مختارات

الموسيقى في المدارس السعودية… تداعي آخر حصون «الإخوان»

قبل أن تطوي السعودية العِقد الثاني من الألفية الجديدة، كانت قد وفت بمعظم الالتزامات التي قطعتها في رؤيتها الاصلاحية 2030، وهي التي وعدت بإحداث تحولات اقتصادية واجتماعية، تُعيد في جانب منها البلاد إلى ما كانت عليه قبل عام 79 من القرن الماضي، الذي اعتبره ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان تاريخاً لـ«الشرور الفكرية» التي هيمنت على المشهد وطبعت السعودية الدولة والمجتمع بوشمها «الصحوي والإخواني».

الرياض تطوي جدل الحرام والحلال في الفنون و«تعود إلى سيرتها الأولى»… وهذه حكاية أيقونة مدرسة «الثغر» وأشهر جدل بين الفقهاء والكتاب حول «إباحة المعازف».

ومع أن الخطى تسارعت منذ إطلاق ما يسميه بعض المحللين «دستور السعودية الجديد» للحياة والعيش قبل بضع سنين، إلا أن الأشهر الأخيرة من العام الحالي، شهدت تطورات محورية، لم يكن الكثيرون سيصدقونها قبل أن يبصروها رأي العين. ولذلك اتخذ «موسم الرياض» الذي كان أحد عناوين تلك التطورات؛ مفردة «تخيّل» شعاراً له. أي أن التفكير المنطقي لن يفي باستيعاب ما يحدث، ولكن استعن بالخيال لإدراكه.

حدث ذلك في إلغاء قيود السفر على السعوديات فجأة، وإسقاط التأشيرات عن 48 جنسية، وأضعافها إذا جرى احتساب جميع الحاصلين على تأشيرات كل من الاتحاد الأوروبي وأميركا وبريطانيا. ثم جاء إعلان سلة إجراءات اكتتاب «أرامكو» وتداولها رسمياً، وهو الذي كان حديث الهمس والعلانية لآلاف الاقتصاديين في العالم، ما بين مصدّق ومكذّب.

لكن السعودية، لا يبدو أنها تريد لقصتها أن تنتهي عند عنوان واحد فقط، ذلك أنها مثلما تقول سفيرتها في واشنطن الأميرة ريما بنت بندر: «لسنا نقوم بذلك من أجل أن نعجب الآخرين، ولكن لأننا أردنا فعل ذلك من أجل بلادنا وشعبنا وأنفسنا»”. فما إن تخف صدمة المتابع من خطوة حتى تباغته بأجرأ منها، حتى وإن دعت تقارير غربية كالتي نشرتها مجلة “ايكونومست” أخيراً البلاد إلى فضيلة الاصغاء لنقد إصلاحاتها وليس فقط التصفيق لها. 

ماذا يعني تدريس الموسيقى؟

في هذا السياق يمكن فهم أن تعلن وزارتا التعليم والثقافة إقرار الموسيقى في مناهج التعليم، في «تغريدة» على طريقة ترامب قال فيها وزير الثقافة الأمير بدر بن عبدالله الفرحان آل سعود «الموسيقى والمسرح والفنون في تعليمنا، والقادم أجمل». من دون مؤتمر صحافي ولا بيان لوكالة الأنباء الرسمية للدولة، لكأن الأمر لا يستحق الكثير للوقوف عنده.

هل كان المغزى محاولة تمرير الموضوع من دون ضجيج يذكر، أم أنه بالفعل تفصيل صغير جداً، أصبح تحصيل حاصل بعد أن أصبح لمحمد عبده مسرحاً في الرياض غنى فيه وأطرب، وهو الذي حرّم عليه الغناء في عاصمة بلاده لنحو 40 سنة، يتيه في الأرض شرقاً وغرباً يبعث منها الإهداءات إلى الرياض، بينما لم يظفر بوصلها كل تلك المدة، على طريقة قول مواطنه العربي من قبل «فيا دارها بالخيف إن مزارها… قريب ولكن دون ذلك أهوال».

لكن تغريدة الفرحان التي أرفق معها بنود الاتفاق بين وزارته والتعليم، أعادت إلى الأذهان «وقتاً مضى»، فتح مسلسل «العاصوف» الذي بثت «ام بي سي» حلقاته في رمضان العامين الماضيين تاريخه على مصراعيه، وبدأ يثير النقاش والأسئلة بروايته كيف نشأت القيود والمنع والتحريم على التفاصيل التي كانت مألوفة في المجتمع، وبينها الموسيقى في الإذاعة والتلفاز وبعض المدارس، قبل أن ينطلق «المد الصحوي» بعد اقتحام جهيمان الحرم في 20 نوفمبر (تشرين الثاني) 1979م، وهي الحادثة التي أراد بها محاكاة ثورة الخميني التي يفصلها عن ذلك التاريخ نحو 9 أشهر فقط.

ومنذ ذلك التاريخ، اكتسب التيار الإسلامي الحركي زخماً، مسّ طائفُه معظم السعوديين في العقود الثلاثة التي أعقبته، حتى وقعت حرب الخليج الثانية بغزو صدام الكويت 1990م واستدعت السعودية تحالفاً دولياً تقوده أميركا لطرد الغازي، مما لم يرق لأقطاب التيار الصحوي من الدعاة ونجوم «الكاسيت» آنذاك، فحصل تصادم ليس الأول مع السلطة، ولكنه الذي أقنع فيما بدا صانع القرار بأن وضع الحد لنفوذ بعض أولئك النجوم بات ملحاً، فأودعوا السجن، قبل أن يحدث التحول الفعلي بعد 11 سبتمبر (أيلول) ومعه طوفان الانترنت، فحدثت طفرة الوعي الآخذة في التزايد حتى توجتها رؤية السعودية 2030، التي جاءت تبشر نحو 70 في المائة من المجتمع، هم شابات البلاد وشبابه بحياة طبيعية مثل بقية دول العالم «فوراً».

وزير الثقافة لم يكتف بإعلان إقرار الفنون في المناهج ابتداءً من العام المقبل، ولكن أتبع ذلك بالإحالة على التاريخ الذي كان قبل عام 79، وغرد بصورة من أزمنة عدسات «الأسود والأبيض» لطلاب في مدارس «الثغر» النموذجية في جدة غرب السعودية، وهم منهمكون في ممارسة حصة الموسيقى، على هيئة فرقة موسيقية، قائلاً في تعليق على الصورة «أيام جميلة؛ ستعود»، في إشارة إلى أن السعودية الجديدة لن تأتي بغريب على ديارها ولكنها فقط عادت إلى ما كانت عليه.

 وهي الطمأنة التي أرسلها من قبل ولي عهد البلاد الأمير محمد بن سلمان، الذي أضاف إليها قبل نحو عامين في منتدى مستقبل الاستثمار في الرياض 2017 «بكل صراحة لن نضيع 30 سنة أخرى من حياتنا في التعامل مع أفكار متطرفة، سوف ندمر المتطرفين اليوم وفوراً»، مفسراً ذلك بالقول «إننا فقط نعود إلى ما كنا عليه، إلى الإسلام الوسطي المعتدل والمنفتح على العالم وعلى جميع الأديان وجميع التقاليد والشعوب».

طلاب السبعينيات

وفي حديث مع أحد طلاب مدرسة الثغر النموذجية، قال الكاتب السعودي حسين شبكشي لـ«اندبندنت عربية»، إن الصورة التي شاركها وزير الثقافة، أعادته إلى حنين مدرسته يوم كان طالباً فيها، والحياة طبيعية قبل هبة أعاصير التشدد.

وقال: «عشت في الثغر ما يصبو إليه جيل اليوم. منهج متوازن، تنافسية تليق بسوق العمل، أنشطة غير صفية مهمة، تركيز على بناء شمولي للطالب بحيث يصبح مواطناً منتجاً وسفيراً لبلاده. كنت رئيس تحرير صحيفة صوت الطلبة نعالج مشاكل المدرسة، ورئيس فريق الإذاعة المدرسية، وحارس مرمى فريق كرة القدم، وعضو في الكشافة والمسرح. كنت مجرد نموذج لما قدمه مناخ مدارس الثغر قبل أن تهب عليه أعاصير التشدد».

وبدلاً من أن يكون التصالح مع الفنون في ذلك العهد، صارفاً عن معالي الأمور في تقدير شبكشي، روى كيف أن معلم القرآن كان يعلمهم «قراءة القرآن الكريم والأذان بمقامات الموسيقى العربية مثل مقام نهاوند وسيكا وحجاز وصبا وغيرها»، وهي المقامات التي عاد قراء الحجاز اليوم ومناطق عدة في السعودية يتغنون بالقرآن على منوالها، سيراً على نهج أئمة التلاوة المصريين الأوائل، أمثال مصطفى إسماعيل وراغب مصطفى غلوش وعبد الباسط عبد الصمد وغيرهم.

وفي السياق نفسه روى الكاتب السعودي الآخر خالد السليمان تجربته مع درس الموسيقى عندما كان طالباً في الكويت يتلقى حصص الموسيقى المقررة في المرحلتين الابتدائية والمتوسطة هنالك، تحت مسمى «التربية الموسيقية»، إذ كان الطلاب يومئذ يعتبرونها «من حصص التنفيس والترفيه والهرب من حصص الكيمياء والرياضيات والفيزياء والنحو الثقيلة».

ومع أنه أسف لأن موهبته لم تساعده لتعلم العزف، إلا أنه في المقالة التي روى فيها تجربته ونشرتها «عكاظ» السعودية، لم يلمس من خلال تجربته القصيرة ما يزكي القول بأن «الموسيقى تهذب النفس وترقق القلب كما يقولون بدليل أن معلمنا كان جافاً في مشاعره متنمراً في تعامله، قاسياً في تعليمه، لكن العيب لم يكن في الموسيقى بقدر ما كان في شخصه»!

وإذا اعتبر السليمان مجرد التفكير في أن تكون الموسيقى جزءاً من المناهج الدراسية في بلاده قبل سنوات، يصعب الجرأة عليه فضلاً عن الهمس به، فإنه يطمئن من سماهم «المتوجسين من تعليم الموسيقى»، بأنها لن تؤثر سلباً، «فلم تشغلنا في مدرستنا عن الصلاة ولم تغير هويتنا خارجها».

تحريم المعازف لا يزال يدرّس؟

ولذلك استقبل المناوئون للموسيقى، نية إقرارها في المناهج بالتوجس منها، فانطلقت الأسماء المستعارة على منصة «تويتر»، تردد «حسبنا الله ونعم الوكيل ولا حول ولا قوة إلا بالله». بينما ذهب آخرون بأسمائهم الصريحة إلى البحث عن أسباب أكثر وجاهة للرفض، مثل المعلق فهد الربيقي الذي خاطب وزير التعليم قائلاً «يا دكتور بما أن الأمر مبدئي ولم يتم الاتفاق رسمياً، أتمنى أن تتراجع عن هذا القرار وتبدله بقرار إرجاع مادة الإملاء والخط في المرحلة الإبتدائية وكما تعلم أن 99% من مدارسنا غير مؤهلة».

وعلى الرغم من جهود وزارة التعليم في السعودية منذ عقدين من الزمان في تهذيب مناهج التعليم لتكون مواكبة لحاجة سوق العمل والعصر، ومتناسبة مع المراحل العمرية لدارسيها، إلا أن المهتمين يعتقدون أنها لا تزال بحاجة إلى مزيد من «الحوكمة»، ففي مسألة الموسيقى التي جرى الاتفاق على إقرارها مثلاً، لا يزال أحد مقررات المرحلة الثانوية، يضم ما يوحي بتحريمها، طبقاً للنمط السائد قبل صناعة الترفيه في السعودية، واستقطاب المغنين السعوديين والعرب للساحات والقاعات، وإعادة سهرات أم كلثوم إلى التلفزيون السعودي على نحوٍ مما كانت في عقود مضت.

ويضم مقرر «الحديث والثقافة الاسلامية» الذي استعرضته «اندبندنت عربية» في درسه الـ13 «الاستماع وأحكامه»، ولفت إلى أن الطالب سيتعلم من خلال الدرس «نعمة السمع. خطورة سماع المحرمات. أنواع المسموعات. أمثلة على السماع المحرم. مفاسد الغناء وآثاره المحرمة». ثم توسع بعد ذلك في إشباع العناوين، بما هو دارج في كتب الفقه المتداولة، وشروحاتها التي أعيد إنتاجها آلاف المرات على هيئة فتاوى أو منشورات، أو حتى رسائل علمية وجامعية. لكن مصدراً في التعليم أفاد بأن «تحريم المعازف والموسيقى حذفت من المنهج ولم يعد هنالك أي إشارة لها، والكتاب الذي تضمن الدرس السابق سيُلغى تدريسه بنهاية العام الدراسي الحالي، فهو كان منهجاً قديماً للنظام الفصلي الذي جرى استبداله بنظام المقررات في كل مدارس السعودية. وفي كتاب مادة الحديث لنظام المقررات الجديد لم يرد هذا الدرس».

يوم حلال ويوم حرام

ويشير باحثون مستقلون أمثال الأكاديمي السعودي حاتم العوني، إلى أن أصل المشكلة في تحريم الموسيقى وغيرها في السابق من المسائل المختلف عليها فقهياً، هو التحامل على المخالف، وقبل ذلك إيهام العوام بتناقض الشريعة الاسلامية التي يُحلون باسمها اليوم شيئاً كانوا يحرمونه بالأمس بشكل قطعي.

ولهذا تساءل معلقاً على إقرار الموسيقى في المناهج: «المقتنع بأن تحريم الموسيقى قطعي، كتحريم الخمر والزنا، ولذلك كان القول بإباحتها عنده قولاً شاذاً غير معتبر، ويخالف الإجماع، والمبيحون ضالون مُضِلّون، كيف لمثل هذا المسلم أن يتعايش مع خبر كهذا»؟

وحمل مسؤولية هذا التناقض «تشديدات التيار الصحوي»، الذي قال إنه بشر بسقوط آرائه منذ سبع سنين، «فلقد تأملت ثبوت الحق وزوال الباطل في واقعنا الإسلامي: فكانت هناك آراء باطلة شائعة بين طلبة العلم قبل نحو عشرين سنة، لا يستطيع أحد محاكمتها للدليل، مجرد محاكمة، فضلاً عن بيان انخذالها عن قيام الدليل بها! فضلاً عن الحكم بإبطالها، ثم هي اليوم ليست فقط قولاً باطلاً، بل هي قول باطل يخجل حتى الذي ما زال متمسكاً به من أن يبوح به، ولا يحب العاقل منهم أن يفتح على نفسه به جبهة انتقاد واسعة واستنكار عريض، بالتصريح بتبنيه له».

وبين ما ينتقده الباحثون على التنظيم الإخواني ونسخه المحلية في السعودية تناقض التيار بين ما تحمل عناصره المجتمع عليه، وبين ممارساتها في الواقع إن كان في السعودية أو خارجها، فهذا الرمز الإخواني الدكتور يوسف القرضاوي على الرغم من اتهام مريديه بالتسلل إلى المناهج السعودية وتضمينها أكثر الآراء تشدداً في مسائل كالغناء، فإن القرضاوي نفسه يؤصل في مؤلفاته لإباحة الغناء باعتبار حسنه حسناً وقبيحه قبيحاً، من دون التوقف طويلاً عند “المعازف والآلات” التي جعلت معظم أرباب المدرسة السلفية يرفضون الغناء قطعياً. وليس نجم الإخوان الأوروبيين وحفيد مؤسس الجماعة طارق رمضان عن هذا التناقض ببعيد، وهو الذي انكشفت حياته المزدوجة فجأة بعد أن اتهمته نساء معدودات باغتصابهن، كانت شهادة واحدة منهن فقط كافية لإيداعه السجن، في نهاية مروعة لصعوده الأكاديمي والخطابي في سويسرا وأوروبا الغربية والعالم.

ويروي الباحث السعودي منصور النقيدان المتخصص في حركات الإسلام السياسي، تعليقاً على حالة رمضان وسواه أنه لاحظ طوال 35 عاماً عرف فيها أكثر الناس تقوى وورعاً وعبادة وعرف نفسه في كل حالات قوتها وضعفها، و”تأكد لي دائماً أنه ما من إنسان لم ينقض عهده في الخلوات بعيداً عن البشر. حتى أولئك البكاؤون في الوعظ. واحد من كبار العلماء الدعاة اكتشف الأمن الذي يراقبه لدواع أمنية أنه لا يصلي إلا برفقة مريديه”.

الفقيه المفتون

ثم أضاف حكاية لا تخلو من طرفة، عندما تفاجأ مرة من مفتٍ، قال إنه معروف بالتشدد “يظهر على التلفزيون يسكن الرياض معي، ويستأجر شقة عندي في العمارة ويبقى 3 ايام لا يصلي في المسجد ويقضيها في مشاهدة المباريات والمسلسلات والأغاني. سألت الموظفين عنه وتفاجأت أنه يألفهم ويأنس بهم ويهرب من بيته ويختبئ في معتزله ويطلق لنفسه العنان”، حسب ما قال ضمن سلسلة تغريدات على حسابه في «تويتر»، منح «اندبندنت عربية» حق التصرف فيها.

وحكى كذلك النقيدان عن فقيه كبير على مستوى العالم الإسلامي، ذكر أنه لم يكن يوماً رحيماً بالمرأة ولا بما سكت عنه الشرع عنها، “هام عشقاً وحباً بمراهق من طلابه سبب له مشاكل بين أولاده وتلاميذه، وكتب هذا الطالب مذكراته قبل وفاته باسم “رحلتي إلى النور”، وتوفي بعد شيخه بست سنوات. واعظ آخر هيمنت مؤلفاته 20 عاماً على المساجد وكان يرفض استضافة الناس في بيته بحجج كثيرة، كانت مؤلفاته تركيزاً على قطيعة من يحب الموسيقى او عنده تلفزيون في بيته. اكتشفنا أن بيته كان مثل بيوت الناس. وعند مواجهته قال: أنا أشعر بالخزي من نفسي، أولادي غلبوني فاعتذر عن استقبالكم”.

حكاية جدل السماع وكتاب الأغاني

لكن السجال حول الغناء في أصله ليس حديثاً، فهو قديم كسائر مسائل الفروع في الفقه الإسلامي، بمذاهبه الأربعة السنية (الحنفي والمالكي والشافعي والحنبلي) والشيعية، والمستقلة كمذهب الظاهرية الذي اشتهر صاحبه الإمام ابن حزم بالانتصار للسماع.

وتوثق المدونات التراثية مثل كتاب “الأغاني” لأبي الفرج الأصفهاني، كيف كان الغناء في بيوت المدينة عملاً شائعاً في عصر الصحابة والتابعين، متتبعاً في موسوعته الخالدة وقائع ما يمكن تسميته بمصطلحات اليوم الحفلات الفنية الخاصة في بيوت الوجهاء، والقصائد المغناة لعمرو بن أبي ربيعة وقيس بن الخطيم وعبدالرحمن بن حسان وولده سعيداً، وهو الذي كان بين أشهر الأغاني من شعره قوله “يا أم بكر حبك البادي.. لا تصرميني إنني غادي. جدّ الرحيل وحثني صحبي.. وأريد إمتاعاً من الزاد”.

وكان مما ذكر الأصفهاني من قصة هذا “الصوت” حسب تعبير صاحب الأغاني، أن عمرو بن عقبة قال “خرجت أنا وأصحاب لي فيهم إبراهيم بن أبي الهيثم إلى العقيق ومعنا رجل ناسك كنا نحتشم منه وكان محموماً نائماً وأحببنا أن نسمع من معنا من المغنين ونحن نهابه ونحتشمه فقلت له إن فينا رجلاً ينشد الشعر فيحسن ونحن نحب أن نسمعه ولكنا نهابك قال فما علي منكم أنا محموم نائم فاصنعوا ما بدا لكم فاندفع إبراهيم بن أبي الهيثم فغنى (يا أم بكر ..) فأجاده وأحسنه، قال فوثب الناسك فجعل يرقص ويصيح أريد إمتاعاً من الزاد والله أريد إمتاعاً من الزاد..إلخ”.

فقهاء كانوا يحضرون رقصة العرضة

غير أن الذي اختلف في بلدٍ مثل السعودية، أن الجيل الأول من فقهائه الحنابلة حتى وإن كانوا لا يرون السماع مباحاً، إلا أنهم يغضون الطرف عن كثير مما أصبح تيار الإخوان والصحوة يتحرجون منه، هذا إن لم يعتبروه فسقاً. كما أنهم ليسوا على نسق الدعاة الجدد الذين لهم في كل موسم قول وموقف، فهم أي فقهاء السلفية العلمية أو “الوهابيين التقليديين” أمثال مفتي السعودية محمد بن إبراهيم وعبدالعزيز بن باز ومحمد بن عثيمين وعبدالعزيز آل الشيخ وصالح الفوزان وغيرهم، أوفياء لمدرستهم وليس لهم في الغالب آراء علانية وأفعال مخالفة لها في السر.

ويذكر الباحث النقيدان في حديث مع “اندبندنت عربية” كيف أن “أكابر علماء السعودية المؤسسين في نحو من عام 1356هجرية، أي قبل أكثر من 80عاماً كانوا مع الملك عبدالعزيز في مجلسه بالرياض بمن فيهم محمد بن إبراهيم والشيخ عبدالله عبد الغني خياط وغيرهما حضروا السلام الملكي والعرضة النجدية والرقصة، وكتب عن ذلك أحمد الكاظمي في مذكراته التي طبعتها دارة الملك عبدالعزيز، وكل العلماء كانوا ساكتين ولا يعترضون، لأنهم وجدوا لها تخريجاً وهي أنها رقصة الحرب، وهي لا بأس بها، والطبول في الحروب كانت مباحة، ولم يكن الفقهاء يحرمونها لأنها تبعث الحماسة في الجند والمقاتلين، ولذلك  كان الفقيه السعودي الراحل محمد ابن عثيمين يحضر السلام الملكي والعرضة النجدية، إذا كان مع الملك في عهده”. بينما جاء الجيل التالي من الدعاة ينظر إلى الأغاني الحربية والدينية برفض أشد، حتى وإن كانت من قبيل “أهيم بروحي على الرابية… وعند المطاف وفي المروتين” التي غناها الموسيقار السعودي طارق عبدالحكيم، أو قبل ذلك “نهج البردة” لأم كلثوم، إلى درجة أن الداعية عايض القرني الذي اعتذر أخيراً عن الصحوة نيابة عن كل منسوبيها ودعاتها، عندما أنشد له محمد عبده قصيدة “لا إله الا الله” بإيقاع تحاشى فيه الموسيقى، حمل  كثيرون عليه (القرني) واعتبروه فتح باباً سيئاً لا يمكن أن يغلق.

 توبيخ الداعين لمنكر الموسيقى

وبين أشهر السجالات التي دارت بين هيئة كبار العلماء والكتاب السعوديين، حول الغناء، أو “المعازف”، سجال دار في فترة ما قبل 11 سبتمبر (أيلول) في 15 أبريل 2000، عندما تناولت اللجنة الدائمة للإفتاء بالرد مقالاً للكاتب في جريدة “المدينة” السعودية أحمد المهندس دعا فيه إلى “إعادة بث أصوات المغنين والمطربين الميتين تخليداً لذكراهم وإبقاء للفن الذي قاموا بعمله في حياتهم ولئلا يحرم الأحياء من الاستماع بسماع ذلك الفن ورؤيته”. وبرر قوله ذلك بأنه “ليس في القرآن الكريم نص على تحريم الغناء والموسيقى. ولنا في رسول الله صلى الله عليه وسلم أسوة حسنة فقد كان يستمع إلى الغناء والموسيقى ويأمر بهما في الأعياد والمناسبات كالزواج والأفراح” ثم قال : “وهناك أحاديث ضعيفة يستند إليها البعض في منع الغناء والموسيقى لا يصح أن تنسب للصادق الأمين لتغليب رأي أو منع أمر لا يوافق عليه البعض”، ثم ذكر آراء لبعض الأئمة كابن حزم في إباحة الغناء.

وهو المضمون الذي جاء رد الهيئة عليه رسمياً، مرتباً في ست نقاط. وقالت:

أولاً : الأمور الشرعية لا يجوز الخوض فيها إلا من علماء الشريعة المختصين المؤهلين علمياً للبحث والتحقيق، والكاتب المدعو أحمد المهندس ليس من طلاب العلم الشرعي فلا يجوز له الخوض فيما ليس من اختصاصه ، ولهذا وقع في كثير من الجهالات، القول على الله سبحانه وعلى رسوله صلى الله عليه وسلم بغير علم، وهذا كسب للإثم، وتضليل للقراء كما لا يجوز لوسائل الإعلام من الصحف والمجلات وغيرها أن تفسح المجال لمن ليس من أهل العلم الشرعي أن يخوض في الأحكام الشرعية ويكتب في غير اختصاصه حماية للمسلمين في عقائدهم وأخلاقهم.

ثانياً: الميت لا ينفعه بعد موته إلا مادل عليه دليل شرعي ومن ذلك مانص عليه الرسول صلى الله عليه وسلم بقوله : “إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث : صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له” وأما المعاصي، التي عملها في حياته ومات وهو غير تائب منها – ومنها الأغاني – فإنه يعذب بها إلا أن يعفو الله عنه بمنه وكرمه . فلا يجوز بعثها وإحياؤها بعد موته لئلا يلحقه إثمها زيادة على إثم فعلها في حياته لأن ضررها يتعدى إلى غيره كما قال عليه الصلاة والسلام : “ومن سن في الإسلام سنة سيئة فعليه إثمها وإثم من عمل بها إلى يوم القيامة”. وقد أحسن أقاربه في منع إحياء هذه الشرور بعد موت قريبهم.

ثالثاً : وأما قوله “ليس في القرآن الكريم نص على تحريم الغناء والموسيقى فهذا من جهله بالقرآن. فإن الله تعالى قال “ومن الناس من يشتري لهو الحديث ليضل عن سبيل الله بغير علم ويتخذها هزواً أولئك لهم عذاب مهين”، قال أكثر المفسرين: معنى ( لهو الحديث) في الآية الغناء. وقال جماعة آخرون: كل صوت من أصوات الملاهي فهو داخل في ذلك كالمزمار والربابة والعود والكمان وما أشبه ذلك وهذا كله يصد عن سبيل الله ويسبب الضلال والإضلال . وثبت عن ابن مسعود رضي الله عنه الصحابي الجليل أحد علماء الصحابة رضي الله عنهم أنه قال في تفسير الآية : إنه والله الغناء . وقال : إنه ينبت النفاق في القلب كما ينبت الماء البقل . وجاء في المعنى أحاديث كثيرة كلها تدل على تحريم الغناء وآلات اللهو والطرب وأنها وسيلة إلى شرور كثيرة وعواقب وخيمة ، وقد بسط العلامة ابن القيم رحمه الله في كتابه : ( إغاثة اللهفان ) الكلام في حكم الأغاني وآلات اللهو .

رابعاً : قد كذب الكاتب على النبي صلى الله عليه وسلم حيث نسب إليه أنه كان يستمع إلى الغناء والموسيقى ويأمر بهما في الأعياد والمناسبات كالزواج والأفراح، فإن الثابت عنه صلى الله عليه وسلم أنه رخص للنساء خاصة فيما بينهن بضرب الدف والإنشاد المجرد من التطريب وذكر العشق والغرام والموسيقى وآلات اللهو مما تشمل عليه الأغاني الماجنة المعروفة الآن، وإنما رخص بالإنشاد المجرد عن هذه الأوصاف القبيحة مع ضرب الدف خاصة دون الطبول وآلات المعازف لإعلان النكاح بل صح في الحديث عنه صلى الله عليه وسلم كما في صحيح البخاري أنه حرم المعازف بجميع أنواعها وتوعد عليها بأشد الوعيد، كما في صحيح البخاري وغيره من كتب الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : “ليكونن من أمتي أقوام يستحلون الحر والحرير والخمر والمعازف، ولينزلن أقوام إلى جنب علم يروح عليهم بسارحة ـ يأتيهم ـ يعني الفقير لحاجة فيقولن: ارجع إلينا غداً فيبيتهم الله ويضع العلم ويمسخ آخرين قردة وخنازير إلى يوم القيامة” والمعازف الغناء وجميع آلاته . فذم رسول الله صلى الله عليه وسلم عليه وسلم من يستحلون الحر وهو الزنا ويستحلون لبس الحرير للرجال وشرب الخمور ويستمعون الغناء وآلات اللهو. وقرن ذلك مع الزنا والخمر ولبس الرجال للحرير مما يدل على شدة تحريم الغناء وتحريم آلات اللهو.

خامساً: وأما قوله “وهناك أحاديث ضعيفة يستند إليها من منع الغناء والموسيقى ولا يصح أن تنسب للصادق الأمين لتغليب رأي أو منع أمر لا يوافق عليه البعض”، فهذا من جهله بالسنة فالأدلة التي تحرم الغناء بعضها في القرآن وبعضها في صحيح البخاري كما سبق ذكره وبعضها في غيره من كتب السنة وقد اعتمدها العلماء السابقون واستدلوا بها على تحريم الغناء والموسيقى.

سادساً: ما ذكره عن بعض العلماء من رأي في إباحة الغناء فإنه رأي مردود بالأدلة التي تحرم ذلك والعبرة بما قام عليه الدليل لا بما خالفه فكل يؤخذ من قوله ويترك إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم. انتهى بتوقيع أعضاء اللجنة.

جدار التحريم بدأ يتحطم منذ حين

لكن تقريع الهيئة لمواطنها المهندس ليس نهاية المطاف، فهي نفسها تعرف مكانة ابن حزم الذي قللت من أهمية الاحتجاج بقوله في الغناء، ولذلك كان من بين مدرستهم فقهاء ناقشوا المسألة التي يحرمونها بالأدوات والمنطلقات نفسها، فكان هناك الدكتور سالم الثقفي  صاحب كتاب مفاتيح الفقه الحنبلي، وهو أول كتاب معاصر في مجاله، وألف في إباحة المعازف  كتاباً أسماه: “أحكام الغناء والمعازف وأنواع الترفيه الهادف”، إلى جانب الدكتور عبدالله بن يوسف الجديع الذي ألف كتابين انتصر فيهما لإباحة المعازف هما “الموسيقى والغناء في ميزان الإسلام . وأحاديث ذم الغناء في الميزان”.

أما عالم السنة الأشهر في السعودية بأسرها بعد ناصر الدين الألباني، الدكتور الشريف حاتم العوني، فكان رأيه في المسألة ونظيراتها لافتاً، بما دفع علاقته مع المؤسسة الدينية الرسمية إلى التوتر، على الرغم من انتمائه إليها فكرياً ومذهبياً، ناهيك عن عضويته في مجلس الشورى (البرلمان) مرتين على التوالي.

وكان العوني قد كتب في مناسبات عدة عن إباحة المعازف، وناقش المحرمين لها خصوصاً بعد إثارة الشيخ عادل الكلباني الجدل بالخروج عن الصمت المتعارف عليه في هذا السياق وأعلن إباحة المعازف. وهكذا شدد ابن مكة العوني في الإنكار على من لا يسوِّغ الخلاف في الغناء، وسجل قبل أشهر عدة حلقات مرئية  في مناقشة أدلة الطاعنين في الإباحة.

وقال “أنصح العلماء الذين يحرمون الموسيقى وكانوا ينكرون سواغ الاختلاف بإباحتها أن يتراجعوا الآن عن هذا الغلو في التحريم، وعن إنكار اعتبار الخلاف”، مؤكداً أن الغريب من المحرّمين أنهم “عندما يوردون حكاية تحريم الغناء قالوا المقصود به غناء بالمعازف، فإن ذكرنا لهم قولاً بإباحة الغناء قالوا: أي بلا معازف. فالغناء مرة عندهم نشيد بلا معازف، ومرة نشيد بمعازف وكل هذا بالهوى، فإن كانت العبارة دالة على الإباحة قالوا: مقصودهم الغناء بلا معازف، وعندما يأتون لتفسير (لهو الحديث) الوارد في الآية مثلاً بأنه الغناء قالوا: هو آلات المعازف، وعندما يأتون لمثل تبويب الإمام النسائي “إطلاق الرجل لزوجته استماع الغناء، والضرب بالدف”، قالوا: هذا غناء بلا معازف  فالغناء مرة عندهم بلا معازف ومرة بمعازف، بلا دليل؛ إلا استدلالا منهم بمحل النزاع”!

وفي اتصال “اندبندنت عربية” مع فقيه سعودي، لم يود ذكر اسمه، رصد للصيحفة عدداً من المؤلفات في إباحة المعازف، معتبراً إنكار الخلاف فيها، مجرد مماحكة تجاوزتها المرحلة، على حد قول الفقيه السعودي الآخر الدكتور عبدالله فدعق. ومن أبرز تلك المصنفات:

1 _ رسالة في الغناء الملهي أمباح هو أم محظور؟ طبع ضمن رسائل ابن حزم الأندلسي (456 هـ)

2 _ بوارق الإلماع في تكفير من يحرم السماع لأبي المواهب أحمد بن محمد الغزالي (520 هـ)(أخو الإمام أبي حامد الغزالي).

3 _ فرح الأسماع برخص السماع لأبي المواهب محمد بن أحمد الشاذلي التونسي (882 هـ).

4 _ إبطال دعوى الإجماع على تحريم مطلق السماع للإمام محمد بن علي الشوكاني (1255هـ).

5 _ رسالة عيسى بن عبد الرحمن الكجراتي الهندي.

6 _ الغناء والموسيقى حلال أم حرام؟ لمحمد عمارة.

7 _ فقه الغناء والموسيقى في ضوء القرآن والسنة. ليوسف القرضاوي

8 _ الموسيقى والغناء في ميزان الإسلام للشيخ عبد الله بن يوسف الجديع.

9 _ أحاديث ذم الغناء في الميزان للشيخ عبد الله بن يوسف الجديع.

الارتباط بالهوية بعيداً عن الجدل الفقهي

وبعيداً عن الجدل الفقهي يعيد الباحث السعودي أحمد الواصل الجذور المضمرة للغناء العربي للتجويد القرآني ومدارسه التي يرى أنها أسست للجذور المشتركة في أصول وفروع وفنون الأداء التي انتجت تكريس ثلاث قراءات، مشيرا إلى أن التفاعل الحضاري على مدى قرون أنتج في الجزيرة العربية تعددا في الفنون الأدائية التي تجمع بين العزف الآلي والغناء المرسل أو الإلقاء الغنائي أو المصاحب للرقص على حد تعبيره.

ويرى في كتابه الصادر عن مجلة الفيصل “الفنون المهاجرة: في استعادة المعمورة الثقافية وموسيقاها” أنه لا يمكن فك الصلة بين اتفاق الآداءات الصوتية المختلفة ففي مقام التجويد القرآني اتخاذ حركة الكتاب الكريم أساس القراءة ومكانها وحضورها ومناسبتها سواء في التعبد أو التبرك، ومن ثم في المولد النبوي قراءة السيرة النبوية وإلحاقها بالإنشاد الصوفي، في مقابل الغناء بالشعر سواء في أنماط أدائية موازية كالغناء المرسل والغناء المتقن والغناء الخفيف أو الراقص في مناسباته المرتبطة بحاجة الإنسان ترويحا في عمل أو تسلية لطفل أو احتفالا في عيد أو زواج أو سهرة.

وتستوقف الواصل رحلة العجيري في القرن التاسع عشر الميلادي التي ارتكزت على الإلقاء وأداء القصيدة العربية بما يعلو درجة القراءة وينحو باتجاه الإلقاء الغنائي المعادل للتجويد القرآني، وقد اتخذه الأمراء والوجهاء نديم الليالي وأنيس المجالس، كما كان حادي الركب وواعظ الجيش لدى الأمير محمد بن عبدالله الرشيد الذي حكم عام 1873م.

وأدى ذيوع شهرة العجيري إلى دفع الملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود إلى اصطحابه في رحلته من الرياض إلى مكة المكرمة عام 1924م، فيما يشير الواصل إلى تميز العجيري بالأداء الأمر الذي يدلل على الصلات المضمرة بين فنون الإلقاء والتجويد والأداء.

ويواصل الباحث تتبع تاريخ اشتباك الكلمة والنغمة مستعيدا القوالب الأدائية التي وصفها صفي الدين الحلي في القرن الرابع عشر الميلادي كالشعر القريض والموشح والدوبيت “المروبع” والزجل والكان وكان “المويلي” والقوما “المويلي” والمواليا.

ويرصد القوالب المؤداة الحضرية المتداولة في المدن او الحواضر، ففي شرق الجزيرة العربية توجد قوالب مادتها الشعر الفصيح وهي الاستماع والصوت العربي والصوت الخيالي، وفي غرب الجزيرة العربية هناك المجس والدانة والموشح عند فرق الصهبة.

ويؤكد على دور التراث الثقافي المادي والمعنوي في إعادة الاتزان وبناء الهوية وتكريس التضامن وإرضاء الرغبات مضيفا أن “مطالعة أجناسه وموضوعاته مثل الفنوان القولية والأدائية الحركية الأغاني والرقصات وقصص الحب والبطولة والمعجزة تكشف عن محاولات إرضاء رغبات مختلفة بموازاة حالات تأزم مختلفة أيضا، وأينما ينتقل الإنسان ينقل هذا التراث الثقافي”.

من كسر العود إلى هيئة الترفيه

ويذكر الواصل على سبيل المثال رمزية رفع الراية في فن العرضة والتي تشير إلى الاصطفاف والتحفز من الفرسان للحرب، وفي إيقاد النار والتحويط ورفع الطار إشارة إلى المشاركة والتعاضد بين الفلاحين للسمر كما في فن السامري.

وما بين “مهرجانات تكسير العود (كانت تقام على هامش المراكز الصيفية) وبطولة البلوت، ومن متطرفي ابو زقم الى معتدلي الكلباني”، حسب تعبير الكاتب السعودي الكبير عبدالرحمن الراشد، وقبل ذلك بقليل عاشت السعودية حقبة “خوف فني”، دفعت الباحثين عن إمتاع ذائقتهم السمعية إلى التفنن في إيجاد البدائل عن السماع والمعازف، فساد نظم المعلقات والمتون بالأصوات الحسنة، ثم جاءت بعدها موضة الأناشيد الدينية (خالية من الموسيقى)، والتي تطورت إلى أن غدت أشبه بالموسيقى العسكرية والسلام الوطني للتيارات الجهادية لإثارة الحماسة والحزن في النفوس وتجنيد الأتباع.

إلى أن طغت موجة “الشيلات” التي اختلفت هي الأخرى ما بين ثورية وقبلية بالمؤثرات الموسيقية ومن دونها، حتى تلاشت وعادت المعازف مجدداً تغزو المشهد، “فإذا الدنيا كما نعرفها”، حتى لم يعد لا ستفزاز المحامي السعودي عبدالرحمن اللاحم صدى بين معارضيه، وهو الذي أنشأ “وسماً” على تويتر يبعث فيه الحياة يومياً ساخراً “حولكم معازف”؟

نقلا عن: «اندبندنت عربية»

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق