رؤى

تأسيس الجيش المصري بين محمد علي وجمال عبد الناصر (2)

عندما أعاد الوالي سعيد باشا بناء الجيش المصري مرة أخرى، أثناء خلافه مع تركيا على الحدود، سمح بتعيين أبناء مشايخ البلد من المصريين كصف ضباط، وبترقيتهم بعد ذلك إلى ضباط. وعندما انتهت مشكلته مع الدولة العثمانية أهمل الجيش. لكن الخديوي اسماعيل أعاد الاهتمام به. بينما كان التطور السياسي الأهم في عهد الخديوي توفيق، حيث ظهر الاحتكاك والمنافسة بين الضباط المصريين – الذين أصبحوا في قيادة الجيش بزعامة أحمد عرابي – والضباط الشركس، وهو الحدث الذي يمثل الذروة في تمصير الجيش، الذى كان يتجنبه كل من حكم مصر لقرون خلت. فحدثت ثورة عرابي والمطالبة بالمساواة والدستور، وغيرها من تطورات وتداعيات انتهت بالاحتلال البريطاني لمصر عام 1882.

مصر للمصريين

في مذكراته يعطينا أحمد عرابي معلومات مثيرة حول هذا الموضوع في فصل بعنوان «أجمل أيام حياتي»، حيث يحكي عن أولى سنوات خدمته في الجيش – بين سنتي 1854 و1860 –، وهي الفترة التي دخل فيها الجيش برتبة جندي بسيط حتى ترقى إلى رتبة أميرالاى (Colonel). فيقول: «كنت موضع رعاية المرحوم محمد سعيد باشا وتقديراً لي أهداني – أثناء زيارته لجزيرة العرب – كتاباً باللغة العربية مطبوعاً في بيروت، عنوانه «تاريخ نابليون بونابرت». وبهذه المناسبة حدثني بمرارة عن السهولة التي استطاع بها الفرنسيون غزو مصر، وعن ضرورة حماية الوطن من ظلم الأجانب.. فبدأت من ذلك الوقت أهتم بتاريخ الشعوب الغربية، وقَوِيَ لدي هذا الشعور – أكثر فأكثر- عندما استمعت إلى خطبة ألقاها سعيد باشا في مأدبة أقيمت في ثكنات قصر النيل أمام رجال الدين وأعضاء الأسرة الحاكمة وضباط الجيش وأعيان البلاد، قال فيها: «أيها الأصدقاء لقد تأملت في أحوال الشعب المصري الذي تعرض – طوال تاريخه – للقهر والاحتقار والاستعباد على يد شعوب الأرض، ووقع تحت نير الغزاة من كل جنس: الرعاة والآشوريين والفرس والليبيين والسودانيين والإغريق والرومان. ولم تنته آلام مصر بعد ظهور الإسلام، فقد غزاها على التوالي الأمويون والعباسيون والفاطميون والأكراد والشركس والأتراك والفرنسيون بقيادة بونابرت. ولهذا السبب، وبصفتي مصرياً، فإنني أعتبر أنه من واجبي العمل على تربية هذا الشعب، وجعله يستغني عن الأجانب، وقررت تنفيذ هذه الفكرة».

يضيف عرابي: «بعد هذه الخطبة انصرف الأمراء والأعيان وهم مندهشون وغاضبون. ولكن المصريين على العكس، كانوا مشرقين بالفرحة والأمل. أما أنا شخصياً فقد اعتبرت هذه الخطبة بمثابة أول لبنة في بناء صرح مبدأ مصر للمصريين».[1]

أغلبية مصرية.. وأقلية شركسية

وصل إلى رتبة البكباشي (المقدم) في عهد سعيد ضابطان مصريان، هما أحمد عرابي وعبد العال حلمي.. ووصل الأقباط إلى رتب الضباط لأول مرة. كان أحمد عرابي ابناً لشيخ بلد قرية (هرية رزنه) بالشرقية، وقد تعلم القراءة والحساب على يد صرّاف قبطي، ثم انتقل إلى الأزهر، ومنه إلى الجيش، حيث ساعد تعليمه، وزيادة عدد الجيش، على سرعة الترقي، حتى أصبح ملازماً عام 1858، وبكباشياً وياوراً لسعيد عام 1860.

لكن عرابي لم يواصل ترقياته السريعة في عهد إسماعيل، الذي اقتصر منذ تولي الحكم على ترقية الضباط الألبان والشراكسة إلى المناصب القيادية، وإبعاد الضباط المصريين إلى مناصب ثانوية، مما أحدث خلافاً بين صفوف الضباط الذين يسمون بالفلاحين والآخرين الذين لقبوا بالشراكسة، وزادت التناقضات بتوزيعه (إسماعيل) 500 فدان لكل لواء، و200 فدان لكل أميرالاى، و150 فدانا لكل قائمقام. وكان معنى هذا حرمان المصريين من تلك الهبات. 

مع ذلك لم يكن عهد الخديوي إسماعيل يمثل انحساراً في تطور الجيش. فقد وصل أفراد الجيش في عهده إلى ثمانين ألفاً، وقد أرسل 15 فرقة عسكرية إلى مولدافيا وكريت لمعاونة الجيش العثماني في القضاء على ثورتها. وخلال الفترة (1870-1879) كان هناك 54 ضابطا أمريكيا يخدمون في الجيش المصري، أحدهم برتبة لواء واثنان برتبة أميرالاى ولكنهم سرحوا جميعا عام 1879 كنتيجة للأزمة المالية الطاحنة.

ونتيجة لزيادة عدد الجيش، وصدور قرار بتعيين ضباطه من خريجي مدارس الجيش فقط، زادت نسبة الضباط المصريين حتى أصبحوا الأغلبية التي ترأسها

وتتحكم فيها الأقلية الشركسية، كما انتشر التعليم في الجيش بحيث لم يكن فيه سوى 42 جنديا أمياً فقط.

وخلال حكم اسماعيل أمضى أحمد عرابي، الذي وصل إلى رتبة البكباشي في عهد سعيد، 19 عاماً بلا ترقية، ولم يصل إلى رتبة أميرالاى إلا بعد خروج إسماعيل في صيف 1879. وخلال تلك السنوات، وتحديدا عام 1876، تألفت أول (جمعية سرية)  داخل الجيش المصري لأول مرة في تاريخه الحديث برئاسة على الروبي، وذلك للدفاع عن مصالح الضباط الوطنيين باسم (مصر الفتاة). وقد زاد نشاطها عقب انضمام أحمد عرابي لها بعد حرب الحبشة. وأصبح عرابي بجرأته وفصاحته الرئيس الفعلي لهذه الجمعية عام 1877.[2]

أول مظاهرة

أدركت الوزارة التي كان يرأسها نوبار باشا الأرمني، و التي كانت تعبر عن المصالح الأوربية، أن مصدر الخطر على الوصاية الأجنبية والنفوذ الأجنبي الزاحف على مصر، هو الجيش، فعمدت إلى تصفيته بإنقاص عدده وإحالة عدد كبير من ضباطه للاستيداع، بحجة التوفير لأداء أقساط الدين. ودعت هؤلاء الضباط لتسليم أسلحتهم وتسلم جزء من مرتباهم المتأخرة، فحشدت بذلك في القاهرة 2500 من الضباط الساخطين[3] وقد وقام هولاء الضباط بقيادة لطيف سليم مدير المدرسة الحربية بأول مظاهرة من نوعها يوم 18 فبراير1879، وحاصروا نوبار وويلسون وزير المالية البريطاني وانهالوا عليهما بالضرب حتى حضر الخديوي إسماعيل لإنقاذهما.

وقد قُدم أحمد عرابي وعلي الروبي ومحمد النادي إلى المحاكمة، بتهمة تدبير التمرد، واكتفى المجلس العسكري بتوبيخهم رغم عدم اشتراكهم في المظاهرة، لكن الأمر انتهى بسقوط وزارة نوبار باشا.

لم تكن حركة الضباط منفصلة عن المثقفين. فكان أحمد عرابي يعتبر نفسه من أتباع جمال الدين الأفغاني الذي استقر في مصر عام 1871 وأبعد عنها في سبتمبر 1789. كما برز أكثر المعبرين عن فكر الحركة مثل الأمام الشيخ محمد عبده، وأديب إسحاق الكاتب الصحفي السوري الذي استوطن مصر عام 1876، وعبد الله النديم وسليم النقاش وإبراهيم اللقاني وغيرهم من المثقفين. ومن جهة أخرى وصلت اتجاهات المعارضة إلى مجلس شورى النواب الذي كان مشكّلا من أصحاب الأرض ورجال الدين.[4]

أواخر عام 1880 قررت وزارة رياض باشا توجيه ضربة أخرى للجيش المصري، فقررت تصفية الضباط المصريين المارقين من تحت السلاح، عن طريق حصر الترقي في خريجي المدرسة الحربية دون غيرهم. وكان معنى ذلك تجميد الضباط المصريين من أبناء العمد والمشايخ الذين دخلوا العسكرية أنفاراً، ثم ترقوا من تحت السلاح، وحرمانهم من الوصول للمناصب العليا، ثم شرعت في تصفية هؤلاء الضباط لصالح الضباط الشراكسة. فأمرت بإحالة عبد العال بك حلمي إلى ديوان الجهادية. وفصل أحمد بك عبد الغفار قائمقام السواري وأحلت محلهما ضابطين شركسيين.

مهدت الوزارة بهذه الاجراءات للثورة، ففي نفس الليلة التي صدر فيها هذا الأمر من جانب عثمان رفقي باشا، تكون الحزب العسكري السري بقيادة عرابي وعضوية الأميرالاي عبد العال حلمي، والبكباشي خضر وعلي بك فهمي، والبكباشي محمد عبيد، والبكباشي ألفي يوسف، والقائمقام أحمد عبد الغفار. وقد حرر هذا الحزب عريضة إلى رياض باشا يطلب فيها عزل عثمان رفقي وإعادة النظر في قوانين الترقي، وإجراء تحقيق في أهلية من تمت ترقيتهم. ووقع على العريضة أحمد عرابي وعلى فهمي وعبد العال حلمي.[5]

مظاهرة عابدين

اجتمع مجلس الوزراء برئاسة الخديوي توفيق يوم 30 يناير 1881، وأصدر قراراً باعتقال أحمد عرابي وعلي فهمي وعبد العال حلمي. فاُستدعي الضباط الثلاثة إلى وزارة الحربية في أول فبراير 1881، وتم القبض عليهم وسجنهم. لكن وصلت قوات المشاة بقيادة البكباشي محمد عبيد فطوقتها، وهرب عثمان رفقي من الشباك، واقتحم الجنود قاعة المحاكمة وحملوا قادتهم على الأعناق وتوجهوا في مظاهرة إلى قصر الخديوي، حيث طالبوا بعزل عثمان رفقي فوراً وإقرار حقوق متساوية في الجيش. فاضطر الخديوي لعزل وزير الحربية فوراً وعين بدلاً منه محمود سامي البارودي.            

لم تكد تهدأ الاضطرابات حتى قام الخديوي بعزل محمود سامي البارودي، للتخلص من الاتجاهات المضادة له في الجيش، فأصدر في 9 سبتمبر1881 أمرا بنقل بعض الآلايات إلى الريف وكان ينبغي أن يرحل معها أحمد عرابي وعلى فهمي وعدد من الضباط الوطنيين. وأدرك القادة الوطنيون أنها خطة للتخلص منهم، فتحركوا في مظاهرتهم الثالثة – خلال فترة تقل عن ثلاث سنوات – في نفس اليوم الذي تلقوا فيه الأوامر بتحريك القوات للريف. وتمثل ذلك في مظاهرة عابدين في نفس اليوم 9 سبتمبر 1881حيث قدم الجيش بقيادة عرابي مطالبه الثلاثة: (اسقاط وزارة رياض باشا – إعلان الدستور وتشكيل مجلس النواب – زيادة عدد الجيش إلى 18 ألف). فدار الحوار المشهور عندما قال الخديوي توفيق: كل هذا الطلبات لا حق لكم فيها، وأنا ورثت هذه البلاد عن آبائي وأجدادي، وما أنتم إلا عبيد إحساناتنا. فقال عرابي قولته المشهورة: لقد خلقنا الله أحراراُ وإننا لن نستعبد بعد اليوم. خاف الخديوي من لهجة الحديث، وأشار عليه القنصل البريطاني الذي كان يقف إلى جانبه بالعودة إلى السراي، وتصدي هو لمناقشة عرابي، ووافق على تنفيذ المطلب الأول بتعيين شريف باشا رئيساً للوزراء وتأجيل الباقي لعرضها على الباب العالي في تركيا. [6]

(يتبع)

[1] – محمد صبري السوربوني: نشأة الروح القومية المصرية (1863- 1882)، (القاهرة: المشروع القومي للترجمة – المجلس الأعلى للثقافة، 2006)

[2] -أحمد حمروش: قصة ثورة 23 يوليه، مصر والعسكريون «الجزء الأول»، (القاهرة: مكتبة مدبولي، 1983)، ص ص 45-46.

[3] – د. عبد العظيم رمضان: الجيش المصري في السياسة، (1882-1936)، (القاهرة: الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1977) ص 15

[4]– أحمد حمروش: نفس المرجع السابق، ص 47.

[5] – دكتور عبد العظيم رمضان: نفس المرجع، نفس الصفحة.

[6] – أحمد حمروش: نفس المرجع السابق، ص 51-54

الوسوم

حسني كحلة

باحث في الاقتصاد السياسي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق