فن

«ممالك النار».. القراءة الأحادية للتاريخ

من النادر أن يثير عمل فني ما، أياً كان نوعه، الجدل قبل عرضه على الجمهور، إلا أن هذا تحديداً ما حدث مع المسلسل التاريخي «ممالك النار» الذي يعرض حاليا على شاشة إحدى الفضائيات العربية.

فهذا المسلسل الذي جاء كثمرة تعاون بين دول عدة، في مقدمتها دولة الإمارات كجهة إنتاجية، ومصر كبلد للمؤلف وبطل العمل، وبريطانيا كبلد لمخرجه، أثار العديد من ردود الأفعال المرحبة والمتشككة على حد سواء، حتى قبل بدء عرض أولى حلقاته.

وجهتا نظر

مصدر الجدل هنا يرجع إلى الموضوع الذي اختار صناع العمل طرحه وهو سنوات الصراع الدامية بين السلطنة العثمانية في الأناضول من ناحية ودولة المماليك البرجية في كل من مصر والشام من ناحية أخرى. إذ يبرز المسلسل هذا الصراع من خلال تتبعه لصعود شخصيتين أساسيتين إلى قمة السلطة في كلا السلطنتين، وهما السلطان المملوكي طومان باي (يلعب دوره المصري خالد النبوي) والسلطان العثماني سليم الأول (السوري محمود نصر).

ويمكن من خلال رصد ردود الأفعال السابقة على عرض المسلسل ملاحظة تيارين أساسيين عكست وجهتى نظرهما تلك التعليقات الكثيرة على مواقع التواصل الاجتماعي.

الأول، وهو التيار المرحب، الذى بدا مستبشرا بدعاية المسلسل التي عكست ضخامة الانتاج والجنسيات المتنوعة لأبطاله (مصر- سوريا- تونس… الخ) وقدمته كعمل عربي مشترك، وأشاد المرحبون بهذه النوعية من الأعمال وبالحاجة اليها، نظراً لكونها تضع الدراما العربية على قدم المساواة مع نظيرتها الأجنبية وتحديدا منافستها التركية من حيث الجودة.

في المقابل، بدا المشككون من التيار الآخرمرتابين من كيفية تصوير المسلسل لدولة بني عثمان، حيث رأى هولاء أن المسلسل يسعى لتشويه تلك الدولة ولا يعرض سوى جانب سلبي وشديد الدموية من تاريخها الطويل متجاهلاً إيجابيات تلك الدولة.

وعلى نحو ما، بدا هذا الجدل شبيهاً بما ذكره المؤرخ المصري الدكتور محمد عفيفي في مقدمة كتابه «عرب وعثمانيون» الذي تناول العلاقة بين كلا الطرفين من أن الإيدولوجيا تسيطر إلى حد كبير على أغلب من يتصدون للكتابة عن هذه الفترة الهامة من تاريخ العالم الإسلامي.

بل إن الإيدولوجيا تبدأ من المسمى في حد ذاته، فدخول بني عثمان إلى مصر هو عند مناصري الدولة العثمانية «فتح» وهو عند أنصار القومية العربية «غزو واحتلال».

هذه الإزدواجية وتلك الحالة الخلافية يبدو أنها انتقلت، بشكل أو بآخر، إلى الدراما التلفزيونية، فأغلب الأعمال الدرامية التركية والتي  عرضت على الشاشات العربية من خلال عملية الدبلجة، ترصد الجانب المضيء في التاريخ العثماني، كـ «قيامة أرطغرل» و«السلطان عبد الحميد الثاني» و«عثمان المؤسس» وغيرها من الأعمال التي تقدم تلك الفترة التاريخية بمزيج من العزة والفخار.

في المقابل يبدو أن صناع مسلسل «ممالك النار» إختاروا أن يقدموا صورة مغايرة تماما لذات التاريخ، بعيداً كل البعد عما قدمته المسلسلات السالفة الذكر.

عثمانيون ومماليك

ورغم أن الوقت قد لايزال مبكراً لتقييم المسلسل ككل، إلا أن الحلقات الأولى منه توحي بعدة نقاط رئيسية قد تصلح مدخلاً لفهمه وفهم الجدل الدائر حوله.

بداية، ومن المشهد الأول، يبدو واضحا مدى ضخامة الانتاج، حيث وفر المنتج الإماراتي ياسر حارب، وهو كاتب وإعلامي شاب، كافة الإمكانيات للمخرج البريطاني بيتر ويبر لصنع عمل ضخم وهو ما تبدى في العناية بالديكور والأزياء وحشد أعداد ضخمة من الأفراد في مشاهد المعارك الحربية.

كما بدا واضحاً تأثر صناع المسلسل بالمسلسل الأسطوري «لعبة العروش» وهو انتاج أمريكي- بريطاني مشترك لاقى نجاحا كبيراً على مدار السنوات الماضية، حيث سيطرت الدموية الشديدة التي عرف بها «لعبة العروش» على هذا العمل أيضاً.

من البداية، وكما يوحي صوت الراوي في خلفية الأحداث، فإن المسلسل يقدم الوجه غير المعروف –للأغلبية على الأقل- لدولة بني عثمان، فشخصية محمد الفاتح التي قدمت في عمل سينمائي تركي بتبجيل شديد بإعتباره فاتح القسطنطينية، تقدم في «ممالك النار» بشكل مغاير.

يقدم المسلسل الفاتح كشخص لم يتردد على الإطلاق في قتل إخوته حتى الصغار منهم حتى يتسنى له الإنفراد بالحكم، بل ذهب إلى ما هو أبعد حين جعل من قتل الأقرباء قانوناً يمكن أن يلجأ إليه السلطان العثماني لـ «حفظ النظام».

وكما يصور العمل، فقد أُستخدم نفس الأسلوب ضد الفاتح حين قُتل على يد مقربين منه، ليبدأ صراع آخر على السلطة بين أبناء الفاتح حسمه إبنه بايزيد لصالحه بفضل دعم الجنود «الإنكشارية»، وهم النسخة العثمانية من المماليك، له.

هنا تبرز شخصية سليم ابن بايزيد، والتي يصورها المسلسل باعتبارها شرا مطلقاً، فهو شديد الدموية منذ طفولته ولا يتورع عن قتل أقربائه.

إلا أن المسلسل لا يعزو دموية سليم إلى داء نفسي ما، بقدر ما يعزوها إلى تأثره بالفاتح وإدراكه التام لوصاياه التي جاء فيها أن العرش لا يقبل القسمة على اثنين، وأن القتل وسيلة من وسائل السلطان.

في المقابل يرسم المسلسل أيضا صورة مغايرة لسلطنة أخرى هي سلطنة المماليك، إلا أن المسلسل لا يخالف الدراما التركية بل الدراما العربية نفسها التي دأبت على تصوير هذه السلطنة بشكل سلبي.

نرى فى المسلسل سلطنة المماليك بعيون طومان باي الذي ينتزع من بين أحضان أهله في سن مبكرة ليلتحق بعمه الأمير- والسلطان لاحقاً- قنصوه الغوري في القاهرة.

مزايا.. وعيوب

هنا تبرز نقطتان هامتان تحسبان لصناع المسلسل، الأولى: هي أنه لم يقدم المماليك بذات الشكل النمطي الذي دأبت عليه أعمال مصرية وسورية سابقة كأجانب ومغتربين عن هذه البقعة من العالم العربي، بل يؤكد ما ذهب إليه نفر من الباحثين كالدكتور هاني حمزة في موسوعته عن «مصر المملوكية»، وهو أن المماليك وإن كانوا قد جُلبوا صغاراً إلى أرض مصر من بلاد أخرى كمنطقة القوفاز مثلاً إلا أنهم لم يعرفوا لهم وطناً سوى مصر، وهو ما يتبدى في حوار المسلسل حين يقول طومان باي لصاحبه المصري أنه لم يعد على اتصال بأهله أو بلاده الأصلية وأن القاهرة باتت هي داره وسكنه.

الأمر الثاني هو إبراز المسلسل للمماليك كنتاج للمؤسسة العسكرية المصرية وبشكل أكثر تحديداً للـ «طباق» وهو ما يوازي في العصر الحديث الثكنة العسكرية، حيث كان هولاء المماليك الصغار يتلقون تدريباً مكثفاً على كافة أشكال القتال المختلفة بما فيها التشابك بالأيدي وكان ذلك في سبيل إعداد جيل من المقاتلين في خدمة السلطان أيا كان شخصه.

وكما ذكر حمزة في موسوعته، فإن إعداد هؤلاء المماليك لم يكن قاصراً على الجانب البدني أو العسكري فقط بل كان يتم الإعتناء بالجانب الروحي أيضاً من خلال تزويد الطباق بشيوخ يُحفظون المماليك الصغار القرآن الكريم ويعلمونهم اللغة العربية، وهو ما أبرزه المسلسل في مشهد ذى دلالة تضمن حواراً بين طومان باي الصغير وشيخه الفقيه.

يؤكد المسلسل أيضاً أن المماليك وإن شكلوا النخبة الحاكمة المنفصلة عن العامة من أهل البلاد إلا أن بعضهم إندمج في المجتمع المصري وهو ما يبدو واضحاً من خلال الصداقة التي تجمع طومان باي والشاب المصري جمال الكاتب.

ولعل المسلسل بهذا يحاول التمهيد أو تفسير سبب التفاف المصريين حول طومان باي في جولة صراعه الأخيرة ضد بني عثمان.

يؤخذ على المسلسل المبالغة الشديدة في رسم الشخصيات، ففي مقابل الشر المطلق الذي يمثله سليم الأول، يتم إبراز طومان باي كخير مطلق، حيث جاءت شخصيته مثالية لحد لا يصدق، بل إن العمل يجعل منه –في أحد المشاهد- داعية لتحرير العبيد على طريقة فردريك دوجلاس.

كما يعيب حوار المسلسل بعده التام عن الفصاحة والبلاغة المتوقعين من مسلسل تاريخي يقدم باللغة العربية الفصحى، حيث يبدو الحوار وكأنه مترجم عن نص أجنبي، ولعل تفسير ذلك يرجع إلى ما ذكره مؤلف العمل من أن الحوار كان يترجم إلى الإنجليزية حتى يتسنى للمخرج البريطاني الجنسية الإطلاع عليه، إلا أن هذا سحب من مصداقية العمل التاريخية، فليس من المفهوم أن تقول شخصية في أحد المشاهد «لقد جعلك العرش ضعيفاً» بدلاً من «أوهنك العرش».

وبعيداً عن هذه الملاحظات، فإن القضية الأساسية التي يطرحها عمل درامي كـ «ممالك النار»، في رأيي الشخصي، هي قضية القراءة الأحادية للتاريخ. فالحقيقة أن دولة بني عثمان لم تكن فقط دولة الأمجاد والفتوح كما تصور الدراما التركية، ولكنها لم تكن فقط دولة الدم والقتل كما يصور المسلسل، بل كانت ببساطة كلا الأمرين معاً، شأنها في ذلك شأن دولة المماليك وكافة الممالك والدول.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: