منوعات

ضريبة أن تكوني إمراة.. العنف السياسي ضد النساء في مناطق الصراع (2 – 2)

*د. رودابيه كيشي – مدير الأبحاث في مشروع “أماكن الصراعات المسلحة وبيانات الأحداث” (ACLED).

*ريبيكا توركينجتون – نائب مدير برنامج “المرأة والسياسة الخارجية” بمجلس العلاقات الخارجية.

*عرض وترجمة: أحمد بركات

بعيدا عن الطرق الرسمية المباشرة التي تشارك المرأة من خلالها في العمل السياسي – مثل الترشح في الانتخابات، أو الانتماء إلى الأحزاب السياسية، أو المشاركة في العمليات الانتخابية، أو تقلد المناصب الحكومية – يمكن للنساء المشاركة في العملية السياسية عبر طرق أخرى غير مباشرة، مثل المشاركة في المظاهرات، إلا أن هذا لا يعفيهن من التعرض للعنف الموجه.

ففي موزمبيق – على سبيل المثال – خرجت عضوات من حركة «المقاومة الوطنية الموزمبيقية» المعارضة في مسيرة، لكن الشرطة تدخلت بقوة مفرطة، مما أسفر عن اغتصاب امرأة وتعرض أخريات لضرب مبرح.

وفي السودان، استهدفت قوات الجيش، إلى جانب قوات الدعم السريع شبه العسكرية، أحد الاعتصامات، مما أسفر عن مقتل أكثر من 100 من المشاركين، وجرح مئات آخرين، واغتصاب ما لا يقل عن 70 امرأة، ولا يزال عدد من النساء في عداد المفقودين.

وتواجه الناشطات أيضا مخاطر بالغة. ففي المكسيك، تفيد منظمة Front Line Defenders أن هجوما وقع ضد ناشطة وقائدة اجتماعية كانت تقود قضية للدفاع عن حقوق الأرض؛ مما أسفر عن مقتلها. وفي كولومبيا، أدى هجوم إلى مقتل قائدة اجتماعية وناشطة في مجال حقوق المرأة.

إرهاب نفسي

لا يمثل هذا النمط من العنف مجرد خطر أمني على نساء بعينهن يرغبن في توصيل أصواتهن، وإنما قد يترك آثارا مخيفة على مشاركة المرأة بوجه عام على نطاق واسع. فالعنف السياسي الموجه ضد المرأة غالبا ما يتخذ شكل أنماط سلوكية «تستهدف النساء من حيث كونهن نساء من أجل إجبارهن على العزوف عن المشاركة السياسية»، كما كتبت منى لينا كرووك في بحثها المعنون Gender and Political Violence in Latin America (النوع والعنف السياسي في أمريكا اللاتينية).

ويمكن أن يتخذ هذا النمط من العنف أشكالا متعددة، مثل «الجريمة التي تحمل رسالة» بهدف إرهاب المرأة وإبعادها بشكل  قاطع عن المشاركة. كما يمكن أن يتجاوز حدود النساء اللاتي تمارسن العمل السياسي فعليا إلى المرأة بوجه عام لإقصائها عن المشاركة في الفضاء السياسي العام.

وبرغم ندرة البحوث – على الأقل حتى الآن – التي ترصد تأثير العنف السياسي على خيارات المرأة فيما يتعلق بالمشاركة السياسية، فإن هناك العديد من الأدلة القائمة والقاطعة التي ترويها التجارب الشخصية وروايات شهود العيان، إضافة إلى دراسات مسحية حديثة تقرع بقوة أجراس الخطر. فقد كشفت دراسة أجراها «الاتحاد البرلماني الدولي» أن واحدة من كل خمس برلمانيات قد تعرضت لعنف جسدي، كما أن أكثر من 80% من البرلمانيات المُستطلعات قد واجهن إرهابا نفسيا، خاصة عبر الإنترنت. وبحسب «المعهد الوطني الديمقراطي»، تسهم حوادث العنف السياسي في تراجع الفترات الزمنية التي تبقى فيها النساء على قوة العمل مقارنة بنظرائهن الرجال في كل من آسيا وأمريكا اللاتينية. كما كشفت «المؤسسة الدولية للأنظمة الانتخابية» عن أن «73% من النساء عبر الإنترنت قد تعرضن أو واجهن فعليا نوعا ما من العنف السيبراني … يهدف [هذا العنف] إلى إسكات أصوات النساء، ومنعهن من ممارسة حقوقهن المدنية والسياسية». يسهم العنف أيضا في منع المرأة من رؤية أي دور مستقبلي يمكن أن تضطلع به؛ فقد كشفت دراسة مسحية أجريت في أستراليا أن حوالي 60% من النساء المُستطلعات – اللاتي تراوحت أعمارهن بين 18 إلى 21 عاما – أن المعاملة التي تلقاها السياسيات تجعلهن يترددن قبل الترشح لأي منصب.

 كما كشفت دراسة شملت أكثر من 10 آلاف فتاة من 19 دولة أن تسع فتيات من كل عشر يعتقدن أنهن سيعاملن بقسوة، وسيتعرضن للتحرش الجنسي حال سعيهن وراء فرص تبوء مناصب قيادية.

المرأة والعنف والسلام

بدون مشاركة نسائية تزداد احتمالات فشل عمليات السلام والتحولات التي تعقب انتهاء الصراعات. ولتحقيق الأهداف الطموحة التي تنص عليها “الاستراتيجية الأمريكية المعنية  بالمرأة والسلام والأمن”، يجب أن يلقى العنف السياسي الموجه ضد المرأة مزيدا من الاهتمام، وأن يخصص له مزيد من الموارد. كما يتعين على وزارتي الخارجية والدفاع والوكالة الأمريكية للتنمية الدولية ضمان الاعتراف بالمخاطر الأمنية كجزء من خطط تنفيذ الاستراتيجية، بما في ذلك عن طريق تخصيص ميزانيات كافية في برامج المشاركة السياسية لمراعاة الاحتياجات الأمنية للمشاركات. إضافة إلى ذلك، يجب أن تدعو البعثات الأمريكية إلى الهيئات متعددة الأطراف إلى إدراج العنف السياسي الموجه ضد المرأة باعتباره انتهاكا محددا لحقوق الإنسان، وذلك على غرار القرارات المستقبلية الي ستصدر عن مجلس الأمن بالأمم المتحدة بشأن المرأة والسلام والأمن.

كما يجب على وزارة الخارجية لأمريكية أيضا وضع مؤشر محدد لمتابعة العنف السياسي الموجه ضد المرأة، واستخدامه لإثراء برامج المرأة والسلام والأمن، وتحقيق الاستقرار في حقب ما بعد الصراعات. كذلك يجب أن تهتم برامج التدريب وسائر أعمال تعزيز الديمقراطية التي تدعمها وزارة الخارجية الأمريكية و«الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية» و«الصندوق الوطني للديمقراطية» بطرق الانحياز الجندري، التي يمكن أن يؤثر من خلالها العنف على المشاركة السياسية للمرأة في البيئات الأكثر تأثرا بالصراعات، خاصة أن بعض أنماط العنف، مثل العنف الجنسي، والعنف الغوغائي، وعمليات الاختطاف، والاختفاء القسري تقع جميعها بدرجة أكبر في إطار العنف الذي يستهدف المرأة.

كما يجب أن تتعاون هذه البرامج التدريبية وذلك التعزيز الديمقراطي مع مراقبي الانتخابات وقادة الأحزاب وأجهزة الشرطة ومؤسسات المجتمع المدني لمنع العنف الموجه ضد المرأة، والتعامل معه على النحو الأمثل حال حدوثه.  

وتميط البيانات الجديدة التي تم جمعها من خلال مشروع «أماكن الصراعات المسلحة وبيانات الأحداث» (Armed Conflict Location & Event Data project) اللثام عن كثير من الحقائق الخاصة بالعنف السياسي الموجه ضد المرأة، وتقدم أداة مهمة لسبر أغوار هذه التوجهات، على الأقل على المستوى الكمي، ورصدها بدقة، لكن يبقى من الأهمية بمكان دعم مثل هذه المبادرات من أجل ضمان استمرار عمليات جمع البيانات ورصد المخاطر على المدى الطويل. ويمثل العمل مع المنظمات المحلية في الدول الأكثر تأثرا بالصراعات أهمية خاصة في عملية جمع البيانات، ليس فقط لضمان الحصول على معلومات موثوقة، ولكن أيضا من أجل دعم المنظمات التي تستطيع بدورها دعم المرأة على أرض الواقع. كما يجب أن تتواكب زيادة جهود التمويل من أجل عمليات جمع بيانات وإجراء بحوث أكثر استدامة مع زيادة تمويل شركاء المجتمع المدني، خاصة على مستوى الحركات القاعدية. 

إن العنف السياسي الموجه ضد المرأة يمثل – بلا شك – استراتيجية سياسية واعية تشارك فيها جهات فاعلة تضمن لنفسها الحصانة والإفلات من العقاب؛ ومن ثم، يجب التعامل مع هذه الاستراتيجية بمزيد من الحزم باعتبارها عائقا يحرم المرأة من حقها في المشاركة الكاملة والهادفة، وتنفيذ السياسة الأمريكية المعنية بالمرأة والسلام والأمن.

*هذه المادة مترجمة. يمكن مطالعة النص الأصلي باللغة الإنجليزية من هنا 👉

الوسوم

أحمد بركات

باحث و مترجم مصرى

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق