فن

كلنا في الهم… جوكر

نادرة هي الأعمال السينمائية التي تتمكن من تقديم صورة مختلفة أو مغايرة لشخصية عهدها الجمهور واعتاد عليها ،ودأبت السينما على تقديمها في شكل نمطي محدد.

شخصية الجوكر، أحد أشهر شخصيات عالم «الرجل الوطواط» أو «باتمان»- ذلك العالم الذي ابتكره فنانو قصص دي سي المصورة- والذي يعد (الجوكر) أبرز أعداء الرجل الوطواط وأكثرهم جاذبية بسبب شخصيته الفريدة.

تاريخ الجوكر

لفت الجوكر نظر محبي القصص المصورة منذ أول ظهور له في تلك السلسلة عام 1940، إذ لم يكن شريراً تقليدياً -إذا صح التعبير- فهو لا يملك أية قدرات خاصة أو خارقة، شأنه في ذلك شأن الرجل الوطواط نفسه، ولكن إن كان ثراء الرجل الوطواط الفاحش هو سر قوته، فإن قوة الجوكر وقدرته المدهشة على أن يحيل حياة غريمه جحيما هي ببساطة…السخرية.

على وجه الجوكر ترتسم دائما ابتسامة ساخرة من كل شيء، من عدوه الرجل الوطواط ومن رجل الأمن المفتش غوردان ومن مدينة غوثام التي تعد مسرحاً لهذا الصراع.

أغلب مكائد وحيل الجوكر قائمة على هذه السخرية وحتى أكثر جرائمه دموية وبشاعة تأتي مصحوبة بضحكته المجلجلة.

إلا أن ثمة ما حير القراء بشأن الجوكر هو أنه، على عكس بقية الشخصيات الشريرة، مجهول الأصل، فليس ثمة قصة تفسر كيف وصل إلى ما وصل إليه، أو كيف تحول إلى مجرم يقتل بدم بارد وبضحكة ساخرة.

فعلى عكس شخصية «ذو الوجهين» مثلاً، التي تابع القاريء تحولها من رجل قضاء مثالي إلى مجرم نتيجة حادث مروع، لا تبدو جرائم الجوكر بحق «غوثام» انتقاماً من طفولة معذبة مثلاً أو نتيجة لحادث ما، بل إنها – في أغلبها- جرائم دون أي دافع، أي جرائم عبثية بامتياز.

وحتى المحاولة النادرة التي قام بها الكاتب آلان مور لمنح الجوكر خلفية وقصة من خلال الرواية المصورة «النكتة القاتلة» التي نشرها عام 1988، جاءت نهايتها غامضة ولا تفسر إلا أقل القليل بشأن هذه الشخصية.

من الطبيعي إذن، أن تجذب شخصية بهذا الثراء صناع السينما، ففي أول فيلم سينمائي يحمل اسم «الرجل الوطواط» والذي أخرجه تيم بيرتون في الثمانينات، قدم الجوكر، والذي أدى دوره الممثل المخضرم جاك نيكلسون، كرجل عصابات يتعرض لاصابة تجعله مضطراً لطلي وجهه بمساحيق مهرجي السيرك ليخفي تشوهه الجسدي، ورغم أداء نيكلسون الذي تميز بالطرافة وخفة الظل إلا أن التناول في هذا الفيلم بدا سطحياً ولم ينفذ إلى أعماق الشخصية.

أما المخرج البريطاني كريستوفر نولان فقدم الشخصية بشكل مغاير في فيلمه «فارس الظلام» والذي جسد فيه الدور الممثل الأسترالي الراحل هيث ليدجر.

فوجيء محبو أفلام الرجل الوطواط بصورة جديدة تماماً للجوكر، فهو ليس مجرماً عادياً وانما متمرد يسعى لقلب النظام الاجتماعي في غوثام رأساً على عقب.

يدرك الجوكر تماما عيوب هذا النظام وتناقضاته، ولذا يتمكن من النفاذ إليه من داخله، من خلال رجال الأمن الفاسدين والعصابات الإجرامية وغير ذلك من الثغرات.

لا يؤمن جوكر كريستوفر بشيء على عكس الرجل الوطواط، فهو لا يرى في النفس البشرية سوى جانبها المظلم ويسعى لاثبات ذلك بشتى الطرق بما في ذلك القتل.

جوكر جديد.. ومختلف

ظن البعض أن السينما قد انتهت من الجوكر، خاصة بعد وفاة هيث ليدجر ونيله – عقب رحيله- جائزة الأوسكار عن هذا الدور. إلا أن المخرج الأمريكي تود فيليبس، الذي قدم من قبل عدة أفلام كوميدية ناجحة كثلاثية «هانج أوفر» وغيرها، أبى إلا أن يعيد رسم ملامح الجوكر، وذلك من خلال فيلم جديد يحمل اسم «جوكر» ويلعب دوره الممثل خواكيم فونيكس.

لعل أول ما يلفت الانتباه في جوكر تود فيليبس هو العنوان فاسم الجوكر يقدم بدون «ال» التعريف، بعبارة أخرى، فإن الفيلم من البداية يوجه المشاهد إلى حقيقة أن هذه القصة ليست بالضرورة عن الشخصية التي تعلق بها على مدار سنوات عبر القصص المصورة والافلام السينمائية وانما ببساطة شخص عادي يمكن أن يكون أياً منا.

أيضاً، بدا واضحاً أن المخرج لا يقدم غوثام كما ظهرت في القصص المصورة، وفي أفلام أخرى، حيث غلب على غوثام طابع مأساوي هذه المرة تمثل في بؤس الشوارع وأكوام القمامة الملقاة على جوانب الطرق والأزقة الضيقة التي تكاد تخنق قاطنيها.

من خلال لقطات مقربة، نتعرف- نحن المشاهدين- على آرثر فليك، مريض نفسي يسعى جاهداً لاعالة ذاته وأمه من خلال عمله كمهرج، ويطمح كما بطل “النكتة القاتلة” إلى أن يكون ممثلا هزلياً ناجحاً.

إلا أن آرثر يخفق في كلا الأمرين، فعمله كمهرج يجعله عرضة للمضايقات التي تصل إلى إيذائه بدنياً، وسرقة ما يروج له من بضائع وتستمر المضايقات على يد مديره الذي يفصله وزملائه الذين يسخرون منه باستثناء قزم يتعاطف منه لأنه هو الآخر ضحية لسخريتهم.

تستمر ضغوط الحياة في سحق آرثر وكل من هم مثله فحتى حلمه البسيط بالتعرف إلى جارته الجميلة (تلعب دورها زازي بيتس) يكتشف لاحقاً أنه وهم لا أكثر.

يدرك آرثر رويداً رويداً أن من يسحق أحلامه هم نخبة غوثام، هم أثرياؤها من أمثال السيد واين –والد الرجل الوطواط في القصة الأصلية- ورجال الإعلام من أمثال موري فرانكلين (المخضرم روبرت دي نيرو) الذين لا يجدون في كل من هم مثل آرثر سوى مادة للسخرية.

يأتي أول فعل متمرد من قبل آرثر حين يستخدم سلاحه الشخصي الذي اشتراه بغرض الدفاع عن الذات لارتكاب جريمة، فيردي برصاصه ثلاثة شبان أثرياء أوسعوه ضرباً لأنه ببساطة ضحك من أفعالهم بشكل لا إرادي.

ولأن الجريمة جاءت  وسط واقع اجتماعي ملتهب، فمن الطبيعي أن تتحول هذه الفعلة ،التي لم يعرف أحد هوية مرتكبها بسبب زي المهرج الذي يخفي ملامحه، إلى مادة للجدل بين الأثرياء الممسكين بالسلطة في غوثام، من أمثال واين الذي يصف المتظاهرين بالـ «مهرجين»، وبين جموع البسطاء الغاضبة التي ترتدي قناع المهرج رداً على إهانة واين.

يزداد الانقسام الاجتماعي حدة، ليتولد من رحمه الجوكر، الذي يراه البسطاء الغاضبون، لا كمجرم ،وانما كمخلص لهم، كما توحي حركة يديه في مشهد ما قبل النهاية.

لكن فيليبس، شأنه في ذلك شأن آلان مور في رواية «النكتة القاتلة»، يأبي أن تكون هذه هي النهاية، فيضيف مشهداً أخيراً يجعلنا نتساءل عن حقيقة ما شاهدناه، وهل كان واقعاً أم خيالا لفقه جوكر؟، ليضفي على ذاته بطولة زائفة وعلى أفعاله قدراً من الشرعية؟

بدا واضحاً تأثر فيليبس بأفلام قُدمت من قبل عن اغتراب الانسان في مدينته، كرائعة مارتن سكورسيزي «سائق التاكسي»،  ففي كلا الفيلمين نحن بصدد شخص مهمش تسحقه الحياة المزدحمة التي لا ترحم أحداً، فيسعى لايجاد وسيلة ليشعر أنه ذو قيمة، وإن كانت هذه الوسيلة هي ارتكاب جريمة.

جاء أداء خواكيم فونيكس للدور موفقا إلى حد كبير، حيث استطاع توظيف جسده بالكامل لصالح هذه الشخصية المعقدة، فبدا نحوله الشديد وضحكته اللاإرادية جزءاً لا يتجزأ منها.

كان من الطبيعي أن يثير «جوكر» عاصفة من الجدل عند عرضه في الولايات المتحدة، وأن ينتقده البعض بوصفه محرضاً على العنف، لكن هذا النقد يخفي وراءه قدراً من التناقض.فالعنف ليس مرفوضا حين يكون على يد «الأبطال» كالرجل الوطواط أو «سوبر مان» أو «جون ويك»، ولكن يكون خطراً للغاية حين يكون عنفاً اجتماعياً، حين يمثل انتقام البسطاء من مستغليهم، هولاء البسطاء الذي تعمد فيليبس أن يجعل الجوكر واحداً منهم، ليؤكد أن الشر ليس لقيطاً وانما هو –دائماً وأبداً- وليد المجتمع.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: