ثقافة

محاولة للتصدي للثقافات المفترسة.. التعليم كمشروع لتحقيق العدالة الإجتماعية والمواطنة

هل يمكن للتعليم أن يكون مشروعا إجتماعيا يهدف إلى تحقيق العدالة الإجتماعية؟، وهل التعليم الديمقراطي والمدارس الديمقراطية أحلام ممكنة بالفعل؟ وهل الحديث عن المواطنة العالمية في ظل عالم يموج بالأزمات أمر ممكن؟.. هذه التساؤلات وغيرها كانت محور المحاضرة التي ألقاها الدكتور كارلوس ألبرتو توريس أستاذ كرسي اليونسكو للتعليم العالمي والمواطنة بجامعة كاليفورنيا الأمريكية التي نظمها برنامج «حلول للسياسات البديلة» بالجامعة الأمريكية بالقاهرة،تحت عنوان«التعليم كمشروع للعدالة الإجتماعية والمواطنة العالمية».

في تقديمها للمحاضر أشارت الدكتورة فريدة مقار باحثة الدكتوراه بجامعة أكسفورد، والمتخصصة في تاريخ التعليم في مصر،  إلى أنه ومنذ عام 1980، وبفضل باولو فريري ذلك المعلم البرازيلى الشهير الذى قدم رؤية للتعليم حظيت بتأثير عالمى وله كتب مثل تعليم المقهورين والتعليم ممارسة للحرية وغيرها بفضل فيريرى ورؤيته وكتبه تم التركيز على مفهوم العدالة الإجتماعية ومن ثم تصاعدت الأصوات المطالبة بضرورة إحداث تغيير مجتمعي شامل لصالح الفئات المهمشة بالمجتمع

أضافت مقار أنه على هذا الأساس بات التساؤل المطروح: كيف يمكن النظر للتعليم ليس بوصفه مرحلة لتأهيل الكوادر لسوق العمل فحسب، وإنما بإعتباره جزءا من عملية تغيير المجتمع نحو مزيد من العدالة الإجتماعية؟.. بمعنى أخر: كيف يمكن للتعليم أن يعمل على تحقيق العدالة الإجتماعية في المجتمع؟

العالم على حافة خيارين

في بداية محاضرته قال الدكتور توريس إن العالم يقف اليوم على حافة خيارين.. إما التوسع في تطبيق نظم الديمقراطية، ومن ثم التوسع في دعم الحريات وتطبيق حقوق الإنسان، ودعم الجهود الرامية لمواجهة الأزمات الناجمة عن ظاهرة الإحتباس الحراري، أو الإستسلام لسيطرة النظم السلطوية، ومن ثم التوجه نحو مزيد من إضطهاد الفئات المهمشة بالمجتمع.

 وأشار توريس إلى أن السمات العامة التي أصبحت تسم العالم اليوم تتمحور حول فقدان الثقة التامة في كل ما يتعلق بسياسات الليبرالية الجديدة التي بدأت في ثمانينيات القرن الماضي ونجم عنها زيادة معدلات الفقر والتهميش إضافة للإختفاء التدريجي للطبقة الوسطى.. وليس أدل على فقدان الثقة بتلك السياسات الليبرالية من أن الولايات المتحدة الامريكية ذاتها باتت تشهد مراجعة شاملة لكل ما يتعلق بسياسات ترامب.

 على جانب آخر أكد دكتور توريس على أن العالم، وإن كان يستحيل أن يشهد حربا بمعناها التقليدي بسبب التطور الكبير في مجال التكنولوجيا، إلا أنه بات يشهد ما يطلق عليه «حربا رقمية» قطباها الصين وأمريكا حيث أصبح الإقتصاد الصينى من أعظم  الإقتصادات فى العالم ولم يعد الصراع بين الصين و أمريكا صراعا يتعلق بالمال وإنما أصبح يتعلق بالسلطة وفرض النفوذ العالمي.

الجديد في الأمر أن العالم بات يشهد بروزا جديدا لبعض التوجهات التي تلقي باللوم على المهاجرين بوصفهم أسباب تفاقم  كثير من الأزمات التي تشهدها بعض بلدان العالم وهو ما من شأنه أن يؤدي إلى ظهورنوع جديد من «الفاشية» سوف يسيطر على العالم ما لم يتم السعى إلى تطبيق مفهوم «المواطنة العالمية» على حد قول دكتور توريس.

كارلوس ألبرتو توريس

التعليم من أجل العدالة الإجتماعية

هل يمكن للتعليم أن يلعب دورا في تحقيق العدالة الإجتماعية؟.. يجيب دكتور توريس على هذا التساؤل مؤكدا على أنه ومن واقع خبرته في مجال دراسة نظم التعليم بدول أمريكيا اللاتينية – والتي تشبه مصر كثيرا- فإن هناك ضرورة لتأكيد أهمية الإعتماد على التعليم العام القومي الذي يتضمن إدماج أحلام وتوقعات البشر داخل المنظومة التعليمية وذلك إستنادا لعدد من البحوث التشاركية التي يتاح فيها للمهمشين فرصة التعبير عن أحلامهم وآمالهم.

كما نوه إلى أهمية ما أطلق عليه «نظام التعليم الإجتماعي التحويلي» وهو نوع من التعليم يتم خارج إطار المؤسسات التعليمية الرسمية، يعتمد على وسائل الإتصال الحديثة «الإنترنت» ويتم بالإتحادات العمالية والنقابية وغيرها من المؤسسات المعنية بتطوير مهارات البشر.

ديمقراطية المدرسة

يتناول دكتور توريس منهج باولو فريري في التعليم مؤكدا على أن فريري لم يكن يمتلك الإجابة على كل التساؤلات غير أن منهجه يقوم على التأكيد على ضرورة توفير الظروف المواتية داخل الفصول الدراسية حتى يمكن ممارسة الديمقراطية.. غير أن التساؤل الملح بات يتمثل في كيف يمكن تحسين خبرة الدارسين والمدرسين على حد سواء في مجال تطبيق الديمقراطية؟

يجيب توريس بأن «الحوار» هو لب نموذج فريري في التعليم.. الحوار النشط بين عناصر المؤسسة التعليمية هو جوهر تطبيق الديمقراطية بالتعليم، فالمدرسة وفقا لهذا النموذج تعد خط الدفاع الأول بالمجتمع حيث يعتبر الفصل بمثابة المكان الذي منه يتم طرد السلطوية كي يتم غرس بذور الديمقراطية لتحل محلها.

ويؤكد توريس على ضرورة الحرص على «جودة التعليم» مشيرا إلى أنه ضد إرسال الأطفال إلى مدارس لا يتوفر بها مستوى جيد من جودة التعليم، مع الحرص على توفر التعليم المدني الذي يستند إلى التأكيد على تناول القضايا العالمية وأن البلدان تعتمد على بعضها البعض مع الحرص على غرس مبادىء التعاطف الإنساني العام بهدف خلق «إنسان عالمي».

 

التعليم والمواطنة العالمية

هل تطبيق مفهوم المواطنة العالمية حلم يمكن تحقيقه؟.. يستهل دكتور توريس إجابته على هذا التساؤل بالإشارة إلى أن مفهوم المواطنة ذاته ينطوي على التنوع في الثقافات، التنوع في الديانات، التنوع في الأعراف، التنوع في المواهب والمهارات والآراء ومن ثم هناك ضرورة لتدريس مبادىء المواطنة العالمية.

يسترسل دكتور توريس في توضيح مفهوم المواطنة العالمية مشيرا إلى أن «الحرية .. الكرامة .. البحث عن السعادة» تعد مقومات أساسية لحياة البشر، والمواطنة العالمية تعني أن كل البشر لهم ذات الحقوق العالمية في التعليم الجيد مع توفير فرص العمل المناسبة والعلاج والمسكن الملائم والمواصلات بتكلفة مقبولة وغيرها من الحقوق في إطار ما قد عرف «بدولة المصلحة العامة».

هنا يطرح دكتور توريس ما أطلق عليه «نظرية القواسم المشتركة» وهى نظرية تقوم على البحث في المشترك بين الشعوب مع ضرورة الوقوف صفا واحدا في مواجهة الثقافات التى أطلق عليها «الثقافات المفترسة» حتى يمكن توفير عالم أفضل للأجيال القادمة، ذلك أن السلام كنز لا غنى عنه للبشرية.. السلام الأبدي الذي يتوجب معه وقف كافة الممارسات العنصرية ضد المهجرين مع التأكيد على حقهم في حسن الضيافة والإستضافة.

جدل وتساؤلات

أثارت محاضرة دكتور كارلوس ألبرتو توريس الكثير من الجدل لدى الحضور، فقد تساءل البعض عن كيفية تطبيق نظام التعليم الديمقراطي في ظل ضعف الإمكانات المتاحة والكثافة العالية بالفصول الدراسية بالمدارس المصرية؟، بينما تساءل آخرون حول  إمكانية تطبيق نظام تعليمي يقوم على المواطنة العالمية إذا كانت الشعوب غير متساوية في الموارد؟، وطرح ثالث تساؤلا يتعلق بكيف يمكن للمدرسين والطلاب أن يمارسوا نوعا من الحوار الديمقراطي مع إنتشار ظاهرة وضع الكاميرات بالفصول الدراسية؟ وكيف يمكن دمج ذوي الإحتياجات الخاصة داخل منظومة التعليم الديمقراطي الذي ينادي بالمواطنة العالمية؟.. وكيف يمكن تطبيق نظام المواطنة العالمية في ظل الهيمنة الأمريكية؟

وقد أجاب توريس على مجمل تلك التساؤلات مشيرا إلى أن العالم يشهد حاليا  أصواتا ممن ينتمون إلى الطبقات الغنية والشخصيات المنتمية لعالم المليونيرات، يطالبون بزيادة فرض الضرائب على الأغنياء وذلك إعترافا منهم بان إنعدام العدالة الإجتماعية بات يسبب الكثير من المشكلات ويمثل تهديدا للعالم كله الأمر الذي يجعل من المطالبة بمزيد من العدالة الإجتماعية  أمرا حتميا.. إن الدعوة لتطبيق فكرة المواطنة العالمية من شأنها دعم تطبيق مبدأ العدالة الإجتماعية.

كما أن الحديث عن الثقافة العالمية من شأنه وضع أسس تضمن القضاء على ما قد سبق أن شهده العالم من مجازر وإبادة جماعية لبعض الشعوب ومن ثم يختتم دكتور توريس حديثه بالتأكيد على أن هناك بوادر أطروحات جديدة تلوح في الأفق سوف تحد من دور الدول الكبرى وتعطي أولوية لدور أكثر فاعلية لهيئة الأمم المتحدة ومجلس الأمن وهو ما سوف يتجلى أثره بالعقد القادم على حد توقعه.

انتهى حديث دكتور توريس وبقيت العديد من التساؤلات التي طرحها الحضور ماثلة في حاجة إلى إجابات شافية.. كيف يمكن طرح مفهوم «ديمقراطية التعليم» بفصول تعاني من الكثافة الطلابية العالية، كيف يمكن الحديث عن المواطنة العالمية في ظل هيمنة أمريكية باتت تنازعها عليها الصين؟.. لعل العقد القادم يأتي محملا بإجابات لكل تلك التساؤلات.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق