منوعات

مصطفى كامل ومحمد فريد.. مناضلان تحابا في الوطن

قبل 100 عام، وتحديدا في مساء السبت 15 نوفمبر وتحت سماء العاصمة الألمانية برلين الباردة فاضت روح الزعيم الوطني محمد فريد، بعد حياة حافلة قضى معظمها على أرض مصر يناضل ضد الاحتلال البريطانى مع رفيق كفاحه الزعيم مصطفى كامل. وبعد وفاة الأخير حمل محمد فريد لواء الحركة الوطنية منذ عام 1908، زعيما للحزب الوطني نفاذا لوصية كامل.

خلال سنوات نضاله في مصر لقى فريد من عنت السلطات ومضايقاتها ما دفعه إلى الهجرة من البلاد فى 26 مارس 1912، حيث واصل العمل من أجل مصر فى تركيا وفى الدوائر السياسية الأوربية، حتى وافاه الأجل المحتوم.

وأثناء وجوده في ألمانيا، وحين ثقل عليه المرض وأحس بدنو الأجل، أرسل محمد فريد إلى صديقه إسماعيل لبيب، الذى كان يقيم بجنيف، خطاباً فى 11 سبتمبر 1919 يطلب منه سرعة الحضور إلى برلين ليقضي معه بعض الساعات ويتحدث إليه في أمور يريد الإفضاء بها قبل وفاته، فلبى الصديق دعوته. وحين التقى به فى برلين طلب منه فريد أن يتسلم صندوقاً أودعه عند سيدة ألمانية كان يسكن عندها وأوصاه أن يحافظ عليه وأن يحمله إلى مصر ليسلمه إلى إبنه عبد الخالق فريد. كان الصندوق يضم مذكرات وأوراق الزعيم الراحل.

نفذ الصديق الوصية بعد الوفاة، وحمل الأمانة إلى مصر وحفظها لديه حتى يشب نجل الفقيد عن الطوق فيسلمه تراث أبيه، لكن القدر يأبى الإ أن يحرم إسماعيل لبيب من الوفاء بوعده كاملا، فينتقل إلى جوار ربه، وتقوم السيدة أرملته بتسليم الأمانة إلى عبد الخالق فريد.

 مذكرات محمد فريد

في تلك المذكرات التي حققها المؤرخ الدكتور رؤوف عباس حامد ونشرت طبعتها الأولى عام 1975، دوّن فريد الأحداث الكبرى التي مرت بمصر، وكان شاهدا عليها منذ نهايات القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين، كما روى العديد من المواقف والقضايا التي كان هو بطلها.

في السطور القادمة نتوقف عند ما دونه فريد عن علاقته بالزعيم مصطفى كامل.. متى بدأت وكيف توطدت العلاقة وما سر الثقة التي أولاها كامل لصديقه الوفي الذي لازمه ودعمه أدبيا وماديا، وهي الثقة التي دفعته لاختياره وكيلا للحزب الوطني ثم أوصى بخلافته في زعامة الحزب من بعده؟

في كتابه «محمد فريد رمز الإخلاص و التضحية» يروي المؤرخ عبد الرحمن الرافعي أن العلاقة بين فريد والزعيم مصطفى كامل بدأت منذ سنة 1893 لاتفاقهما في الميول والمبادئ، ويشير إلى أن عرى الصداقة بينهما توثقت على مر السنين، حيث  «صار فريد زميل كامل المخلص وصديقه الوفي وعضده الأكبر في بعث الحركة الوطنية، لازمه وأيده في جهاده وبذل له ما بذل من العون الأدبي والمادي وظل وفيا له طول حياته، وصحبه في كثير من رحلاته، واجتمعا بها معا برجال السياسة والصحافة وكتابها المشهورين، وناب عنه في صيف 1907 في الإشراف على اللواء وإدراة جريدتي (ليتندرا إجيبسيا) و(ذي إجيبشيان استاندرد) حينما سافر كامل إلى أوروبا، وكان يراه خليفة له في قيادة الحركة الوطنية، فاختاره وكيلا للحزب الوطني في أول جمعية عمومية له، وأوصى بانتخابه رئيسا من بعده».

استند الرافعي في تحديد تاريخ علاقة الزعيمين على ما أورده محمد فريد في مذكراته التي أشار فيها إلى أنه تعرّف على رفيق دربه في 1893. لكن يبدو أن علاقة فريد بمصطفى كامل – فى ذلك الحين– كانت علاقة سطحية، وربما اقتصرت على متابعة ما كان يكتبه الأخير فى «مجلة المدرسة»، وفقا لما أوضحه المؤرخ رؤوف عباس الذي استدل على ذلك بأن فريدا لم يشر فى مذكراته إلى مصطفى كامل عند ذكره لمجلة «المدرسة».

ويقول حامد إن فريد كتب فى إحدى الكراسات التي كان يدون فيها يومياته في أبريل 1893 كثرت الجرائد العلمية المصرية فمنها الشرائع ويحررها جماعة من طلبة الحقوق، والهدى والنديم والتلميذ والمدرسة ويحررها أيضاً تلامذة من هذه المدرسة -يقصد الحقوق-، ولم يذكر أسماء أولئك التلامذة كذلك لم يرد ذكر مصطفى كامل بهذا القسم من المذكرات حتى نهاية 1895، رغم حرص محمد فريد على تدوين أخبار أصدقائه كأحمد زكى الذى يحرص على أن يذكره بـ «أخينا أحمد أفندى زكى»، وإدريس راغب، وإسماعيل عاصم، وغيرهم ممن كانوا أقل شأناً من مصطفى كامل.

وقد أشار محمد فريد فى خطبته تلك إلى أنه وطد صداقته بمصطفى كامل حين التقى به فى باريس عام 1895 قبل أن يلقى الأخير خطبته السياسية بمدينة تولوز في 4 يوليو، كذلك أشار فى رثائه لصديقه محمود لبيب محرم أنه تعاهد معه ومع مصطفى كامل فى عام 1896 على خدمة الوطن حتى الممات.

  ويشير رؤوف عباس إلى أن «فى المذكرات ما يؤيد ذلك، فقد ترك محمد فريد الصفحات من 99 حتى 106 من المخطوط بيضاء ليسجل عليها أخبار رحلته إلى أوربا فى صيف 1895 والتى ربما كانت تتضمن أخبار لقائه بمصطفى كامل فى فرنسا، ولكنه لم يدونها لسبب لم يكشف عنه النقاب»,

بدأ فريد بذكر أخبار مصطفى كامل في تدوينه يوم 29 فبراير 1896 فذكر أنه قد نشر بجريدة المؤيد صورة جواب مرسل من الوطنى الصادق مصطفى أفندى كامل إلى المستر وليام إيوارت جلادستون زعيم حزب الأحرار البريطاني السابق.. ثم استطرد فى سرد الخبر دون أن يعلق عليه كعادته التى التزمها فى المذكرات من التعليق على الأنباء التى يرى أنها ذات أهمية خاصة، وهو ما فعله عندما ذكر مصطفى كامل للمرة الثانية فى المذكرات يوم 15 أبريل 1896، إذ يشير إلى الخطبة التى ألقاها مصطفى كامل باللغة الفرنسية على مسرح زيزينيا بالإسكندرية، ويذكر أن المدعوين «خرجوا شاكرين هذا الشاب على مساعيه الوطنية كللها الله بالنجاح».

وينتقل فريد بعد ذلك إلى ذكر حادث تقديم على فهمى كامل شقيق مصطفى كامل إلى المحاكمة بتهمة التهرب من الخدمة العسكرية وكان ضابطاً بالجيش، ويعقب على ذلك بقوله إن ذلك كان «إنتقاماً من أخيه.. لا لذنب جناه بل لكونه أخو مصطفى كامل». ويستمر فريد فى تتبع أخبار مصطفى كامل وسفره إلى أوربا فى مطلع 1896، وتنقله بين باريس وبرلين وفيينا والآستانة.

 بعد أن استقال محمد فريد من خدمة الحكومة في 19 نوفمبر 1896 احتجاجاً على نقله إلى بنى سويف بسبب حضوره محاكمة الشيخ على يوسف وتوفيق أفندي كيرلس فيما عرف بقضية التلغرافات، عبر عن ارتياحه للتخلص من خدمة الحكومة «التى لا تقبل الإ كل خاضع لأوامر الإنجليز ميت الإحساس غير شريف العواطف»، ثم يذكر بعد ذلك عودة مصطفى كامل من رحلته ويقول أن الجرائد الألمانية بفيينا وبرلين ذكرت عنه «ما يشجع كل وطنى على الاقتداء بمثله وإتخاذه قدوة حسنة».

علاقة وطيدة

ويشير رؤوف عباس إلى أن ما ذكره فريد في يومياته يؤكد على أن ثمة علاقة وطيدة قامت بين الرجلين خلال عام 1896 بعد أن التقيا في أوربا فى صيف 1895، وأن مشاركة محمد فريد فى العمل الوطنى بدأت منذ ذلك التاريخ، إذ يذكر فريد فى رثائه لصديقه محمود لبيب محرم أن أول عمل شرع فيه مع مصطفى كامل ولبيب محرم بعد أن تعاهدا على خدمة الوطن، هو تأسيس جريدة أسبوعية باللغتين الفرنسية والألمانية، وكان يديرها شاب ألمانى هو هنس رزنر، وتولى تحرير الجزء الأكبر منها محمود لبيب بدون توقيع، واستمرت الجريدة فى الظهور حتى مات رزنر، فترجم ثالثتهم الكتاب الذى كان قد ألفه رزنر بالفرنسية عن المسألة المصرية.

لكن محمد فريد لم يحدد تاريخ صدور تلك المجلة، ولم يذكر عنوانها حتى نقف على تاريخ بداية عمله مع مصطفى كامل من أجل القضية الوطنية، بحسب ما أورد عباس: «كما لم يرد بالمذكرات أية إشارة إلى هذا العمل المبكر، ولعل تلك الجريدة تكون قد صدرت بعد يونيو 1897 التى ينتهى عنده هذا القسم من المذكرات».

اقرأ أيضا:

رسائل  كامل إلى فريد

توالت الخطابات من مصطفى كامل فى أسفاره إلى محمد فريد، ويرجع أقدمها بحسب ما نشره الرافعي في كتابه إلى 21 أكتوبر 1896، وفيه يتحدث مصطفى كامل عن نشاطه ببرلين، وتنم عبارته عن مدى ما كان يكنه لفريد من ود ومحبة؛ وكان يحرص على موافاته بتفاصيل نشاطه فى عواصم أوربا، وكانت بعض تلك التفاصيل مما يعده سراً لا يؤتمن عليه سواه، وكثيراً ما كان يطلب منه أن يمده بالمال حين يحتاج إليه. كما تدل الخطابات على أن محمد فريد أقرضه أكثر من مرة، وقدّر له مصطفى كامل هذا الإخلاص والتضحية.

أما الخطاب الثاني الذي أرسله مصطفى كامل إلى فريد فكان من العاصمة المجرية بودابست في 26 أكتوبر عام 1896، أشاد فيه بحبه وإخلاصه للوطن وأطلعه على مناقشاته وكلماته عن القضية المصرية «لابد وأنك استملت كل ما أرسلت إليك وطالعت صدى ما عملت وكل ما جرى وكان، ولابد أنك سررت وفرحت، وأن روحك الطاهرة الشريفة المملتئة حبا لمصر وإخلاصا، رضيت عن روح لا تقل عنها حبا للوطن وإخلاصا، وأخالك تفكر كثيرا في، وتود لو تكون معي تطوف البلدان مناديا بنصرة المظلوم رافعا صوتك ضد عدو الوطن الأسيف»,

وكتب إليه ضمن خطاب له من الآستانة في 3 نوفمبر سنة 1896 يقول: «كنت أحس بواجب مراسلتك ويسهل شوقي إليك قيامي بهذا الواجب نحوك، وأتلذذ حقا لمكاتبة صديق مثلك مودته محبة للوطن العزيز، أي أشرف وأجل إحساس عند الإنسان».

وعندما انتقل إلى باريس راسله في 19 يوليو منعام 1898، قائلا: «لقد أدهشني في كتابك شكرك لي على مبادرتي بإجابة طلبك، إن هذا الشكر من غيرك جميل وواجب، ولكنه منك غريب وعجيب، فما بيننا من الود والإخاء يجعل مالك مالي ومالي مالك، وحياتي حياتك وحياتك حياتي، هذا ما اعتقد وما تعتقده أنت، فروحي تناجي روحك بالود والإخلاص في كل لحظة وفي كل آن، دمت أخا وفيا صادقا، ودمت معي خادمين صادقين للوطن المحبوب».

وفي يوليو من عام 1898 كتب كامل إلى فريد خطابا آخر يطلب منه أن يرسل إليه عدد جريدة المؤيد المؤرخ 9 يناير من هذه السنة، والمنشور به الخطبة التي ألقاها على شبيبة المدارس يوم احتفالها بعيد جلوس الخديوي، لأنه في حاجة إلى ترجمتها ووضعها مع مجموعة يود نشرها. وأوصاه بأنه إذا التقى أحمد بك شوقي (أمير الشعراء) أن يقبله مرتين «قل له أن يرسل لي ما طبع من ديوانه مع صورته وأعطه عنواني».

وفى 26 أغسطس 1898 بعث كامل بخطاب آخر إلى فريد جاء فيه: «فحقاً أنت الأخ الصادق الذى يضحي بنفسه فى محبة إخوانه، فدم لى يا مثال الوفاء، وأعتقد أبد الدهر أن لك فى أصدق الناس كافة وأوفاهم إليك، فحياتى لك بعد الوطن العزيز».

وتفيض رسائل مصطفى كامل إلى صديقه محمد فريد إخلاصا وحنانا، وتظهر مبلغ ما كان يجمع بينهما من روابط الأخوية والوطنية التي دامت بين الصديقين طوال سنين النضال، وجعلت منهما بطلين عظيمين بعثا في النفوس الوطنية والإخلاص.

كان مصطفى كامل يرى في فريد خير خلف له في قيادة الحركة الوطنية، وكثيرا ما أنابه في إدارة الحزب وأذرعه الإعلامية، ودعا إلى اختياره وكيلا للحزب في أول جميعة عمومية، وأوصى بانتخابه رئيسا من بعده، وبالفعل تم انتخابه رئيسا بعد رحيل مصطفى كامل في فبراير من عام 1908.

وكان أول عمل للزعيم محمد فريد بعد وفاة صديقه مصطفى كامل إصدار بيان إلى الأمة تحت عنوان «رثاء الحزب الوطني لرئيسه فقيد الوطن والشرق» قال فيه: «فقدت البلاد موجد الحركة الوطنية الحالية ومؤسس النهضة الحرة في مصر الجديدة ألا وهو المرحوم مصطفى كامل باشا».

وأضاف فريد في رثائه لصديقه الراحل: «إن موته أصاب الأمة بأسرها في أعز عزيز لديها، وألبسها ثياب الحداد، فالرجال والشبان والأطفال والسيدات في خدرهن يبكون بطل الجهاد السلمي، جهاد الضعيف المحق ضد القوي السالب، جهاد العدالة ضد قوة الغشوم».

وختم رثائه قائلا: «مات رئيسنا ولكن لم تفارقنا روحه، وسنستمر بإرشاده الروحي في العمل الذي ابتدأه حتى نصل إلى الغاية التي كان ينشدها وذكرها وكررها في كتاباته وخطبه، مات رئيسنا لكن البذور التي ألقها قد أنبتت ونمت ولا يمضي زمن طويل حتى تجني البلاد ثما رغراسه، وسيحافظ الحزب الوطني على بقاء لواء الوطنية يخفق كما كان يحمله الفقيد.. وستبقى غايتنا مصر للمصريين كما كانت من قبل ويبقى مبدؤنا أحراء في بلادنا كرماء لضيوفنا».

اقرأ أيضا:

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق