة اضطررت فيها لركوب خمس مواصلات، والاستماع إلى عشرات الحكايات الباهتة، ومصاحبة شخص مريب لأكثر من ثلثي المسافة، لم يكف خلالها عن الحديث المتبرم في كل شيء حتى صارحني عند الوصول –بسلامة الله- أنه «مُخْبِر».

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق