رؤى

الشيخ الذي سبق طه حسين فى إثارة قضية الشعر الجاهلى

من الخطأ اختزال طه حسين في قضايا الأدب والنقد الأدبي فقط، فقد اتسعت اهتمامات وأطروحات العميد وامتدت أنشطته لمختلف مجالات النهضة الفكرية والحضارية والسياسية الأخرى. وإن كان شأن كثير من رموز النهضة في بدايات القرن العشرين، يرى الأدب أول مجالاتها، وفاتح فضائها ووعيها على الحرية والإبداع والتحقق الفردي والجمعي.

وعلى عكس الشائع، لم يكن طه حسين قطعا مع من سبقوه من رواد النهضة العربية والإسلامية وما طرحوه، سواء في قضية الشعر الجاهلي أو غيرها، لكنه كان حلقة وصل ودفعة قوية حاول خلالها استدعاء دور ديكارت في النهضة الأوربية عبر الشك المذهبي وعدم التسليم بالمسلمات والموروثات وفتح آفاق التساؤل والرؤية والمنهجية المتحررة من العاطفة ومن سجون الانغلاق.

قضية الشعر الجاهلى.. قبل طه حسين

تعد لحظة العميد طه حسين «المولود في 15 نوفمبرسنة 1889 – والمتوفي في 28 أكتوبر سنة 1973» في تاريخ ومسار النهضة الفكرية والأدبية العربية المعاصرة، صرخة وصيحة عقل، حاول أن يصنع بها ما صنعه رينيه ديكارت في مسار الحداثة الأوربية، بشعاره الشهير «أنا أفكر إذن أنا موجود»، حيث كان تأكيد الذات الإنسانية زمن ديكارت تعبيرا عن تلك الرؤية الجديدة التي حملتها البرجوازية الأوربية الناشئة الداعية للتحقق والنهوض والتخلص من سيطرة المستبد والمستغل معا، وهى الروح التي لم تتوفر لحداثتنا التي ظلت ضعيفة لا تجاوز الصراع بين الديني والمدني ولا تزال دون انتقال حقيقي للوعي وللواقع.

 وسنحاول هنا التدليل على ما نقول باستحضار قضية الشعر الجاهلي التي أثارها العميد طه حسين، سواء في كتب التراث الأدبي، عند محمد بن سلام الجمحي (ت 224 هجرية) ثم الجاحظ (ت 255 هجرية)، أو حتى قبل كتاب الدكتور طه حسن «في الشعر الجاهلي» بسنوات قليلة عند  شيخ مصري لم يأخذ حقه كثيرا، هو الشيخ محمد نائل المرصفي الذي تناول القضية بوضوح قبل حسين بتسع سنوت تقريبا، دون أن يصل بها إلى مستوى العمق الذي اتسم به تناول العميد لها.

وقد كان محمد بن سلام «147-224 هجرية» صاحب «طبقات فحول الشعراء» أول من شكك في صحة الشعر الجاهلي، حيث يقول: «إن أوائل العرب لم يكن لهم من الشعر إلا الأبيات يقولها الرجل في حاجته، وإنما قصدت القصائد وطول الشعر، على عهد عبد المطلب وهاشم بن عبد مناف» [1] ويذكر أن أول من أنشد القصائد هو المهلهل بن ربيعة، وهو ما يبدو أن الجاحظ الذي كتب كتابه «الحيوان» في آخر حياته قد اطلع عليه ونقل عنه، حيث يقول: «وأما الشعر فحديث الميلاد، صغير السن، أول من نهج سبيله وسهل الطريق إليه امرؤ القيس بن حجر ومهلهل بن ربيعة، وكتب أرسطاطاليس ومعلمه أفلاطون، ثم بطليموس وديمقراطس وفلان وفلان قبل بدء الشعر بالدهور قبل الدهور، والأحقاب قبل الأحقاب» وروى الجاحظ في إثبات كلامه شعرا غامضا لامرئ القيس، يرجح الشيخ الراحل أبو فهر محمود شاكر أنه تأثر فيه بما جاء في مسند الإمام أحمد من قول النبي- ص- وجاء في صحيح البخاري، أن «أمرؤ القيس حامل لواء الشعر إلى النار. لأنه أول من أحكمه» [2].

محمد نائل المرصفي

يبدو أن العميد كان متابعا جيدا لكل الجدل الثقافي والأدبي الذي سبقه ومستوعبا له تماما، مما أتاح له تجاوزه فيما بعد، وهو ما يفسر لنا تشابهات عديدة- مثلا- بين ما كتبه طه حسين، وما كتبه كثير من سابقيه، بدءا من القضية الأشهر والفاصلة  وهي قضية «الشعر الجاهلي» وكتابه عنها «في الشعر الجاهلي» سنة 1926، حيث نجد الارهاصات الاولى لتلك القضية  في بعض إشارات التراث عند ابن سلام وابن عبد ربه وغيرهما، لكننا  نجدها حديثا في كتاب مجهول للشيخ محمد نائل المرصفي صدر عام 1908، بعنوان «أدب اللغة العربية» عن المطبعة الحسينية في مصر، تناول  بعدها مضمونه في مقالين بعددين لمجلة الهلال ذائعة الصيت تحت عنوان «الشعر الجاهلي كيف ندرسه؟»، كان المقال الأول بتاريخ 8 مايو سنة 1916،  والثاني في عدد يونيو من العام نفسه، قبل صدور كتاب طه حسين بتسع سنوات.

 يقول المرصفي في مقدمة مقاله الأول: «لم يورثنا العرب في جاهليتهم إلا هذا التراث الخالد الذي نقلته إلينا أفواه الرواة مع شئ من التحريف والتصحيف ومن التبديل والتغيير، على نحو من الزيادة والنقصان، وهو الشعر». ثم يضيف: «فإن الرواية لم تحفظ عنهم في جاهليتهم من النثر والسجع شيئا تصح الثقة به والاعتماد عليه، إنما هي طائفة قليلة من الخطب وأسجاع الكهان والمتنبئين قلما يتفق على نصها راويان».

ويضيف: «ونحن نعلم أن الأمة العربية في جاهليتها لم تكن قط آمنة ولا وادعة، كما أنها لم تكن قط باحثة ولا مفكرة، فليس من الميسور أن تكون كاتبة أو ناثرة».

وهنا يُلاحظ استحياء المرصفي عن طرق قضية انتحال الشعر الجاهلي مباشرة..ثم ينبسط فيصف هذا الشعر بأنه الأثر الوحيد الباقي، والسبيل لدراسة حياة العرب النفسية، لكن هل نثق في روايته؟، هكذا يتساءل «محمد نائل المرصفي» قائلا: «فسوء الظن في الرواية نتيجة لازمة لرقي البحث، وملكة التحقيق العلمي، ولما حدث في هذه العصور، من استحالة الحياة العقلية الخالصة، وشدة سلطانها على ملكات الإنسان كافة». يشير المرصفي إلى تشكيك المؤرخين الأوربيين في الأكثر من تراثهم بهدف التحقق من صحته، كما يشير إلى عدم شيوع الكتابة وغياب التدوين عند العرب، بسبب موت الرواة أثناء الفتوح، وما وقع في نفوس الناس من الزهد، كما يشير إلى ظهور وانتشار طائفة القصاص ثم انتحال الرواة ،وهو ما مثل ببعضهم مثل ابن إسحاق وابن منبه والواقدي وغيرهم فيما نسبوه للصحابة والجاهلية بل ولعاد وثمود وآدم ونوح.

 ويخلص المرصفي في ختام مقاله إلى ضرورة الشك في صحة الشعر الجاهلي، وأنه شك في محله تماما، قبل الاعتماد عليه في قراءة حياة العرب قبل الاسلام

وهكذا يتضح الشبه الكبير بين ما طرحه الأستاذ محمد نائل المرصفي وبين ما فصلّه وعمقّه طه حسين في كتابه «في الشعر الجاهلي» بعد ذلك بسنوات.. وهو ما يطرح علينا سؤالا مهما حول ما تجاوز فيه العميد السابقين في هذه القضية؟

تشابه لا ينفي التجاوز

كان العميد في تناوله للقضية نفسها أكثر شجاعة و توسعا، كما أنه كان أكثر حسما بأن الشعر الجاهلي لا يمثل الصورة الصحيحة للحياة الجاهلية قبل الإسلام، كما أعطى لمنهج الشك بالمفهوم الديكارتي الحديث مكانته في تناول بعض الروايات الشهيرة والمتواترة حول هذا التاريخ قبل الاسلام، بدءا من قصة هجرة اسماعيل لأرض العرب.

كذلك كان طه حسين قادرا على تجاوز نفسه وتجاوز الآخرين، مؤمنا بالتطور وعدم التيبس عند رأي محدد سابق منه أو عليه، فقد تراجع جزئيا مثلا في كتابه «في الشعر الجاهلي» عما سبق أن سطره في مقالاته الراديكالية التي أنكر فيها أي وجود تاريخي لشاعرة مخضرمة شهدت الجاهلية والإسلام كالخنساء في مقالاته عام 1915 على صفحات مجلة «السفور» بعنوان (إلى الآنسة صبح)[3]، لكنه في الكتاب وثّق وجود شعر المخضرمين عامة، وفي مقدمتهم الخنساء، وهو الموقف الذي نظن أنه اطلع فيه على ما كتبه محمد نائل المرصفي[4]، لكن بصورة أكثر عمقا ورؤية، فالواضح أن المرصفي رغم عقلانيته التاريخية الواضحة في كتابه أو في مقالاته، إلا أن طه حسين تجاوزه بأن جمع الحسنيين بعمقه في التراث والمعاصرة وتأكيد الحجة بأسباب مختلفة، ناهيك عن التفرد باستخدام منهجية الشك المنهجي الحديثة في التعامل مع النصوص التاريخية، لأول مرة في الكتابة الفكرية العربية الحديثة.

لا نريد هنا – كيلا يخطئ مخطئٌ الفهم- غير إثبات استيعاب طه حسين لجهود السابقين عليه في قضية الشعر الجاهلي وغيرها ،وإبراز قدرته على إحداث القطيعة المعرفية التي تستوعب وتتجاوز في آن.

وتبقى ملاحظة أخيرة وهى أن كتابات طه حسين الشاب بدت أكثر حماسة بلا شك من كتابات حسين الشيخ، لكنه كان في كل الأحوال يحاول إبصار ما لا يبصره الآخرون والانتقال بالمسائل بعيدا عن السطح الممكن والمقبول نحو العميق الكامن والمسكوت عنه.. وهكذا كان.. استيعابا وتجاوزا في آن واحد وهى سمة المبدعين الحقيقيين في كل عصر.  

______________________

[1] انظر

[2] انظر كتاب الشيخ محمود شاكر، قضية الشعر الجاهلي في كتاب ابن سلام، ط1 مطبعة المدني بجدة بدون تاريخ، ص 11.

[3] انظر: إشارة الدكتور محمد أبو الأنوار إلى ذلك في كتابه (الشعر العربي الحديث في مصر)، (ص/ 61 – 64)، مكتبة الشباب، (ط. 1)، (1996 م).

[4] يبدو أنه توفي في الخمسينيات من القرن الماضي، وكان ناشطا منذ العقد الاول من القرن العشرين، وأخرج مجلة الجديد وشهر زاد، وصحح كتاب كليلة ودمنه، وعني بضبط غريبه وتفسيره، وبيان ما فيه من أسماء الحيوان والطير، وكتب مقدمة الكتاب، وترجم لعبد الله بن المقفع الذي نقله إلى العربية

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: