فن

«بين الجنة والأرض».. رحلة بحث عن الهوية

«سلمى» و«تامر» زوجان في الثلاثينات من العمر.. متزوجان منذ خمس سنوات ويعيشان في الضفة الغربية ويحدث الطلاق بينهما، وتكون المرة الأولى التي يحصل فيها «تامر» على تصريح بدخول أراضي فلسطين 1948، من أجل تقديم أوراق طلاقهما إلى المحكمة في مدينة الناصرة. وفي المحكمة، يفاجئهما الموثق بماضي والد الزوج الذي يأخذهم إلى رحلة أخرى أكثر تعقيدا للبحث ليس فقط عن عنوان الأب ولكن بحثا عن الهوية.

 «الهوية».. تلك هى القضية الجوهرية التى يبدأ منها وينتهى إليها فيلم «بين الجنة والأرض» من إخراج الفلسطينية نجوى نجار، والذى يشارك فى المسابقة الرسمية لمهرجان القاهرة السينمائى الدولى في دورته الحالية.

منى حوا، في دور سلمى                  فراس نصار، في دور تامر

تامر وتامير

الزوجة التي تحمل جواز سفر إسرائيليا والزوج الذي يحمل تصريحا قررا أن يبدآ رحلتهما في إنهاء إجراءات الطلاق، يستقلان سيارتهما «العتيقة» وفي طريق وصولهما إلى المحكمة يتعرضان للعديد من المضايقات التي يتعرض لها الشعب الفلسطيني بشكل يومي من حواجز وتفتيش ومنع من العبور. لكن جواز سفر الزوجة هو الضمانة للعبور بهما إلى وجهتيهما.

 وبوصولهما إلى المحكمة يكتشف الزوجان أصحاب القضية رقم «67» أن هناك مشكلة في اسم الزوج، حيث يسأله مسئول التوثيق عن الاسم إن كان «تامر» أم «تامير» ليكتشفا أن للأب ابنا آخر بنفس الاسم، ويطلب الموثق من الزوج عنوان الأب، ومعها تبدأ رحلة جديدة.

يحمل الفيلم العديد من الدلالات، ما بين أرقام القضايا مثل قضية الطلاق التي حملت الرقم «67»، وطلب الاستدلال على عنوان الأب الذي حمل الرقم «48»، ونعرف جميعا ارتباط هذين الرقمين بالقضية الفلسطينية وتاريخها.

استطاعت مؤلفة ومخرجة الفيلم «نجوى نجار»، الفلسطينية التي ولدت بمدينة واشنطن الأمريكية، أن تشركنا في هذه الرحلة الطويلة التي يقطعها الزوجان في محاولة العثور على عنوان الأب، الذي تزوج الإسرائيلية هاجر جلعادي، إلى أن تصل زوجة تامر إلى بيت حماتها، وهنا يصور لنا الفيلم، مشهد هذا البيت العتيق، الذي كان يمتلكه الفلسطينيون قبل أن يستحوذ عليه المحتل الإسرائيلي، مثله كمثل باقي البيوت العربية.  يعيش «تامير» الأخ الثاني لتامر في هذا البيت وحده، ويقوم بتصوير كل من يقترب من البيت، كما يغلق بابه بـ «ثلاث تكات» في إشارة إلى كم الخوف والرعب الذي يعيشه هذا الشاب،  حاله في ذلك كحال الكيان الصهيوني. ونرى في المقابل فتاة فلسطينية تواجه الموقف وحدها بكل إصرار وتحدى.

المخرجة الفلسطينية «نجوى نجار»

لم تغب قضية سوريا عن المشهد، فما حدث في فلسطين ،حدث في سوريا –وإن كان حجم المأساة أصعب في فلسطين- إلا أن المحتل واحد.. «احنــا هــون بســوريا لــو فينــا – قدرنــا – ســاعة مشــي كنــا بأحســن مطعــم بدمشــق، فكــروا إن الشــريط اللــي حطــوه بيناتنــا راح يحميهم – ويمكن ينسينا أصلنا».. هذه الكلمات التي وضعتها مخرجة الفيلم على لسان إحدى الشخصيات التي صادفت الزوجين في طريقهما، كانت كافية لأن تخبرنا بأن الجرح واحد، وأن القضية لم تمت بعد، وإن ظن عدونا غير ذلك.

بحث فى الجذور

«نحــن فلســطينيان ممنــوع علينــا اصطحــاب الإســرائيليين» كلمات قالتها «سلمى» الزوجة حين اصطدمت سيارتهما بسيارة اخرى كان يستقلها زوجان فرنسيان، ليرد الرجل الفرنسي «نحن يهود ولسنا إسرائيليين»، في مشهد وضعته مخرجة الفيلم عن قصد، في محاولة لتوضيح طريقة تعامل العرب مع الآخر، والفرق بين اليهودي والصهيوني، حيث وافقت سلمى وزوجها على اصطحاب الزوجين بسيارتهما إلى مكان وجهتهما.

رحلة طويلة قطعتها «نجوى نجّار» مع أبطال فيلمها حيث الشتات الفلسطيني، والضحية السورية القوية المتماسكة، والمعتدى الإسرائيلي، وتجسيد لمعاناة يعيشها المجتمع العربي بشكل يومي، بين البيروقراطية والتزمت تارة، وبين الانبطاح والتبعية تارة أخرى.

 مشاهد الفيلــم تأتي في قالب بسيط، وهو نمــوذج جيــد لســينما المؤلــف المهتمــة بقضيتهــا العامــة والمنعكســة علــى مشــكلتها الخاصــة. مشاهد رحلة بطلي الفيلم عبر الطريق الطويل تناســب تلك الحالة المرتبكة لحــب بيــن اثنيــن علــى حافــة الطــلاق، ســواء كانا فــي الضفــة ّالغربية أو الشرقية، وســواء كان مع أي منهما هويــة إســرائيلية أو تصريــح فقــط مــع معاملتــه كإرهابــي محتمل. تتمسّك البطلة بعدم الرد علــى ســؤال حــول ديانتهــا وهــو إعــلان موقــف نجحــت فيــه «النجار» مــن خــلال اتخاذهــا البطلــة واجهــة للتعبيــر عــن كل أفكارهــا الرافضــة للهويــة علــى أســاس دينــي.

وبحسب تعبير النقاد تخــوض نجــوى نجّــار من خلال هذا الفيلم، في حقــل ألغام، حيــث ســار البحــث عــن احتمــال كبيــر أن يكــون اليهــودي والمســلم مــن أم واحــدة عراقيــة يهوديــة، لتتحول رحلة الطلاق إلى رحلة بحــث فــي الجــذور ، وللتأكــد مــن عــدم وجــود دافــع قــوي  للطــلاق تتحــول الأمور إلــى رحلــة مصالحــة وتفاهــم وتراجــع عــن الانفصــال.

فريق عمل الفيلم بمهرجان القاهرة السينمائي

الفيلم تأليف وإخراج الفلسطينية نجوى نجار، وإنتاج Ustura Films، بالتعاون مع Paul Thiltges Distribution بـ لوكسنبورج، وOktober Films بأيسلندا، وتتولى شركة MAD Solutions مهام توزيع الفيلم في العالم العربي.

لقاء مع مخرجة ومنتج فيلم «بين الجنة والأرض

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق