منوعات

بين الطليعة والدعوة (5): قضية التعليم.. وطنية عند اليسار.. وإسلامية عند الإخوان

كان التعليم المجاني الذي بات مُتاحا بمصر منذ خمسينيات القرن الماضي، أحد أهم وسائل الصعود الإجتماعي والإنتقال من طبقة إجتماعية إلى أخرى، غير أن هذا الحال لم يستمر طويلاً. فمع تطبيق سياسة الإنفتاح الإقتصادي في منتصف السبعينات اختلت المعادلة كثيرا، ولم يعد التعليم يمثل ذلك المشروع الإجتماعي الذي يهدف إلى تحقيق العدالة الإجتماعية، ومن ثم المساهمة في الصعود الإجتماعي المنشود من قبل الفئات الفقيرة.

فكيف تعاملت كل من مجلة «الطليعة» المعبرة عن اليسار ومجلة «الدعوة» الناطقة بلسان حال جماعة الإخوان المسلمين مع قضية التعليم ومشكلاته خلال فترة إلتقائهما من يوليو 1976 حتى يوليو 1977؟، وهل الرؤية التي طرحت على صفحات المجلتين، سواء من جانب «اليسار» أو«الإخوان» حول قضايا التعليم ومشكلاته، لاتزال صالحة لمعالجة أزمة نظام التعليم في الوقت الراهن بمصر؟

 

 «الطليعة».. التعليم و «تكافؤ الفرص»

على امتداد أعداد سنة 1976 حرصت مجلة «الطليعة» وخلال «حوارات هموم المواطن» وتعقيبات كبار كتاب الطليعة، على طرح مجمل القضايا والتغيرات الإجتماعية التي كانت تشهدها مصرفي ذلك الوقت، والتي نجمت عن تطبيق سياسة الإنفتاح الإقتصادي، أو ما أطلق عليه آنذاك «سياسة الباب المفتوح» وكانت قضايا التعليم بالطبع على رأس تلك القضايا.

طرحت الطليعة «هموم الموظف الشاب.. إبراهيم عراق» بعدد أكتوبر 1976، بوصفه معبرا عن جيل كامل من الشباب، أطلقت عليه المجلة «جيل المثقفين أبناء العمال».. فعبر تتبع رحلة هذا الموظف الشاب نكتشف كيف تمكن ابن العامل البسيط من الإلتحاق بالجامعة والحصول على شهادة بكالوريوس التجارة ومن ثم العمل بدار الكتب والوثائق المصرية ليصبح ذلك الشاب المثقف الذي تمكن عبر التعليم من الإنتقال من طبقة إجتماعية إلى أخرى، من جانبه أدان «إبراهيم» الهجمة الشرسة التي كان يتعرض لها نظام التعليم المجاني من قبل بعض الكتاب الذين باتوا يحرضون ضد كل ما يتعلق بإنجازات فترة خمسينيات وستينيات القرن الماضي في إطار هجمتهم على الرئيس الراحل جمال عبد الناصر ويوليو 1952.

«محاولة من المدرس أن يوجِد لنفسه حلا منفردا بعيدا عن المجتمع ومصلحته» هكذا عبر «إبراهيم عراق» عن مشكلة الدروس الخصوصية وهى رؤية توافقت تماما مع رؤية الطليعة التي كانت ترى أن الدروس الخصوصية تمثل خللا بالمنظومة التعليمية إضافة  لكونها تعد نوعا من تكريس التمايز بين الفقراء والأغنياء. من جانب أخر أولت الطليعة إهتماما خاصا بمشكلات المعلمين، ففي مقالته المعنونة «أموال المعلمين.. أين تذهب؟» بعدد يوليو 1976 تساءل محمود عبد العزيز يوسف رئيس رابطة خريجي معاهد وكليات التربية كيف تُنفق الأموال التي يتم  ضخها لنقابة المهن التعليمية؟ ولماذا لا تعود بالنفع على المعلمين رغم كونها ترصد من قبلهم؟ كما تناول الكاتب «مشكلة إلغاء معاش المعلمين من النقابة كخدمة كانت قائمة» مشيرا إلى أن مسئولي النقابة عند طرح تلك المشكلة بلجنة التعليم والبحث العلمي بمجلس الشعب برروا هذا الإلغاء بكونه ناتجا عن عجز ميزانية صندوق المعاشات بالنقابة عن الوفاء بمعاش ثابت ودوري للمعلمين عند التقاعد وهو ما رفضه الكاتب متسائلا لماذا لم تتقدم النقابة بطلب دعم من الحكومة لتعزيز صندوق المعاشات؟ وتحت عنوان «متى ينتهي الإنفصال بين الجامعة والثورة الإجتماعية» بعدد ديسمبر 1976 تناول دكتور محمد رضا محرم قضية العلاقة بين الكم والكيف في التعليم الجامعي مؤكدا على أن التوسع في الكم لابد أن يرافقه نقلات نوعية من حيث الكيف حتى لا يصبح التعليم مجرد وسيلة للحصول على شهادة بهدف الحصول على فرصة عمل وحسب وإنما هناك ضرورة لأن يهدف التعليم إلى تحقيق التنمية والتقدم بالمجتمع ككل. 

واستعرض دكتور محرم أزمة العديد من الجامعات المصرية المتمثلة في نقص أعداد أعضاء هيئة التدريس في مقابل تزايد أعداد الطلاب ومن ثم ربط تلك الأزمة بسفر أساتذة الجامعات للخارج خاصة إلى دول الخليج العربي، كما تناول قضية نقص الإمكانات المعملية والمكتبية بالجامعات المصرية نتيجة ضعف الميزانية المخصصة للجامعات إضافة لأزمة الإنفصال بين الجامعة والمجتمع نتيجة غياب منظومة التخطيط التي تربط بين التعليم والتنمية وسوق العمل.

لم تكتف مجلة الطليعة بتناول قضايا ومشكلات التعليم الجامعي خلال مرحلة الليسانس والبكالوريوس فقط، لكنها أفردت مساحات لتناول مشكلات طلاب الدراسات العليا وأزمة البحث العلمي في مصر بصفة عامة. ففي عدد يونية 1977 أجرت الأستاذة فايقة عبده تحقيقا صحفيا مع عدد من الباحثين بالجامعات المصرية جاء تحت عنوان «الباحثون الشبان ومشاكل البحث العلمي» حيث رصدت الكاتبة عددا من المشكلات التي يعاني منها الباحثين بالجامعات المصرية كان منها أزمة الروتين والبيروقراطية المتحكمة بنظم الإدارة بالجامعات المصرية مع ضعف رواتب أعضاء هيئة التدريس – على إختلاف درجاتهم من المعيد حتى الأستاذ- وضعف الميزانيات المخصصة للمشروعات البحثية مع ندرة المراجع وتقادم الأجهزة والمعدات العلمية، وانتهت الأستاذ فايقة بالتأكيد على ما أوصى به الباحثون بضرورة ربط البحث العلمي بالجامعات المصرية بالمجال الصناعي ومن ثم طالبوا بضرورة أن تلعب الشركات الصناعية دورا في دعم ميزانيات البحث العلمي.

الدعوة .. وأسلمة العلوم

أولت مجلة «الدعوة» منذ انطلاق عددها الأول بشهر يوليو 1976 إهتماما خاصا بمتابعة أخبار الجامعات المصرية حتى أنها عمدت إلى تخصيص باب يحمل عنوان «أخبار الشباب والجامعات» على صفحتين من صفحات المجلة. تُرى كيف عالجت مجلة «الدعوة» قضايا ومشكلات التعليم الجامعي عبر ذلك الباب الثابت؟

 تضمن باب «الشباب والجامعات» رصدا لأهم الأخبار الخاصة بمكتب التنسيق وأهم الفاعليات والأنشطة الخاصة بالطلاب المنتمين للجماعات الإسلامية ومن ثم  احتفى باب الشباب والجامعات بعدد يوليو 1976 بقيام الجماعات الإسلامية بالجامعات المصرية بتنظيم ما أطلقوا عليه «أسابيع ثقافية إسلامية» حيث ساهم الكثيرون ممن أطلقوا عليهم «قادة الفكر الإسلامي» في تقديم صورة لشباب الجامعات عن العمل في مجال ما أطلقوا عليه «حقل الدعوة الإسلامية».

كما احتفى عدد ديسمبر 1976 بما وصفته الدعوة بأنه «ظاهرة صحية» تمثلت في إصرار الدكتور محمد سلام مدكور رئيس قسم الشريعة بكلية حقوق القاهرة بالفصل بين الطلاب والطالبات أثناء المحاضرات، تلاه فى الأعداد التالية من المجلة مزيد من الإحتفاء بإنضمام أساتذة آخرين بجامعات مختلفة تبنوا ذات النهج من الفصل بين الطلاب والطالبات وفقا لما أشارت إليه المجلة. 

أما عدد مارس 1977 فقد احتفى بما أطلقوا عليه «أسبوع الفتاة المسلمة بجامعة حلوان».. والذى تضمن تنظيم معرض للزي الإسلامي، حيث أشادت المجلة بمشاركة الطالبات فيما أطلقوا عليه «الدعوة الإسلامية والعمل الإسلامي داخل الجامعة» وكانت المشكلة الوحيدة – من وجهة نظرهم – أنه مازال هناك نقص شديد في «الداعيات المسلمات».. هكذا تعامل باب «الشباب والجامعات» مع قضايا ومشكلات التعليم في مصر، فالتعليم لديهم عبارة عن رصد لأنشطة ما أطلقوا عليهم «أنشطة الدعاة والداعيات للعمل الإسلامي داخل الجامعة».

على الجانب الآخر كانت هناك بعض المقالات التي ركزت على قضية محو الأمية إضافة إلى سلسلة من المقالات المتتالية بدأت مع عدد يوليو 1976 واستمرت حتى نوفمبر 1976 جاءت تحت عنوان «مشكلة التعليم في مصر» للدكتور محمد عبده إسماعيل مدرس الفلسفة الإسلامية بكلية دار العلوم انتقد فيها ربط التعليم في مصر بمفهوم «الشخصية المصرية» بوصفها تنتمي للتاريخ الفرعوني ومؤكدا على أن مصر تنتمي «للأمة الإسلامية» وبناء عليه رأى أنه لا يجب أن يكون هناك أي فصل بين العلم والدين كما أوصى بضرورة الحرص على الإعداد الديني المبكر عبر حفظ القرآن وتجويده ودراسة علوم السيرة والتفسير والحديث والفقه والتشريع وذلك قبل تناول العلوم التي أطلق عليها «علوم عقلية» ولا سيما ما كان منها موغلا في الفلسفة.

في ذات السياق أشار دكتور عمارة نجيب في مقاله الذى جاء تحت عنوان «نظرة إسلامية في مشكلة التعليم» عدد يناير 1977 إلى أن الإسلام لم يفرق بين علوم الطب والهندسة والزراعة والتجارة والفلاحة.. أما الأعمال الأخرى كاللعب والرياضات البدنية فيقصر تشجيعها على أوقات الفراغ ومن ثم فإن الإسلام لا يُدخلها ضمن المهن والوظائف والأعمال، أما أعمال الرقص والغناء فلا يتوقف  الإسلام عند حد رفضها بل ينكرها ويذمها وهو ما يعني ضمنيا مطالبته بمنع التعليم ببعض المجالات مثل مجال الفنون المختلفة.

من جانب آخر اهتم كتاب «الدعوة» بنقد جامعة الأزهر وما استحدثته من تأسيس كليات جديدة كالطب والهندسة والزراعة والعلوم في أعقاب صدور قانون رقم 103 لسنة 1961 الخاص بتنظيم الأزهر والهيئات التي يشملها مشيرين إلى أن هذا التعديل إنما جاء إستجابة لما سبق أن طالب به طه حسين وهو ما مثل جوهر أزمة التعليم بالأزهر من وجهة نظرهم.

مقارنة لابد منها

أولت «الطليعة» منذ صدورها سنة 1965 اهتماما كبيرا بكل ما يتعلق بقضايا ومشكلات التعليم في مصر وربطت في تناولها بين التعليم وقضية «تكافؤ الفرص» والتحولات الإجتماعية التي كانت تشهدها مصر آنذاك، واهتمت المجلة بتناول قضايا مجانية التعليم مع طرح رؤيتها حول قضايا «الكم والكيف» ودور التعليم الفني الصناعي في تنمية المجتمع إلى جانب الإهتمام بقضية محو الأمية بوصفها مشروعا قوميا على درجة عالية من الأهمية، كما اشتبكت الطليعة مع كل ما يتعلق ببدايات طرح الرؤية حول التعليم الخاص في مصر، مؤكدة على أن التعليم المجاني العام هو الضمانة الوحيدة للحفاظ على «تكافؤ الفرص» بين كافة المواطنين.

أما مجلة «الدعوة» فقد أولت إهتماما بقضية محو الأمية وتناولت قضايا التعليم من زاوية علاقته بمفهوم ما يمكن أن نسميه «أسلمة العلوم» حيث طالب بعض كتابها بضرورة إعادة كتابة العلوم من وجهة نظر إسلامية، كما طالبوا بإستبعاد بعض التخصصات التي تتعلق بدراسة الفنون على سبيل المثال.

كما تناول كتاب الدعوة مشكلة التعليم في مصر من زاوية كونه «تعليم مختلط» ومن ثم طالبوا بالحرص على الفصل بين الطلاب والطالبات إضافة لإرتداء الطالبات «الزي الإسلامي»، كما طرح البعض فكرة أن هناك فروقا بين ما يتعلمه الرجل وما يجب أن تتعلمه المرأة، ذلك أن المرأة يجب عليها – من وجهة نظرهم – أن تتعلم ما يتعلمه الرجل في المراحل التعليمية الأولى فقط ومن ثم تنتقل للتركيز على تعلم كل ما يتعلق بدورها في العملية الإجتماعية بوصفها مسئولة عن رعاية الأطفال.

إجمالا: يمكن الإشارة إلى أن رؤية مجلة «الطليعة» حول قضايا ومشكلات التعليم في مصر كانت صالحة فى وقتها ومازالت صالحة أيضا للتعامل مع واقع أزمة التعليم في مصر، أما رؤية مجلة «الدعوة» فهى رؤية لا تتناسب على الإطلاق مع واقع أزمة التعليم في مصر في الوقت الرهن، كما لم تكن صالحة لوقتها باستثناء تناولها لقضية محو الأمية.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق