ملفات

130 عاما على ميلاده.. عميد التنوير (ملف)

مائة وثلاثون عاما تمر هذه الأيام على مولد طه حسين، ففي الخامس عشر من نوفمبر عام 1889 ولد الطفل طه حسين، الذي سيصبح فيما بعد عميد الأدب العربي الحديث بلا منازع. ومواكبة لهذه الذكرى التاريخية والثقافية المهمة، ومساهمة منه لتسليط الضوء على سيرة ومسيرة طه حسين الحافلة والباقية رغم مرور كل هذه السنوات، ينشر «أصوات أونلاين» هذا الملف الذي يتوقف عند تاريخ طه حسين، ليس كأديب عظيم فحسب، ولكن كرائد وعميد للتنوير ومؤسس للفكر المدني الحديث في مصر والعالمين العربي والإسلامي.

وتكشف المقالات التي يضمها هذا الملف، والتي سبق نشرها متتابعة على صفحات الموقع، عن حالة من السبق الاستثنائي والجرأة الفكرية غير المعهودة في ثقافتنا التقليدية التي اتسمت بها مسيرة طه حسين الفكرية والتنويرية. فقد طرح العميد عبر هذه المسيرة الحافلة، كل أسئلة النهضة، التي لا تزال مثارة في حياتنا العربية حتى اليوم.

 

العميد والإسلام السياسي

   في مقاله «طه حسين وشعارات الإسلام السياسي» يكشف لنا أحمد رمضان الديباوي كيف كان طه حسين «واعيا بأهمية الحرية السياسية في مجال التنوير والانفكاك من أسْر التقليد والجمود، وكانت مبادؤه في السياسة قائمة على طائفة من الأصول، أهمها: إقامة دولة مدنية حديثة يسودها حكم القانون، بعيدا عن الاختلاط بالدين، دولة تكفل حرية مواطنيها، والانتصار لقضايا العدالة الاجتماعية والمساواة». كما يكشف المقال عن استشراف العميد مبكرا لمخاطر «تسييس الدين وتديين السياسة»، خاصة في كتابه «من بعيد» عام 1935، وهو الكتاب الذي ناقش فيه مكانة الدين في الدولة المدنية الحديثة التي يتمتع فيها جميع المواطنين بحقوق المواطنة المتساوية. وفي عام 1954 شارك العميد خمسة من كبار صحافي وكتاب عصره في كتاب مبكر بعنوان «هؤلاء هم الإخوان» حيث يؤكد على أن «شرور هذه الجماعة، التي تشقى بها مصر، ليست من طبيعة الشخصية المصرية الخيِّرة، وليست من طبيعة الإسلام كذلك؛ لأنه أسمح وأطهر، لكنها شرور تسييس الدين وتديين السياسة، كذريعة للوصول إلى الحُكم والسلطة، بأي ثمن وبأي طريقة».

الانتصار للمرأة

حصول المرأة على حقوقها الطبيعية كان عنصرا أساسيا في حلم طه حسين بمجتمع مصري حديث ودولة مدنية، وفي مقال بعنوان «طه حسين والمرأة.. أحد أعمدة التنوير عند عميد الأدب العربي» يتوقف عبدالكريم الحجراوي عند الدور الذي لعبه العميد من أجل أن تنال المرأة المصرية حقها في دخول الجامعة، «فقد كان الدستور المصري يعطي لكل مصري الحق في دخول الجامعة، لكن نخبة ذلك  الزمن استغلت أن اللفظ الذي ورد في النص كان مذكرًا، من ثم فهو لا يعني النساء. لكن طه حسين دفع الأمر إلى الأمام كشأنه دومًا في مثل هذه الحالات وقال للطفي السيد «ألا تعني كلمة مصريون كل سكان ربوع مصر» فأجاب لطفي «دون شك» فقال طه «إذا لا يعني ذلك النساء أيضًا». وكان لطه حسين ما أراد ففي ديسمبر 1933 كان الاتحاد النسائي يحتفل بأول دفعة من خريجات الجامعة المصريات. ويرصد كاتب المقال الدور الذي لعبه العميد في تسليط الضوء على معاناة النساء في مصر آنذاك من خلال الشخصيات النسائية الرئيسية في رواياته.. آمنة وهنادي في دعاء الكروان وخديجة في المعذبون في الأرض..

وفي مقالها «طه حسين المجدد.. بعيون جابر عصفور» تشير نفيسة دسوقي للرواية العميد «خطبة الشيخ» (1916) التي رصدت معاناة المرأة العاملة وتضييق الخيارات أمامها بقسوة تجسدت في قانون جائر كان يجبر المعلمات على الاستقالة وفقد مصدر رزقهن، بمجرد الزواج. كانت الرواية بمثابة صرخة مهدت للتراجع عن القانون وتعديله بالفعل بعد صدور الرواية بأعوام ثلاثة.

في الشعر الجاهلي

  وفي مقاله «كيف برأت النيابة طه حسين من تهمة «التشكيك في القرآن»؟» يسرد محمد سعد عبدالحفيظ قصة المعركة الفكرية الكبري التي أعقبت صدور كتابه الأشهر «في الشعر الجاهلي» عام 1926 ،وهو الكتاب الذي طبّق فيه العميد منهج الشك الديكارتي كمنهج علمي متبع في الدراسات الأكاديمية، محاولا إثبات أن «لغة الشعر الجاهلي التي نعرفها لا تنتسب إلى لغة الحياة العربية قبل الإسلام، بقدر ما تنتسب الى لغتها بعد الاسلام»، حيث أكد العميد أن « الشعر الذى يقال إنه جاهلي، قد تم انتحاله بعد الاسلام لتثبيت أمور دينية وسياسية اعتقد المسلمون انه لن يستقر الاسلام إلا بعد تثبيتها»، وهو ما دعا شيخ الأزهر آنذاك محمد أبو الفضل الجيزاوي لتقديم بلاغ ضد طه حسين.

 ويلفت عبدالحفيظ النظر إلى الطريقة العقلانية الراقية التي تناول بها المحقق محمد نور رئيس نيابة مصر والمثقف الكبير القضية، فعلى الرغم من تحفظه شخصيا – كمثقف – على بعض استنتاجات العميد في كتابه، إلا أنه انتهى إلى حفظها حيث ثبت له أن غرض صاحب الكتاب هو البحث النزيه عن الحقيقة وأن القصد الجنائي للإساءة للدين غير متوفر.

  وفي مقاله «العميد بين البدايات والنهايات.. هل خان طه حسين مشروعه الفكري؟» يتجاوز طارق أبوالعينين تحولات الخطاب الفكري لطه حسين، مركزا على تحليل خطاب فريق من التنويريين الذين انتقدوا مراجعة العميد لبعض آرائه حول الشعر الجاهلي على الرغم من أن المراجعة وتمحيص الأفكار هى من أبجديات التنوير والعقلانية النقدية والمنهج العلمي.

وعلى عكس الصورة المختزلة الشائعة عن طه حسين الذي زار الغرب ودرس فيه وعاد منه منبهرا بمفكريها، يؤكد أحمد طه الديباوي في مقالة بعنوان «قبل ديكارت وفولتير: كيف تأثر طه حسين بفكر المعتزلة؟» أن المنهج العقلاني الذي طبع منهجية العميد في دراساته للتراث لم يكن يستند فقط على منهجية الشك الديكارتي تلك التي تعلمها في باريس، بل إن هذه المنهجية كانت تقوم – قبل ذلك – على استيعابه لتراث الثقافة العربية الإسلامية خاصة المعتزلة، رواد الفكر العقلي الأوائل في التراث الإسلامي، بل ويشير الكاتب إلى بحث كتبه العميد بالفرنسية وتُرجم متأخرا، يميل فيه لتأثر واحد من أهم فلاسفة الاتجاه العقلاني في أوربا وهو الفيلسوف الألماني ليبنتز بفكر المعتزلة.

لم يكن طه حسين مستوعبا لاتجاهات التراث العربي الإسلامي القديم فقط، بل كان متابعا دءوبا لمحاولات الحفر المعرفي والشك المنهجي الحثيث من أجل إعادة بناء الثقافة والنهضة العربية الحديثة، مهما كانت تلك المحاولات مجرد تساؤل هنا أو نبش هناك، وهو الأمر الذي يتناوله هاني نسيرة في مقاله عن «الشيخ الذي سبق طه حسين فى إثارة قضية الشعر الجاهلى»، محاولا الإجابة على أسئلة مهمة: هل جاء طه حسين بجديد لم يسبقه إليه أحد؟ هل مثّل قطيعة معرفية مع من سبقوه من مفكري النهضة؟ كيف استوعبهم وكيف تجاوزهم في آن واحد ،فأحدث النقلة الفكرية الأهم في الثقافة العربية الحديثة ؟

  لا شك أن المسيرة الفكرية لعميد الأدب العربي، والمعارك الفكرية التي خاضها بجرأة، شكلت النموذج الأكثر حضورا لما يجب أن يكون عليه المثقف الحقيقي، وهو النموذج الذي لخصه العقاد بوصفه لطه حسين بأنه «رجل جرىء مفطور على المناجزة والتحدى فاستطاع بذلك نقل الحراك الثقافى بين القديم والحديث من دائرته الضيقة التى كان عليها إلى مستوى أوسع وأرحب بكثير».

ويبدو أن مسيرة طه حسين الفكرية المكافحة الناقدة المجددة كانت تجسيدا لاعتقاد راسخ لديه حول دور الأفراد في التاريخ، خاصة المبدعين والقادة السياسيين من أصحاب الرؤى العظيمة، وهو ما يفسر تخصيصه لكتاب كامل تحت عنوان «قادة الفكر» تناول فيه الحياة الإبداعية لأربعة من أئمة الفكر الإنساني، وهم هوميروس وسقراط وأفلاطون وأرسطو ،فضلاً عن اثنين من قادة التاريخ الأفذاذ، هُمّا الإسكندر المقدوني و يوليوس قيصر، وهو الكتاب الذي خصص صلاح زكي أحمد مقاله لتناوله وجاء بعنوان «تحدث عن أشهر من عاشوا قبل الميلاد.. «قادة الفكر».. الكتاب المنسى لـ«طه حسين».

 وعلى العكس من حال معظم نظرائه على الساحة الفكرية الذين ظلوا محصورين في دائرة التأثير المحدود على النخبة المثقفة، وصل تأثير طه حسين والنموذج الذي طرحه إلى الدائرة الأوسع والأهم للثقافة الشعبية في مصر والعالم العربي، ليصبح المفكر الأشهر وصاحب سيرة الحياة الأكثر حضورا بما أكدته من قيم الإرادة والتحدى لأصعب الظروف، وقيم العقل الحر المستقل الذي يؤكد دور الإرادة الإنسانية في مواجهة التحديات.

 وفي مقال بعنوان «بين طه حسين والسينما.. ثلاثة أفلام وثلاث حكايات» يلاحظ محمود مطر أنه «رغم الطبيعة الفكرية المختلفة لمؤلفات طه حسين التى تتسم بالعمق والشمول وتكتسب دائما الصفة الموسوعية… إلا أن السينما المصرية سعت إليه وأخذت عن مؤلفاته ثلاثة أفلام هى «ظهور الإسلام» عن روايته «الوعد الحق»، و«دعاء الكروان و«الحب الضائع»، ولا بد أن صناع السينما الذين يتعاملون مع وسيط إبداعي يستهدف الجمهور العام قد وجد «شيئا» يمس هذا الجمهور الواسع في روايات العميد التي لا تتعالى على الحياة الاجتماعية وعلى معاناة الناس رغم رقى رواياته لغة وموضوعا، وهى الحالة ذاتها التي يمكن أن نصف بها إقبال السينما على أعمال نجيب محفوظ فيما بعد.

انتقل مشروع التنوير المصري والعربي الحديث نقلة كبيرة مع طه حسين، حيث تجلت عناصره الأساسية الشاملة، وتبلورت مواقفه الفكرية الأساسية عبر مواجهات وصدامات تحمّلها مع رموز جيله، لكنه كان دائما الأكثر مبادرة، كما كان دائما في الصدارة.

المقالات:

طه حسين وشعارات الإسلام السياسي

طه حسين والمرأة.. أحد أعمدة التنوير عند عميد الأدب العربي

طه حسين المجدد .. بعيون  جابر عصفور

كيف برأت النيابة طه حسين من تهمة «التشكيك في القرآن

العميد بين البدايات والنهايات.. هل خان طه حسين مشروعه الفكري؟

قبل ديكارت وفولتير: كيف تأثر طه حسين بفكر المعتزلة؟

الشيخ الذي سبق طه حسين فى إثارة قضية الشعر الجاهلى

تحدث عن أشهر من عاشوا قبل الميلاد.. «قادة الفكر».. الكتاب المنسى لـ«طه حسين»

بين طه حسين والسينما.. ثلاثة أفلام وثلاث حكايات

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: