منوعات

بين «الطليعة» و«الدعوة» (3): قضايا المرأة.. كيف حضرت لدى اليسار وغابت عند الإخوان؟

التقت مجلتا «الطليعة» التى أصدرها اليسار و«الدعوة» الناطقة باسم الإخوان المسلمين في النصف الثاني من عام 1976، في لحظة مفصلية من تاريخ المجتمع المصري، كانت مصر قد حققت نصر أكتوبر 73 فى ملحمة العبور ،لكنها كانت في مسيس الحاجة إلى «عبور ثان» نحو المستقبل، وبالطبع كان لابد أن تطرح في هذا السياق هموم المرأة المصرية وقضاياها، فكيف تعاملت كل من «الطليعة» و«الدعوة» مع قضايا النساء المصريات فى تلك اللحظة؟، وما هى طبيعة الرؤى التي طرحتها المجلتان لأوضاع ومشكلات المرأة؟ وإلى أي مدى لاتزال رؤى تيار اليسار التي مثلتها مجلة «الطليعة» ورؤى جماعة الإخوان التي عبرت عنها مجلة «الدعوة» حول قضايا النساء المصريات، صالحة للتعامل مع واقعنا الإجتماعي الحالى بكل تعقيداته؟ وهل مازالت تلك القضايا التي كانت مطروحة آن ذاك الوقت هى ذاتها التي نعانيها اليوم؟

الطليعة.. «هموم المرأة المصرية»

أولت مجلة الطليعة منذ نشأتها عام 1965 إهتماما خاصا بقضايا النساء المصريات فطرحت عبر صفحاتها قضايا تعليم المرأة وعملها وقانون الأحوال الشخصية، وغيرها من قضايا ومشكلات تخص النساء كانت مطروحة آن ذاك.. سنكتفي هنا بالتوقف عند طريقة معالجتها لقضايا النساء ومشكلاتهن خلال الفترة التي التقت فيها مع مجلة «الدعوة» (وهى الفترة من يوليو 1976 حتى يوليو 1977).

 جاء عدد نوفمبر من عام 1976 من مجلة «الطليعة» بغلاف يحمل عنوان «هموم المرأة المصرية.. المثقفة.. العاملة.. ست البيت». كانت المجلة منذ بداية شهر يناير عام 1976 وعلى إمتداد عام كامل قد دأبت على إجراء حوارات مطولة معمقة مع أحد المواطنين أو المواطنات تحت عنوان «هموم المواطن» يروي فيه كل شخص عن همومه، وهموم أسرته وهموم الوطن، ومن ثم تطرح تلك الحوارات على عدد من كتاب المجلة، الذين يحرصون على تحليل ما وراء تلك الحوارات من رؤية، إضافة لطرح رؤيتهم الخاصة حول تلك القضايا والمشكلات وكيفية التعامل معها.

القراءة الأولية لملف «هموم المرأة المصرية» تظهر بوضوح رؤية مجلة «الطليعة» للنساء المصريات، فهن من حيث المبدأ -وفقا لرؤية المجلة- إما «ست بيت» أو «عاملة» أو «مثقفة». واستنادا لهذه الرؤية فإن النساء المصريات ثلاث فئات متمايزات ،ولكن هل رؤية النساء لهمومهن وقضاياهن ومشكلاتهن تعكس ذلك التمايز بوضوح؟

مع قليل من الإبحار في عالم النساء وفئاتهن الثلاث سنكتشف أننا أمام ثلاث عوالم متباينة، عالم المرأة التي تنتمي للطبقة الوسطى المهتمة بتعليمها وإستقلالها المادي مع وجود أزمات عنيفة بينها وبين زوجها واهتمامها بالخدمات العامة بالمجتمع من تعليم وصحة وخلافه، دون الإهتمام بالمشاركة السياسية على سبيل المثال. في مقابل المرأة العاملة المعيلة لأسرتها نتيجة لمرض الزوج والتي تعاني هى أيضا من سوء حالتها الصحية نتيجة طبيعة عملها في صناعة البطاطين ،مع عدم إتاحة بيئة عمل مناسبة ونظام للتأمين الصحي، غير أن تلك المرأة العاملة ورغم كل ما تعانيه من أزمات إلا أنها تمتلك من الوعي ما يجعلها حريصة على أن يكون لها بطاقة إنتخابية كي تتمكن من الإدلاء بصوتها في الإنتخابات، واخيرا عالم المرأة الفقيرة فقرا مدقعا، والتي زادت بعض القيم الإجتماعية السائدة من حدة فقرها، مثل تلك الأم التي أنجبت تسع بنات بحثا عن الإبن الذكر الذي لم يأت.

كيف رأى كتاب مجلة «الطليعة» هذه الفئات الثلاث النساء الثلاث وقضاياهن ومشكلاتهن؟ وهل تمكنوا من تقديم رؤية يمكن في ضوئها معالجة قضايا المرأة المصرية بشكل عام؟

الأديبة والناقدة الراحلة الدكتورة رضوى عاشور في مقالها «هموم المرأة وهموم المجتمع» فى عدد نوفمبر 1976 تتناول قضايا ومشكلات النساء الثلاث مشيرة إلى التباين الشديد في مستوى الوعي بينهن، فالمرأة العاملة منحتها خبرة العمل  وعيا بمشكلاتها ومشكلات المجتمع المصري بشكل عام فهى تعرف جيدا من ستمنحه صوتها الإنتخابي، في مقابل عدم إهتمام السيدة المتعلمة المثقفة التي تنتمي للطبقة الوسطى بقضايا الوطن الكبرى، بإستثناء الإهتمام بتوفير الخدمات العامة مع عدم حرصها على المشاركة السياسية بشكل عام، ويزداد الأمر سوءا مع السيدة الفقيرة التي يكبلها الفقر المدقع ويحرمها من العديد من الفرص، حتى أنها ونتيجة ما تعانيه من فقر تلجأ لحرمان ابنتها من إستكمال تعليمها نظرا لعدم تمكنها من تدبير مصروفات التعليم الضرورية.

رضوى عاشور

 وهنا تؤكد رضوى عاشور أهمية الإهتمام بالتعليم مع الحرص التام على مجانيته، وتوفير أجر عادل للعاملات إضافة لتوفير نظام تأمين صحي شامل لهن، مع التأكيد على أنه لا يجب أن يكون هناك فصل ما بين قضية تحرر المرأة وقضية التحرر الإقتصادي والإجتماعي للطبقات «المسحوقة في الأمة» وفقا لوصفها، ذلك أن القضية ليست إضطهاد الرجال للنساء، بقدر ما هو الجوع والتخلف المفروض على الرجال والنساء معا.

أما الأستاذة إنتصار شكر فقد أثارت في مقالها «تعليق على هموم المرأة المصرية: كيف تجتاز المرأة المستعبدة أزمتها؟» والمنشور فى عدد ديسمبر 1976، قضية الأمية التي كانت تعاني منها 80% من النساء المصريات في ذاك الوقت، معتبرة أنها المشكلة الرئيسية التي تعاني منها المرأة المصرية، وأنه لا سبيل إلى تخطى المرأة لأزمتها دون التعليم، و«أن المرأة هى المسئولة مسئولية كاملة عن تغيير واقعها الإجتماعي».

هنا نلاحظ وجود إختلاف بين رؤية رضوى عاشور لقضايا ومشكلات النساء التي تحيلها لوضع اجتماعي اقتصادي عام ردىء لا يفرق بين الرجال والنساء، وبين رؤية إنتصار شكر التي تحيل مشكلات النساء إلى الأمية كظاهرة إجتماعية متفشية في المجتمع وإلى النساء أنفسهن، وكأن الأمر بيدهن دونما وجود أي معوقات أخرى خارجية.

الكاتب محمود عبد الوهاب في مقالته «المراة المصرية.. من حافة السقوط إلى مشارف الوعي» في عدد ديسمبر 1976، يستفيض في تحليل واقع النساء بفئاتهن الثلاث وينتهي إلى تقديم مجموعة من التوصيات تتمحور حول ضرورة الإهتمام بزيادة الوعي النقابي والسياسي والثقافي، فهو يرى أن «نشر الوعي الذي يربط ما بين الحصول على رغيف الخبز والدواء وتذكرة الإنتخاب وكارنيه النقابة وقسيمة الزواج أو الطلاق وحق حضانة الإبن وعضوية التنظيمات السياسية والنسائية» كلها -من وجهة نظر الكاتب- أمورً متصلة من شأنها الرقي بالمرأة المصرية.

الدعوة.. وبيت المسلم

 أما مجلة «الدعوة» فقد حرصت فى الكثير من أعدادها خلال الفترة من يوليو 1976 حتى يوليو 1977، على تخصيص صفحتين تخاطب من خلالهما  النساء، عبر باب يحمل عنوان «نحو بيت مسلم». وقد تضمن هذا الباب توجيه العديد من النصائح والإرشادات للنساء بوصفهن ربات بيوت واجبهن في الحياة هو «رعاية البيت والزوج والأبناء». فتحت هذا العنوان العام «نحو بيت مسلم» جاءت عناوين النصح والإرشاد ،وكان من بينها «إملئى بالألفة والمحبة أجواء مملكتك».. «طفل في الطريق.. نصائح للمرأة الحامل».. «معالم نحو تربية أفضل».. «كوني زائرة رقيقة» إلى جانب سلسلة من الحلقات تحمل عنوان «جهاد المرأة المسلمة» تتناول سيرة النساء المجاهدات في التاريخ الإسلامي القديم.

بعيدا عن باب «نحو بيت مسلم» جاء مقال الدكتور على جريشة بعنوان «تحرير المرأة»، وذلك في عدد  فبراير 1977 من مجلة الدعوة، وهو العدد الذي جاء عقب إنتفاضة 18 و19 يناير 1977، والتي كان لمشاركة النساء العاملات وطالبات الجامعة المصرية دور فاعل فيها.

يفتتح دكتور جريشة مقاله بعبارة دالة تقول: «كما كانت العلمانية شعارا خادعا يخفي وراءه الحرب على الدين، وكما كانت القومية شعارا خادعا كذلك يستعمل في مواجهة الدين، فلقد رُفع هذا الشعار – تحرير المرأة – بقصد إجتذاب المرأة المسلمة وإستخدامها حربا على دينها».. بهذه العبارة الكاشفة في مضمونها، ربما لا نكون بحاجة لقراءة المزيد لنعرف رؤية الكاتب حول قضية تحرير المرأة والتي تعني بالنسبه له «حربا على الدين».

الدكتور علي جريشة

 غير أن من المهم هنا الإشارة إلى أن وجهة نظر دكتور جريشة تلك، لم تكن نظرة فردية، بل نظرة معبرة تماما عن وجهة نظر مجمل كتاّب مجلة «الدعوة» الذين طالما أعلنوا  رفضهم لخروج المرأة للعمل على سبيل المثال،فمكان المرأة الوحيد بالنسبة لهم هو البيت ورعاية الأطفال.

وحتى خروجها للتعليم، الذي لم يعترضوا عليه بشكل مباشر، كان مشروطا بعدد من الشروط  أجملها الكاتب أحمد محمد إبراهيم في مقاله الذى جاء تحت عنوان «تعليم المراة». في هذا المقال يتناول الكاتب بعض الجوانب التي لا يرى أنها  تتفق مع المنهج الإسلامي في تعليم المرأة، فالإختلاط بدعة غريبة ينكرها الإسلام نكرانا شديدا.. والكاتب يفضل ان تكون هناك مدارس وجامعات خاصة بتعليم الإناث بشكل منفصل دون إختلاط. كما يعترض على سفر النساء في بعثات علمية للخارج مؤكداً على ضرورة وجود «محرم مع المرأة» عند سفرها في البعثات العلمية.

من جانب أخر يوصى الكاتب بضرورة إعادة النظر في «الزي المدرسي بما يتفق مع المنهج الإسلامي». أما الأمر الأكثر إثارة للدهشة فيتمثل في إعتراضه على المناهج الدراسية التي تتلقاها النساء، فهو يرى أن النساء عليهن الإلتزام بتَعلُم كل ما يتعلق بفرائض الصلاة، الصيام، الزكاة والطهارة، المأكل، الملبس ومعرفة صحيح العقيدة، وليس عليهن تعلم أي شىء أخر. ومن ثم يتساءل: هل المناهج التعليمية الآن تتيح للفتاة أن تتعلم ما يجب عليها وما ينفعها؟

 نقاش فى «الطليعة» وتغييب فى «الدعوة»

حرص كُتاّب «الطليعة» عند تناولهم لقضية المرأة المصرية، على إبراز قضايا التعليم والعمل ومشكلاته وقانون الأحوال الشخصية والتوعية الثقافية والسياسية مع التأكيد على ربط مشكلات النساء بمجمل القضايا والمشكلات المجتمعية التي يعاني منها المجتمع المصري بشكل عام، وهى رؤية في مجملها تتفق مع واقع قضايا النساء في الوقت الراهن، وإن كان الواقع الراهن قد شهد بروزا لعدد جديد من القضايا لم تكن مطروحة من قبل، مثل قضايا العنف ضد النساء بكل أشكاله، سواء داخل المنزل أو في مكان العمل أو بالشارع.

أما كتّاب «الدعوة» فقد غابت لديهم تماما قضايا النساء المصريات، فالنساء لديهم إما أمهات يلزمن بيوتهن، أو فتيات يجب تعليمهن نوعا معينا من التعليم تمهيدا لإستقبال دورهن كأمهات المستقبل، مع حرصهم الدائم على الإعلان عن معارضتهم لعمل النساء.

الأمر الثاني الهام في تناول كتاب «الدعوة» يتمثل في كونهم لا يتحدثون سوى عن «البيت المسلم» و«المرأة المسلمة» وفقط، وهو ما يعنى غيابا تاما لشركاء الوطن من غير المسلمين، ومن ثم غياب مفهوم «المواطنة» وهو ما سنطرحه في حلقة أخرى من حلقات هذه السلسلة.

الملاحظة الختامية في هذا الإطار تتعلق بموقف المجلتين من الإستعانة بالنساء في الكتابة على صفحاتهما.. فمجلة «الدعوة» على مدى أعدادها من يوليو 1976 حتى يوليو 1977 لا يوجد بها اسم امرأة واحدة، سواء ككاتبة أو كشخصية كُتب عنها سوي «المجاهدات المسلمات» في التاريخ الإسلامي القديم.. حتى أن باب «نحو بيت مسلم» قد أتى دون ذكر أسم كُتَاب المقالات، بالتالي لا يدري القارىء هل من كتب ذلك الباب من الكُتَاب الرجال أم من النساء؟.. وأغلب الظن أن من كتب تلك المقالات هن كاتبات من النساء مع حجب أسمائهن.

أما مجلة «الطليعة» في المقابل، فكانت تستعين بعدد محدود من النساء ككاتبات على صفحاتها، وكان من أبرزهن الأستاذة لطيفة الزيات والدكتورة رضوى عاشور، وربما يرجع سبب محدودية أو ضعف الإستعانة بالنساء إلى أن عدد الكاتبات فى ذلك الوقت كان محدودا مقارنة باللحظة الراهنة.

الكاتبة: لطيفة الزيات

(يتبع)  

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق