ثقافة

أدب نجيب محفوظ على الشاشة.. بين «أهل القمة» و«أفراح القبة»

كيف تمكن صاحب نوبل الكبير نجيب محفوظ من توثيق مجمل التغيرات الإجتماعية والإقتصادية التي شهدها المجتمع المصري خلال عصر الإنفتاح؟ وهل يمكن للعمل السينمائي أو الدرامي التليفزيوني أن يُعيد إحياء نص أدبي كان قد تعرض للهجر والنسيان؟.. تساؤلات عديدة حول علاقة نجيب محفوظ بالسينما والدراما التليفزيونية طُرحت خلال أعمال مؤتمر «السينما والأدب في مصر.. الإقتباس: محطات محورية في تاريخ مشترك» والذي نظمته كلية الآداب بجامعة القاهرة.

أهل القمة.. صعود وهبوط

«كل الروايات التي كتبتها خلال فترة السبعينيات تتميز بوجود خط نقدي صارم وتعرية واضحة لمرحلة الإنفتاح» هكذا تحدث نجيب محفوظ عن مجمل أعماله التي صدرت فى  سبعينيات القرن الماضي. وقد خص قصة «أهل القمة» التي جاءت ضمن مجموعة «الحب فوق هضبة الهرم» بكونها أكثر أعماله تعبيرا عن فترة الإنفتاح الإقتصادي.

الناقدة السينمائية أماني صالح طرحت فى ورقتها خلال ندوات المؤتمر، والتي حملت عنوان «الصعود في أهل القمة.. القصة والفيلم»، عدة تساؤلات تمحورت حول أوجه الإتفاق والإختلاف بين القصة الأصلية  والفيلم السينمائي، الذي أُقتبس عنها وحمل ذات العنوان للمخرج علي بدرخان؟ وكيف تمكن نجيب محفوظ ككاتب للقصة من ناحية ومبدعو الفيلم من ناحية أخرى، أن يبلوروا رؤيتهم حول مرحلة الإنفتاح الإقتصادي والإجتماعي الذي شهدته مصر فى تلك الآونة التي اتسمت بصعود العديد من المنتمين للفئات التي أطلقت عليهم الناقدة «الفئات الطفيلية» في مقابل حالة الهبوط الذى شهدته الطبقة الوسطى.

استهلت أماني صالح عرض ورقتها بالإشارة إلى أن الفارق الزمني بين صدور قصة «أهل القمة» وإنتاج الفيلم كان محدودا للغاية، ذلك أن مجموعة «الحب فوق هضبة الهرم» التي ضمت القصة تم نشرها سنة 1979، في حين كان العرض الأول للفيلم فى شهر مايو سنة 1981. وقد كتب سيناريو وحوار الفيلم مصطفي محرم بالإشتراك مع المخرج علي بدرخان، أما البطولة فكانت لسعاد حسني وعزت العلايلي ونور الشريف.

ينتمى فيلم «أهل القمة» لموجة الأفلام التي أطلقت عليها الدكتورة درية شرف الدين «سينما الإنفتاح»، والتي ضمت تيارين متمايزين، التيار الأول جاء مخاطبا الجمهور الجديد الذي أوجده عصر الإنفتاح والذين وصفتهم الباحثة بكونهم «ناس معاهم فلوس وعايزين يشوفوا سينما»، أما التيار الثاني فهو تيار الوعي النقدي الذي هدف لنقد عصر الإنفتاح وتحليل التغيرات الإجتماعية والإقتصادية التي شهدها المجتمع المصري نتيجة تلك السياسات.. ومن ثم انتصرت درية شرف الدين لفيلم «أهل القمة» بوصفه ينتمي لهذا التيار الثاني الناقد لذلك العصر.

وقد تناولت أماني السمات العامة لفترة الإنفتاح مشيرة إلى سيطرة المنتج الأجنبي بالسوق المصري نتيجة الإعتماد على السوق الحرة، وزيادة النزعة الإستهلاكية وتراجع نفوذ القانون، مع إنتشار مظاهر الفساد وزيادة معاناة الطبقة الوسطى الذي تواكب مع صعود «طبقة الطفيليين والمحتكرين والمهربين» وفقا لوصف الباحثة.

تقدم أماني أبطال القصة والفيلم وهم الضابط محمد فوزي واللص زعتر النوري وسهام بنت أخت الضابط، والتي يسعى اللص بعد أن أصبح رجل أعمال للإرتباط بها.. حيث تمتد حالة الصراع والتضاد على إمتداد القصة والفيلم بين عالم الضابط الشريف المنتمي للطبقة الوسطى وعالم اللص المنتمي لطبقة الطفيليين، لينتصر اللص في نهاية العمل في رحلته صاعدا في مقابل سقوط الضابط وهبوطه أسفل السلم الإجتماعي.

تقارن أماني بين القصة والفيلم من حيث الأماكن التي تدور فيها الأحداث بالقاهرة بوصفها المدينة الأم المعبرة عن المجتمع المصري، من ثم يتم الإنتقال إلى مدينة الأسكندرية في القصة في مقابل مدينة بورسعيد في الفيلم.. هنا تؤكد أماني أن تغيير المدينة من الأسكندرية إلى مدينة بورسعيد كان موفقا للغاية من قبل صناع الفيلم، ذلك أن مدينة بورسعيد تعد المدينة الأكثر تعبيرا عن عصر الإنفتاح وفرص التجارة وجني الثروة سواء كان ذلك بشكل مشروع أو غير مشروع.

تصف أماني طبيعة الأماكن «حي السكاكيني.. سوق ليبيا بالقاهرة.. برج القاهرة» التي دارت بها أحداث القصة و بعض أحداث الفيلم وكيفية توظيف الأماكن بالعملين، حيث تؤكد أن ما هزم الضابط المنتمي للطبقة الوسطى ليس اللص وحده، وإنما هى المدينة بكل ما تحمله من زحام وقلق ولافتات إستهلاكية معبرة عن طبيعة المرحلة.

المثير في تناول أماني لـ«أهل القمة» تمثل في طبيعة الإنتقادات التي وجهت للفيلم من قبل النقاد الذين أشاروا إلى أنه  قدم اللص بوصفه شخصية خفيفة الظل تتسم بالذكاء الإجتماعي والجدعنة والشهامة، وهى صفات جعلت جمهور السينما يتعاطف بل ويحب شخصية اللص بكل ما تحمله من سمات ساعدته فى رحلة صعوده الإجتماعي، وبالتالي بات الذكاء الإجتماعي وخفة الظل ،أهم من التعليم وقيم الطبقة الوسطى بكل ما تمثله من شرف وأمانة وإستقامة.

اختتمت أماني تناولها لقصة وفيلم «أهل القمة» بجملة اللص زعتر التي خاطب بها سهام ابنة أخت الضابط قائلا: «خالك رجل فقير لأنه شريف».. وهى تعد الجملة الأكثر تعبيرا ودلالة عن فترة الإنفتاح بمصر.

أفراح القبة.. بين الرواية والمسلسل

حرص صناع الدراما التليفزيونية مثلهم مثل مبدعي السينما على الإقتباس من أعمال نجيب محفوظ الروائية والقصصية .. لكن الجديد في الأمر أن مسلسل «أفراح القبة» الذي تم انتاجه وعرضه في شهر رمضان عام 2016، قد أحيا من جديد رواية «أفراح القبة» حيث أعيد نشرها وباتت تحمل لقب «الأكثر مبيعا».

وتحكى الرواية قصة أبطال إحدى المسرحيات الذين يجدون أنفسهم مجبرين على القيام بأدوارهم الحقيقية فى الحياة على خشبة المسرح، بعد أن أجبرهم المؤلف على القبول بهذا السيناريو، أما المسلسل فهو يدور فى نفس الإطار تقريبا. وقد قام ببطولته منى زكى وإياد نصار وجمال سليمان وصابرين وسوسن بدر ودينا الشربينى من إخراج محمد ياسين.

وهنا يبرز السؤال كيف تمكن العمل الدرامي من أن يعيد إحياء العمل الأدبي؟، وهو السؤال الذي كان محور ورقة الدكتورة دينا جلال الباحثة المتخصصة في مجال إقتصاديات الثقافة في مصر، والتي جاءت بعنوان «السوق كفضاء متبادل بين النص والصورة.. أفراح القبة لنجيب محفوظ».

تجيب د .دينا على هذا السؤال بالقول إنه يمكن رصد «إطار علاقة تبادلية بين نص مكتوب، ومنه الى الصورة، فعودة الى النص المكتوب» حيث صدرت رواية «أفراح القبة» لأول مرة سنة 1981 وحين حصلت مؤسسة الشروق على حق نشر أعمال نجيب محفوظ كاملة أعادت نشر الرواية فى أعوام 2006 و2007 و2008 إلى أن قامت المؤسسة ذاتها بإنتاج الرواية كمسلسل تليفزيوني سنة 2016 وهو ما منح ميلادا جديدا ومن ثم أعادت مؤسسة الشروق طبع الرواية أكثر من مرة لتحتل قائمة الأكثر مبيعا.

ترى دينا أن سر نجاح المسلسل كان في ارتباط عرضه بشهر رمضان مع وجود سوق منتعش إضافة لقدرة صناع المسلسل على كسر العديد من التابوهات السائدة، وقد تم عرضه في  عدد من القنوات الفضائية وخلال موسم تليفزيونى وصفته د.دينا «بالاستثنائي» حيث اتسم بزخم العروض وتنافسيتها، وبأجواء الفرجة اللاهثة المشتتة، ومع ذلك نجح  المسلسل فى جذب المشاهد والناقد، على حد سواء، كما أُعيد بثه أكثر من مرة بعد أسابيع قليلة من انتهاء عرضه الأول، فكان عرض المسلسل بمثابة فرصة لإعادة «الإحياء» أو «الإحتفاء» بالرواية من قبل الأوساط الأدبية والنقاد.

 وتعتبر الدكتورة دينا أنه لولا الصورة «المسلسل» ما تم إحياء النص المكتوب «الرواية»، أي أن إحياء هذا النص المكتوب جاء من خارج مجاله «النشر» وجمهوره «القراء»، وبلغة اقتصادية فإن «دفع» أو «تحريك» الطلب على الرواية جاء من خارج سوق صناعة الكتاب، وبفعل صناعة الصورة، وهو ما يعنى أن إعادة نشر الرواية -كفعل مادي- جاء محملا بأصداء وتداعيات المشاهدة، وهو ما يطرح عدداً من التساؤلات من أهمها: «كيف خدم كل منهما الآخر: النص والصورة؟ ماذا فعل النص بالصورة؟ كيف ساهم فى إنجازها؟ ماذا قدمت الصورة للنص؟ وكيف أعادت تلك الصورة الاعتبار للرواية؟».

هنا تشير الدكتورة دينا إلى أن عملية «إحياء النص» من خلال الصورة قد تجاوزت البعد الاقتصادي في نطاق سوق النشر «عرضاً وطلباً على الرواية» لتشمل السياق الثقافي بمعناه الواسع.

غير أن هذا لم يمنع النقاد من توجيه العديد من الانتقادات للمسلسل، من بينها طول حلقاته التي كان من المقرر أن تكون 17 حلقة فقط، غير أنها انتهت لتصبح 30 حلقة وهو ما رأه البعض إنتقاصا من جودة العمل المقدم في حين نظر إليه البعض بوصفه فرصة مواتية أتاحت إمكانية تضمين أبعاد جديدة للعمل الدرامي.

 

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق