فن

مسرح فيروز.. الانتصار للبسطاء بالغناء

أغلب الظن أن تاريخ المسرح حين يُكتب ذات يوم وُيقدم للأجيال القادمة، فسيحتل الرحابنة مكانة بارزة فيه، فعبر مسيرة طويلة من الإبداع الفني، تمكن الأخوان منصور وعاصي الرحباني من الاستفادة من موروث المسرح الغنائي الذي وضعه مبدعون سابقون، كالشيخ سيد درويش والشيخ سلامة حجازي وأضافوا إليه الكثير.

ولعل الإضافة الأبرز للأخوين رحباني تمثلت في الصوت الملائكي الذي لعب دور البطولة في أغلب إنتاجاتهم المسرحية وكان عامل الجذب الأساسي للجمهور.

نهاد وديع حداد التي عرفها جمهورها باسم فيروز لم تكن فقط نجمة هذا المسرح الغنائي، وانما كانت في كافة المسرحيات رمزاً لفكرة أراد الرحابنة إيصالها عبر ما صاغوه من أشعار وألحان، وما صمموه من استعراضات.

جسر القمر

مع مطلع الستينات تقريباً انطلق مسرح الرحابنة وفيروز، وكانت باكورة إنتاجهم مسرحية «جسر القمر» التي قدمت في كل من دمشق وبيروت عام 1962.

حملت المسرحية قدرا من السخرية من العداوات العربية- العربية التي صورها النص المسرحي ،كعداوات تافهة وغير معروفة السبب ،وأنها تُعيق العرب الذين رمز لهم العرض بأهالي قريتين متجاورتين عن الوصول للـ«كنز» الحقيقي أي إلى إمكانياتهم الهائلة التي أضاعها الشقاق..

وفي العام التالي، أبدع الرحابنة مسرحية «الليل والقنديل» التي حملت تساؤلات عن فكرة الفطرة البشرية، وعن تزامن وتجاور الخير والشر داخل الإنسان، وذلك من خلال شخصية اللص «هولو» الذي يحاول السطو على ممتلكات أهالي إحدى القرى ويزعجه للغاية القنديل الذي وضعه أهل القرية حيث أنه يصعب عليه مهمته.

إلا أن تعاطف منتورة (فيروز) مع هولو وإيواءها له دون أن تعرف هويته الحقيقية، يكشف جانباً أخر من شخصيته، فهو لم يولد سارقاً وإنما لجأ إلى حياة اللصوصية هرباً من ظلم حاق به.

بياع الخواتم

فكرة مماثلة نجدها في مسرحية «بياع الخواتم» عام 1964 والتي تحولت لاحقاً على يد يوسف شاهين إلى فيلم يحمل نفس الإسم. في «بياع الخواتم» يدين الرحابنة صراحة تلاعب السلطة ممثلة في شخص مختار القرية (نصري شمس الدين) بوعي العامة، فالمختار لكي يُقوي مكانته بين أبناء القرية إختار شخصية وهمية أسماها راجح وأوهم الأهالي أن راجحا هذا مجرم خطير وأنه -أي المختار- الوحيد القادر على حمايتهم منه.

تدرك ريما (فيروز) كذب خالها المختار، لكنها تستمر في مسايرة هذه الكذبة التي تتحول رويدا رويدا إلى حقيقة، حيث يستغل شابان من أبناء القرية هذه الشخصية الوهمية وينسبان إليها ما اقترفاه هما من جرائم. في المقابل، يظهر راجح الحقيقي ويتضح أنه مجرد رجل هرم طيب يعمل بائعاً للخواتم، وهو ما يسبب حرجاً حقيقياً للمختار.

علاقة الفرد بالسلطة التي بدت واضحة في «بياع الخواتم» ظلت تيمة أساسية في مسرحيات فيروز التالية، مثل «هالة والملك» عام 1967. هنا أيضاً نلحظ قدراً من السخرية من فكرة «المُلك» في حد ذاتها، فالمٌلك في «هالة والملك» ليس سوى قناع يضعه البعض ويكسبهم صفة تجعل الآخرين يهابونهم وينافقونهم.

يسعى العرض إلى تكريس هذه الفكرة، فهالة البسيطة يظنها الأهالي أميرة لمجرد أنها ارتدت قناعاً، والملك يتنكر في زي شحاذ ليعرف الحقيقة التي لا ينطق بها أي من المحيطين به.

الشخص.. السلطة

يذهب الرحابنة إلى ما هو أبعد من ذلك في مسرحيتهم «الشخص» عام 1968، فالسلطة هنا تختزل وتختصر في فرد واضح لا يشار إليه بلقب أو صفة محددة وإنما ببساطة بوصفه «الشخص» وهو رمز للسلطة المطلقة. إلا أن هذه السلطة المطلقة، وفقا للمحيطين بها، تتهددها- وياللسخرية- بائعة بسيطة تلعب دورها فيروز تمر من ميدان تقام فيه مأدبة للشخص، الأمر الذي يتسبب في مغادرته للمكان.

وبطبيعة الحال، يرى من حول الشخص أن البائعة إرتكبت جرماً فادحا لا بد أن تُحاكم وتُعاقب بسببه، لكن الطريف هنا أن الشخص يظهر في نهاية المسرحية ليتضح أن المقربين منه كانوا ملكيين أكثر من الملك، وأنه في واقع الأمر أعجب بغناء البائعة وليس العكس.

أما «يعيش يعيش» التي أبدعها الأخوان رحباني لفيروز في 1970، والتي على عكس المسرحيات السابقة جاءت كئيبة وسوداوية بامتياز، فعكست أجواء الانقلابات التي شهدها أكثر من قطر عربي في ذلك الوقت.

تتناول المسرحية قصة إمبراطور في بلد متخيل ينقلب عليه معاونوه فيتخفى ويلجأ إلى البسطاء وعلى رأسهم الفتاة الذكية هيفا (فيروز)، وعبر شبكة علاقات أسسها متخفياً ينجح في الوصول مرة إلى سدة الحكم عبر إنقلاب آخر، إلا أنه يتنكر لكافة وعوده السابقة.

مرة أخرى هنا، يؤكد الرحابنة على أن للمٌلك صفات منفصلة عن أي حاكم ،وأن هذه الصفات سرعان ما تسيطر على الحاكم أياً كانت شخصيته.

صح النوم

وفي «صح النوم» التي قُدمت عام 1971، يسخر الرحابنة من البيروقراطية الحكومية في أسوأ أشكالها، والتي تتمثل هنا في الوالي الذي لا يمكن أن يتم أي أمر في ولايته إلا إن وَضع عليه خاتمه.

ونظرا لأن الوالي كسول ونؤوم، فإن الفتاة الطيبة قرنفل (فيروز) التي تنتظر في العراء بسبب تهدم سقف دارها، لا تجد مفراً من سرقة الخاتم لكي تستطيع إصلاح الدار.

تُظهر قرنفل كفاءة لم يظهرها الوالي، فتختم في بضع أيام كافة طلبات الأهالي، وهو الأمر الذي يستغرق من الوالي شهوراً عدة.

وما أن يكتشف الوالي ما فعلته قرنفل حتى يقرر معاقبتها، إلا أنه يدرك أن حتى هذا العقاب يحتاج إلى الخاتم، وهو ما لم يعد ممكناً بعد أن ألقته قرنفل في بئر مهجور.

 

أما «ناطورة المفاتيح» (1972) فتنسف فكرة المُلك من أساسها نسفاً، إذ لا يمكن لأحد أن يحكم صحراء خاوية، أو أن يكون هناك حاكم دون محكومين.

وهو الموقف الذي يجد فيه الملك (أنطوان كرباج) نفسه بعد أن هجر الأهالي مملكته هرباً من الضريبة الباهظة التي فرضها عليهم، ولا يبقى في المملكة سوى زاد الخير (فيروز)، والتي تبقى فقط لأن الأهالي حمّلوها أمانة حفظ مفاتيح بيوتهم لحين عودتهم، في صورة بدا من الواضح تشابهها مع لاجئي فلسطين المحتلة.

يدرك الملك أنه لم يعد له من رعايا يحكمهم سوى زاد الخير، فهو لا يستطيع، لا حبسها ولا التخلص منها، مع الوقت يدرك أن عرشه لا قيمة له بدون أفراد الشعب، فيطالب الشعب بالعودة مؤكدا لهم استجابته لكافة مطالبهم.

لولو

وفي «لولو» (1974) تطل من جديد قضية العدالة وما يصنعه غيابها بالفرد، ف لولو (فيروز) إنسانة بريئة اتهمت ظلماً بجريمة قتل لم ترتكبها، وحبست نتيجة لذلك نحو عشرين عاماً.

تخرج لولو من سجنها ،وهي على أتم الاستعداد للإنتقام من كل من ظلموها، فتتحول إلى مجرمة حقاً لا إدعاءً، وتثير خوف الأهالي، في إشارة واضحة إلى أن المجرم قد يكون نتاجاً لبيئته  وليس مجرما بالسليقة.

أما مسرحية «ميس الريم» (1975) ،فهي بمثابة معالجة عصرية لقصة روميو وجولييت الشهيرة، مع اضافة جديدة وهي شخصية زيون (فيروز) التي يدفعها تعطل سيارتها للتوقف في قرية «ميس الريم»، وهي قرية العاشقيْن الذين يعانيان من الخصومة بين عائلتيهما.

تلعب زيون دور حمامة السلام بين العائلتين ،وبمعاونة «مختار المخاتير» أو كبير الوجهاء تنجح محاولاتها في نهاية الأمر ويتم الصلح بين العائلتين.

وفي «بترا» تبرز قضية الصراع بين الشرق والغرب من خلال النزاع بين الامبراطورية الرومانية وبين مملكة بترا.

توقَفَ المسرح.. وظل صوت فيروز

بعد «بترا» التي قدمت عام 1977، توقف انتاج الرحابنة وفيروز المسرحي لأسباب عدة لعل أبرزها الحرب الأهلية اللبنانية إضافة إلى وفاة عاصي الرحباني عام 1986. إلا أن صوت فيروز عاد مرة أخرى ليسطع في سماء لبنان عام 2000 من خلال مهرجانات بيت الدين التي تغنت فيها بمجموعة من أشهر الأغنيات التي حوتها مسرحياتها.

ورغم أن أغلب مسرحيات فيروز لم تصور سينمائياً ،أو تعرض على شاشة التلفاز إلا أن التسجيلات الصوتية لتلك المسرحيات حفظتها في ذاكرة الجمهور العربي كأعمال كلاسيكية تمجد قيم الحب والعدل وتتغنى بالبسطاء الذين يقارعون الظلم بما يملكون من وسائل حتى وإن كانت –ببساطة- الغناء.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: