منوعات

الفلاحون في بر مصر (4): أيام دولة المماليك الأخيرة

كانت القاهرة على موعد مع أيام غادرة، كثرت فيها الفتن والحرائق وأحداث السلب والنهب.. إذا كنت من أحياء ذلك العهد وأتيح لك أن تركب طائرة تحلق بك فوق صعيد مصر، فإنك كنت سترى وميض النار يشتعل لهيبا وفتنا تفاقم شررها في كل مكان، وإذا كنت على الأرض، فلابد أن تبحث لك عن ساتر أو مكان خفي وسط هذه الأجواء الصعبة، أو ربما تلتحق بقوات شيخ العرب همام غير النظامية لتقاتل في صفوفها.

هذه واحدة من وقائع أيام دولة المماليك في نهاياتها، وتحديدا في العام 1755م وما بعده، حيث حكام القاهرة يريدون السيطرة على الأرياف والفلاحين والأراضي وخيراتها، وبسط نفوذهم عليها، بينما حكام الأرياف يريدون أن يحتفظوا باستقلالهم الإداري ويستمتعون بما جنوه من أموال وخيرات، وبين هؤلاء الحكام جميعا معارك لا يخمد لها لهيب.

إذا سار التاجر بأسطوله في النيل محملا بخيرات الله من ناحية إلى الأخرى، وجب عليه دفع الإتاوة إلى شيوخ قطاع الطرق حتى يعبر، وإلا نُهبت خيراته كلها.. وقطاع الطرق هؤلاء طائفة أخرى مستقلة عن كل الطوائف، احترفت السلب وأتقنت أساليبه وتفننت فيه وجنت منه ثروات طائلة، تُضاف إلى رصيد حكام الأقاليم أنفسهم من الثروات.

في هذه الأجواء الخانقة الكالحة، ظهر علي بك الكبير مملوكا، وكان واحدا من بين ألفي مملوك للأمير إبراهيم كتخدا القازعلي، لكنه قدّر لنفسه أن يكون ذا شأن عظيم في تاريخ مصر وبين حكامها.

علي بك الكبير

عاش صباه ومراهقته وأول أيام شبابه بين مؤامرات الخيانة تطيح برؤوس الأمراء، وشب صبيا مملوكا حتى فترة شبابه، فلما كبر تميز بالقسوة والغدر، وكان حاد الذكاء شديد الصلابة يميل للطمع عن غيره من المماليك، وكان يحبه مولاه فجعله حامل سيفه.

صحب سيده مع قافلته إلى بلاد الحجاز بعد أن تمت ترقيته فأصبح كاشفا، وسار في طليعة الركب، وبينما كانت القافلة متجهة في طريقها إلى الكعبة المشرفة حيث سيؤدي جميع الركب مناسك الحج، ظهرت فى طريقها  عصابة من قطاع الطرق، فقاومهم «علي» بقلب ثابت وهزمهم جميعا مع جنوده، فلما عاد سيده الأمير إبراهيم إلى القاهرة عزم على مكافأته  برتبة بك، وهو لا يزال صغير السن، وقيل إن الدسائس وقتها حالت دون منحه اللقب.

صعود مفاجئ

استمر القدر يخدم «عليا» حتى تسلم مشيخة البلد في القاهرة سنة 1763، وتبدت فيه صفات الملك، فاستطاع أن يستخلص لنفسه حكم مصر، ولم يكتف علي بك بأن بسط نفوذه وسلطانه على مصر، فاتجه ببصره صوب الخارج وتطلع إلى ضم الحجاز لتأمين الحج للمصريين والمغاربة والشوام، وإحياء تجارة مصر مع الهند بالاستيلاء على ميناء جدة التجاري ذي الشهرة الواسعة، وجعله مستودعا وسطا لتجارة الهند والشرق الأقصى، فيعيد بذلك الثروة التي فقدتها مصر من جراء تحول تجارة الشرق إلى طريق الرجاء الصالح.

وانتهز علي بك فرصة النزاع الذي دار بين اثنين من أشراف الحجاز حول الحكم، فتدخل لصالح أحدهما وأرسل حملة عسكرية يقودها محمد بك أبو الدهب إلى هناك ،فنجحت في مهمتها، ونودي بـ «علي بك الكبير» في الحرمين الشريفين سلطان مصر وخاقان البحرين، وذكر اسمه ولقبه على منابر المساجد في الحجاز كلها.

وقد شجع نجاح حملة الحجاز علي بك على أن يتطلع إلى إرسال حملة إلى بلاد الشام ،منتهزا سوء أحوالها وتعدد طوائفها، واستنجاد صديقه والي عكا «ظاهر العمر» به الذي نجح في أن يمد نفوذه في جنوب سوريا، وكان هو الآخر يسعى إلى الاستقلال عن الدولة العثمانية.

 ثم بدأ علي بيك الكبير يتخلص تدريجيا من مزاحميه زعماء المماليك المشاغبين، ورقي أتباعه المخلصين، وكان أعزهم لديه واحد منهم اسمه محمد، قلده البكوية ثم لقبه بأبو الدهب، وسنرى أنه لم يكن مثلا حسنا لعرفان الجميل، بل إن فضل سيده عليه لم يزده إلا كفرانا بنعمته كما سنرى جميعا لاحقا.

ظاهر العمر

حملة في بلاد الشام

قبل أن يمضي علي بك في حملته على الشام اتصل بروسيا أعدى أعداء الدولة العثمانية، وعرض عليها أن يعقد معها معاهدة تحالف وصداقة، وأن تزوده بالأسلحة والعسكريين المدربين، وأن يكون الأسطول الروسي حاميا للشواطئ المصرية ضد أية محاولات هجوم من قبل الدولة العثمانية. وتمت هذه الاتصالات مع قائد الأسطول الروسي الذي كان مرابطا في البحر المتوسط، وقد رد القائد الروسي على هذه الطلبات التي طرحها علي بك ردا جميلا، ووعده بأنه سيرجع إلى حكومته وإلى الإمبراطورة «كاترين» بشأنها.

ولم يكد محمد أبو الدهب يعود بحملته الظافرة من الحجاز حتى أرسله علي بك، على رأس جيش كبير يتألف من أكثر من أربعين ألف جندي ليزحف إلى الشام، وكان السبب الذي أعلنه علي بك من وراء حملته على الشام هو إيواء «عثمان العظم» والي الشام لخصوم علي بك وأعدائه وإعدادهم للإغارة على مصر، وأن هذا الوالي يسيء الحكم في دمشق مما جعل السوريين يتذمرون من حكمه.

وقد كلفت هذه الحملة الخزانة المصرية أعباء مالية ضخمة، تحمل تكاليفها الشعب المصري الذي فُرضت عليه ضرائب باهظة أثقلت كاهله، وأطلقت صرخاته المكتومة وأناته الحبيسة لتحقيق رغبات جامحة لولاة طامحين في بناء مجد زائف.

وتمكن محمد أبو الدهب من تحقيق انتصارات هائلة، فاستولى على غزة والرملة، وحين اقتربت قواته من بيت المقدس خرج إليه حاكمها وقضاتها وأعيانها ورحبوا بقدوم الحملة المصرية فدخلتها دون قتال، واستسلمت يافا بعد حصار دام شهرين، ثم انضمت قوات الشيخ ضاهر إلى القوات المصرية ففتحوا صيدا، ولم يبق أمامهم سوى دمشق، والتقى الجيشان الحليفان بالجيش العثماني الذي لم يستطع المواجهة والصمود ولقي هزيمة كبيرة، ودخل محمد أبو الدهب دمشق مظفرا.

اقرأ أيضا:

بعض الأمن والأمان

 نعمت مصر في عهد علي بك الكبير بالأمن وبشيء من الطمأنينة لم تستمتع بهما في عهد غيره، ونما في البلاد نوع من الشعور الوطني، إذ رأت حاكمها العظيم يقطع صلته بالدولة العثمانية عام 1769 ويحعل لمصر مركزا ممتازا بين الدول.

ومع استقرار الحكم لعلي بك بعض الوقت، شيّد  لنفسه قصرا بالأزبكية داخل درب الشيخ عبد الحق السنباطي، في المكان الذي كانت تشغله دار الأوبرا القديمة (قبل احتراقها)، ولا يزال الشارع القريب منها يسمى باسم شارع سيدي عبد الحق السنباطيز، وكان القصر يطل على بركة الأزبكية، وألحق به حوشا وساقية وطاحونة. كما بنى خانا تعلوه مساكن وفي واجهة الخان حوانيت وشونة غلال على شاطئ النيل ويتوسط هذا المبنى مسجد.

وفي فترة حكم علي بك الكبير مر بالقاهرة الرحالة الإنجليزي جيمس بروس في طريقه إلى إثيوبيا، وقد تقابل مع المعلم رزق القبطي (وزير مالية  علي بك)، و الذي كان من المتبحرين في علم الفلك، فأفاد الرحالة من علمه الكثير، وحين جاء إلى القاهرة أرسل الرحالة إلى المعلم رزق هدية ثمينة اعترافا بجميله، ولكنه أعادها إليه وبصحبتها هدية منه وأعطى رسوله كتابا دعا فيه الرحالة إلى زيارته في بيته بعد الاستراحة من عناء رحلته لكي يطلعه على عدده وآلاته الفلكية.

ثم نال إذنا من علي بك الكبير لكي يقوم برحلته وهو في أمان واطمئنان، وقد أشار عليه المعلم رزق بأن يقضي أيامه في القاهرة ضيفا في حي قلعة بابليون، وأوصى البطريرك بأن تُهيأ له بعض الغرف، وبعد أيام استأنف الرحالة رحلته النيلية إلى الأقصر ومنها أخذ طريقه إلى القصير فأثيوبيا عن طريق البحر الأحمر، ولما عاد بعد انتهاء رحلته لم يجد علي بك، إذ انتقل الحكم إلى مملوكه «أبو الدهب»!

الرحالة الإنجليزي جيمس بروس

فما الذي حدث؟

قصة المعارك التي دارت بين علي بك الكبير ومحمد بك أبو الدهب طويلة للغاية، وللأسف ليس هذا مجالها، لأن السطور لن تسعفنا، لكنها تدل على ما كانت عليه أخلاق أبي الدهب من نكران الجميل والمكر والدهاء.. تمادى علي بك في إرسال التجريدات العسكرية للقضاء على منافسيه هنا وهناك، وأخيرا تحصّن مع جيشه الباقي عند دير البساتين، الذي استولى عليه من الأقباط ،وجعله حصنا حربيا، وبنى المعاقل والحصون من نهاية ذلك الدير الكائن على شاطئ النيل حتى سفح المقطم آنذاك، ووضع المدافع الكبيرة في ذلك الخط الطويل بين تلك الاستحكامات العسكرية القوية، ومع كل تلك الاستعدادات الحربية فإن أبا الدهب جاء لمحاربته، بل وتغلب عليه وهزم جيشه الذي خانه وانضم الكثير من قواته إلى صفوف جيش أبو الدهب.

الجبرتي يروي الواقعة

يصف عبد الرحمن الجبرتي هذه الموقعة التي جرت سنة 1772م، وصفا تفصيليا دقيقا فيقول: «خرج علي بك إلى جهة البساتين، وعمل متاريس ونصب عليها المدافع من البحر إلى الجبل، واجتهد في تشهيل تجريدة وأميرها علي بك الطنطاوي وصحبته باقي الأمراء الذين قلدهم والعسكر، فعدوا في منتصفه لمحاربة محمد بك أبي الدهب وإسماعيل بك ومن معهما، وكانوا سائرين يريدون مصر، فتلاقوا معهم عند بياضة قرب المعادي ووقعت بينهم معركة قوية، ووقعت الهزيمة على عسكري علي بك وساق خلفهم القبالي مسافة، فمانعوا عن أنفسهم وعدوا إلى دير الطين، وكان علي بك مقيما به، فلما حصل ما حصل اشتد القهر بالمذكور وتحير في أمره، وأظهر التجلد وأمر بالاستعداد وترتيب المدافع وأقام إلى آخر النهار، وتفرق عنه غالب عسكره من المغاربة وغيرهم وحضر محمد بك إلى البر المقابل لعلي بك ونصب خيامه تجاهه، فتفكر علي بك في أمره، وركب عند الغروب وسار إلى جهة مصر، ودخل من باب القرافة وطلع إلى باب العزب فأقام به حصة من الليل، وأشيع بالمدينة أن مراده المحاصرة بالقلعة.

ثم ركب علي بك مع مماليكه وأتباعه وذهب جهة الشام، ولما أصبح اليوم التالي دخل محمد بك أبو الدهب إلى بر مصر وأوقدوا النار في الدير بعدما نهبوه، ودخل محمد بك إلى مصر وصار أميرها، ونادى أصحاب الشرطة على أتباعه: أي أتباع علي بك بأن لا أحد يؤويهم ولا يتاويهم. فكانت مدة غيبته سبعين يوما».

دخل أبو الدهب القاهرة إذن دخول الفاتح المنتصر كالطاووس، دون أن يضطر لأي استعراض حربي، لأن الأهالي وعددا كبيرا من الأمراء والمماليك كانوا من أعوانه، ولكن مع ذلك فقد بدأ أعماله في القاهرة بسلب دير البساتين وإضرام النار فيه.

وفي العام التالي، جهز علي بك عدته لملاقاة أبي الدهب، فتواترت الأخبار بمجيئه من بلاد الشام بجنود الشام وأولاد «الظاهر عمر»، فتهيأ محمد بك للقائه وبرز خيامه إلى جهة العادلية ونصب الصوان الكبير هناك، فأقام يومين بالصوان العظيم حتى تكامل خروج العسكر.

التقى رجال علي بك وأبو الدهب في الصالحية وتحاربا حربا ضروسا، يستكمل الجبرتي ما بدأه، فيقول: «كانت الهزيمة على «علي بك» كبيرة وأصابته جراح في وجهه، فسقط عن جواده وأحتاطوا به وحملوه إلى مخيم محمد بك، وخرج إليه وتلقّاه وقبّل يده وحمله من تحت إبطه حتى أجلسه وأراحه، بينما قتُل أعوانه علي بك الطنطاوي وسليمان كتخدا وغيرهم، ووصل الخبر إلى مصر، وفي اليوم التالي عاد به إلى مصر فأنزله في منزله بالأزبكية بدرب عبد الحق، وأجرى عليه الأطباء لمداواة جراحه.

بعد 7 أيام أمضاها علي بك في القاهرة مات الرجل، وقيل إنه قتل تأثرا بسم في جراحه، ولما توفي سنة 1773 عقب هزيمته، دفن بالقرافة الصغرى قرب الإمام الشافعي، ولا تزال مقبرته موجودة إلى اليوم وحولها بعض النقوش والكتابات بخط واضح.

ويبدو غريبا جدا أن أبا الدهب، هو الذي أمر ببناء المقبرة، ليتجسد المثل الشهير واضحا وضوح الشمس «يقتل القتيل ويمشي في جنازته».

مراجع:

ـ عجائب الآثار في التراجم والأخبار. (الجزء الثالث). عبد الرحمن الجبرتي.

ـ تاريخ الفكر المصري الحديث. (الجزء الأول) ـ لويس عوض.

ـ دولة المماليك في مصر. السير وليم موير. ترجمة محمد عابدين وسليم حسن.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق