فن

«parasite».. الصراع الطبقي فى عالم من الكوميديا السوداء

كوميديا سوداء فريدة، تنتزع منك الضحك طوال أحداثها، لكنك حتما ستشعر بالحزن في نهايتها، إلا إذا كنت بلا قلب، وعندما تخرج للعالم الواقعي، ستتداعى عليك كل الأسئلة التي طرحها فيلم «parasait»، لأنها من الأصل أسئلتك أنت.

الفيلم الكورى الجنوبى الذى عرض خلال مهرجان الفيلم الأوربي الذي اقيم في القاهرة مؤخرا، كان قد حاز على جائزة السعفة الذهبية من مهرجان كان للعام الحالي، وهو من تأليف وإخراج الكوري الجنوبي،«Bong joon ho»، ومرشح بقوة لنيل العديد من جوائز الأوسكار في فبراير 2020.

هذه الأسرة الفقيرة

المشاهد الأولى ترسم لنا حياة أسرة «Kim Ki-taek» الفقيرة والمكونة من أب وأم وابن وابنة، يعيشون في شقة صغيرة منخفضة عن سطح الأرض، لا يشعر أحد بوجودها، أو هى بالأحرى «جحر »، تمشى أقدام الناس يحذاء سطحه، وهي اختيار مرئي مباشر لما تعانيه العائلة والطبقة الفقيرة التى تنتمى إليها ككل.

pastedGraphic_1.png   

من البداية سيجبرك صناع الفيلم على اعتبار أن اسم الفيلم وترجمته «طفيلي» يشير بشكل واضح ومباشر لتلك العائلة، فهم يسرقون الانترنت من المقاهي المحيطة ومن منزل الأسرة الثرية المجاور، وكلما تقدم الفيلم ستزيد عندك تلك القناعة، لكن تلك الإدانة ليست نهائية تماما.

تحاول العائلة الحصول على أي عمل لأي من أفرادها في ذلك العالم الذي لم يعد يراهم.

pastedGraphic_2.png  

وأخيرا تنجح الأسرة في العمل بكامل أفرادها في منزل أسرة «بارك» Park   Dong- ik شديدة الثراء، وقد كان هذا العمل نتيجة بعض الحيل، التى مارسها الإبن لإقناع السيدة الثرية فى المنزل المجاور بأنه أكثر من يصلح لتعليم ابنتها اللغة الإنجليزية، وكلما مرت المشاهد نعرف أن رب الأسرة «كيم» لم يكن يهوى البطالة، لكنه كان يترك عمله نتيجة أن أكثر من جهة عمل سابق له كانت تعلن إفلاسها، وأن الأم كانت بطلة في لعبة أوليمبية، هنا ستبدأ في التعاطف مع تلك الأسرة التي لا تريد سوى العمل.

pastedGraphic_3.png

الأسرة الثرية هي النقيض لأسرة كيم، فهي أيضا مكونة من أربعة أفراد، الأب والأم والابنة والإبن وهو طفل صغير، وتتعرف أسرة كيم في إطار تنفيذ خطتها للعمل فى منزل بارك على مربية قديمة بالمنزل، ونكتشف  مع  مرور الأحداث أن زوج تلك المربية اختار سجن نفسه في قبو العائلة الثرية دون معرفتها، للهروب من دائنيه.  

بين عالميْن

لم يترك المؤلف والمخرج «Bong Joon Ho» فرصة واحدة تمر دون إبراز التناقض بين العالمين، ومع توالي المشاهد، تكتشف أنك أمام قطع من البازل يضعها المخرج أمامك لترسم صورة أكبر، فالمصابيح التي يتزين بها منزل «بارك» الثري، تبدو لأول وهلة أنها تعمل «بالسينسور» فكلما مر أسفلها رب المنزل، أضاءت إحداها، مثل تلك التي نراها في الإعلانات، لكن مهلا، تلك المصابيح تضاء لأن الرجل الذي سجن نفسه في قبو المنزل هو من يضغط على مفاتيح كل مصباح على حدة في تزامن مع خطوة الرجل الثري ودون أن يراه، كوسيلة لشكره على وجوده في هذا القبو بعيدا عن الدائنين.

pastedGraphic_4.png

من ضمن الأسئلة التي يثيرها الفيلم بشكل ساخر ماذا لو كانت الأموال في يد الأسرتين الفقيرتين «أسرة كيم وأسرة المربية»، وتأتي الإجابة على لسان زوجة كيم مرة عندما تقول « لو كنت أملك المال لكنت لطيفة، المال يصنع اللطف»، ومرة أخرى وفي مشهد تجمع أسرة كيم حول عدد من زجاجات الخمور الفاخرة، في ليلة تركت فيها الأسرة الغنية المنزل، ثم في المشهد الذي يليه عندما تحكي المربية القديمة عما كانت تفعله هي وزوجها عند خلو المنزل، من الاستماع إلى الموسيقى، والتأمل.

 فالأسرتان الفقيرتان انتهجتا مسلكين مختلفين.. كلا منهما له لذته ولكن ينقصه المال، وكأن ذلك الحرمان لم يكن بسبب عدم جدارتهما بتلك الأمور لكن بسبب الحرمان والصدفة التي جعلتهم أبناء تلك الطبقة  الفقيرة

pastedGraphic_5.png

مشهد آخر من أهم وأفضل مشاهد الفيلم التي تبرز التناقض، فالرؤية البانورامية التي يمنحها المنزل الثري لقاطنيه لهطول المطر، هي نقيض علاقة أسرة كيم بالمطر، ففي اللحظة التي يقوم ابن بارك الصغير ببناء خيمة في الحديقة للاستمتاع بالمطر، كان وصول كيم وأبنائه إلى قبوهم، الذي أصبح غارقا في فضلات المدينة بأكملها، والمزج هنا بين الزاوية الواسعة في التصوير واللقطة القريبة عند هبوط العائلة من على السلالم كتعبير مرئي عن الهبوط من الحلم في منزل الرجل الثري إلى الواقع و الحقيقة الطبقية التي تقع بداخلها تلك العائلة.

تأتي النهاية عندما يدفع الغضب كيم لقتل بارك خلال حفل عيد ميلاد الطفل الصغير، لكن المهم أنه مع النهاية ستكتشف أن الشخص الثري لم يذكر أي مكان عمل سابق له قبل تلك المرحلة من الثراء الفاحش، لتصل للسؤال الأكبر، من هو الطفيلي حقا هل هو كيم وعائلته أم بارك وعائلته.

الوسوم

مقالات ذات صلة