منوعات

كريمة وجودة.. الحب في زمن الثورة

لو قلت لك: إن الحب يصنع المعجزات،ستهز كتفيك ثم ترميني بنظرة ساخرة قبل أن ترد بضيق: مرحبًا بالإكليشيهات!

ليست إكليشيهات يا صاحبي، فالحب، بل الحب وحده هو الذي يصنع المعجزات ويبني الحضارات ويرتقي بالإنسان ليخلصه من شوائب الأنانية والشح ويجعله قادرًا على العطاء، هذا بشرط أن يعبر الحب صراط التضحيات لا جسر التنهدات. ولكي تصدقني فاصبر معي على قراءة قصة حب جودة وحبيبته كريمة. جودة هو الأستاذ الدكتور الوزير عالم الاقتصاد جودة عبد الخالق، وكريمة هى الأستاذة الدكتورة عالمة الاقتصاد ابنة القطب الوفدي عليّ كُريّم.

جودة وكريمة صنعا ما لا عهد للكتابة العربية به، ففيما أعلم لم يسبقهما زوجان بكتابة كتاب مشترك عن قصة حبهما ونضالهما. الكتاب نشرته دار الشروق تحت عنوان «حكاية مصرية.. بين تحدي الوجود وإرادة الصمود».

راعي الأغنام

الكتاب من ستة فصول، وليته كان من ستين فصلًا، فليس هناك ما هو أجمل من أن تقرأ قصة حب تحدت المستحيل وقهرته، ثم يا صاحبي السرد ذاته ممتع، لأن الزوجين قسما فصول الكتاب بالعدل، فكل واحد منهما كتب فصلًا ليروي الوقائع من وجهة نظره هو، وتلك الطريقة في الكتابة جعلت الكتاب يتدفق بحيوية نادرة.

ضربة البداية نفذها الدكتور جودة ليقرر فيها أمرًا في غاية الأهمية، وهو: ضرورة الإنصاف بل وحتميته، فالرجل يطلق مصطلح «انقلاب» على ثورة يوليو، لكنه على طول الكتاب وعرضه ينصف نظام يوليو ويعترف بفضائله في غير مكابرة ولا عناد.

ولد جودة في عام 1942 بقرية ميت العز بمحافظة الدقهلية لأبويْن أمييْن ولأسرة جار عليها الزمان. كان أعمامه جماعة من متعلمي الأزهر فقرروا أن يلحق بهم ابن شقيقهم. دخل جودة كُتَّاب القرية لكي يحفظ من القرآن ما يؤهله للالتحاق بالأزهر، فحفظ سورتي البقرة وآل عمران، ثم حفظ جزء عم ثم وصل إلى سورة القلم من جزء تبارك وهنا وقعت الواقعة.

كان جودة يرتل قوله تعالي: «سنسمه على الخرطوم» فطاب له أن يسأل شيخه عن معنى الآية، لكي يفهمها ويسهل عليه حفظها، رفض الشيخ تفسير الآية، فصاح جودة «مش هحفظ حاجة مش فاهمها». فرد الشيخ صائحا «هتحفظ ورجلك فوق رقبتك».

أصر كلاهما على موقفه، وزاد الشيخ الطين بلة عندما ضرب جودة الذي قال لشيخه متحديًا: «هذا فراق بيني وبينك». رفض جودة العودة لشيخه، وبذا طار حلم الأزهر، فتلقفته الفلاحة بمتاعبها، من العمل في الحقول إلى نقل السباخ، إلى رعي الأغنام، ثم لكي تكتمل المآسي سقط شعر رأس جودة. وبعد زيارة الأضرحة والمقامات سمعت جدته أن شحم القطار سيشفي رأس حفيدها، فكانت تصحو مبكرًا وتأتي بالشحم، وتدهن به رأس الحفيد الذي ويا للعجب عاد شعره ثانية، بل أصبح أعز.

تلكم كانت طفولة جودة، فكيف كانت طفولة حبيبته ونور عينيه التي لن يقدم عليها شيئًا أي شيء؟..

د. جودة عبد الخالق

المدللة المنعمة

ولدت كريمة لأبوين من أعلى شرائح الطبقة المتوسطة، الأب من عائلة صعيدية عريقة وثرية، وكان قطبًا وفديًا وعضوًا بمجلس الشيوخ، وكان ملقبًا بكرباج الوفد، أما الأم فمن جذور تركية، متعلمة ومثقفة وتدير جمعية خيرية.

كريمة إذن مولودة وفي فهما ملعقة من ذهب، حيث الخدم والحشم والسفرجية وسائق السيارة، وحيث إدمان تناول الشيكولاتة، فبيت أبيها كان يعاني من تخمة الوفرة في كل شيء، وهي خريجة مدارس الراهبات الألمانية، تجيد الالمانية والإنجليزية وتعرف الفرنسية.

والحال كما رأيتَ، فما الذي جمع الشامي على المغربي؟.

إنه الحب وليس سواه.

العودة للتعليم

ترك والد جودة القرية ورحل إلى «التل الكبير» ليعمل في معسكرات الإنجليز، فتحسنت أحوال الأسرة نوعًا ما، وكانت الأم خير معين، فرغم رقة الحال وكثرة العيال، فقد لعبت الدورين، زرعت في أولادها كراهية مطلقة للحقد والحسد والأنانية وملأت قلوبهم بمحبة القناعة والعدل.

ظل جودة بعيدًا عن التعليم حتى بلغ الثانية عشرة من عمره، وكان القدر رحيمًا به عندما هاجرت الأسرة إلى القاهرة ليعمل الأب في أحد المصانع، فعاد جودة للتعليم وكان متيمًا بالإنجليزية لغة وأدبًا، وما أعذب وصفه للمساكن الشعبية التي أقامها عبد الناصر للعمال في حي شبرا، وكيف تمتع بخضرة الشوارع والطرقات وبضوء أعمدة الشارع التي كان يذاكر دروسه تحتها، لأن البيت لم تكن به سوى «لمبة الجاز» الشهيرة.

من الابتدائية إلى الإعدادية إلى الثانوية قطع جودة الشوط بسرعة الصاروخ، وفي الثانوية حقق المستحيل وحصد المركز الثاني على مستوى الجمهورية، وكان المركز الأول من نصيب أحد طلاب غزة الحبيبة، فقد كانت غزة أيامها تتبع الإدارة المصرية.

سن الملك فاروق الاحتفال بعيد العلم في السابع عشر من أغسطس من كل عام، وكان أول عيد في العام 1944، وعندما جاء عهد يوليو غيّر جمال عبد الناصر موعد العيد إلى الحادي والعشرين من ديسمبر، وهو تاريخ افتتاح جامعة القاهرة في عام 1908. في ذلك العيد كان ناصر يكرم العلماء وأوائل الطلاب، فكان من حظ جودة مصافحة الزعيم والنظر في عينيه اللتين تنفثان بريقًا وسحرًا حسب وصف جودة.

على الناحية الثانية من القصة كانت كريمة مولعة بالنبوغ، وكانت تقضي يومها بين مذاكرة دروسها أو القراءة الحرة أو النقاش الثري مع أبويها المثقفين اللذين غرسا فيها وفي أخوتها قيم العدل والمساواة والعدالة الاجتماعية، فخدم البيت كان لهم تأمين ومعاش وعلاج وكانوا يجلسون على المقاعد مع الأسرة وليس على الأرض.

من عجيب تكوين كريمة أنها كانت تعتزل ضيوف الأسرة خاصة لو كان أطفالهم معهم، وتغلق غرفتها عليها وتقرأ، ومن تلك اللحظة عرفت كريمة أن العلم هو طلبها الأول والأخير، فقررت أنها متى تزوجت لن تنجب، وهذا ما كان، والأعجب أن جودة قد وافقها واحترم قرارها بل وأحبه ولم يندم عليه قط، فوجود كريمة في حياته عوضه عن كل متع الدنيا.

يقين النظرة الأولى

كان جودة بعد حصوله على الثانوية يفكر في دراسة الأدب الإنجليزي، فهو قارئ نهم لأمهات ذلك الأدب وعاشق لتلك اللغة، لكن في العام 1960 كان افتتاح كلية الاقتصاد والعلوم السياسية فذهب إليها جودة.

وكانت كريمة تريد التخصص في صناعة السيارات، فذهبت إلى كلية الهندسة بجامعة أسيوط، لكنها لم تتوافق مع عادات وتقاليد أسيوط، فعادت إلى القاهرة لتدخل كلية الاقتصاد والعلوم السياسية أيضا.

هناك ترتيبات تعدها يد القدرة الإلهية، فإن لم تكن مؤمنًا بها فأنت وشأنك.

كان جودة في سنته الثانية، وكانت كريمة في سنتها الأولى، وعندما شاهدها لأول مرة قال بينه وبين نفسه: «هتجوز البت دي».

جودة كان يعلم من تكون البنت التي قرر الزواج منها، ويعلم الفارق الاجتماعي الذي بينهما، لكن ماذا نفعل مع الصبي الذي تفضحه عيونه؟.

 فرغم تكتم جودة بل ويأسه أحيانًا من وقوع معجزة الزواج من كريمة فإن عيونه قد فضحت نيات قلبه ووصل لكريمة أن جودة معجب بها.

ظلت الرسائل المشفرة هى وسيلة جودة الوحيدة في التعامل مع كريمة حتى حصل على الشهادة العليا، حاصدًا المركز الأول على شعب الكلية الثلاث، ومكرمًا من عبد الناصر للمرة الثانية، ولم تكن لديه بذلة للمناسبة العظيمة فأقترض بذلة من أحد أقربائه.

أصبح جودة معيدًا بالكلية ومدرسًا لكريمة، لكنه لم يجرؤ على مصارحتها إلى أن تدخل القدر كعادته. تقدم الأستاذ المشرف على رسالة ماجستير جودة لكريمة طالبًا الزواج منها، فقالت له ببساطة إنها مرتبطة لكنها خافت أن تُصرّح باسم جودة الذي لم يصارحها بشيء.

جلست كريمة في مكتب به موظفتان وهمست لجودة بأن الأستاذ فلان قد تقدم لها، فما رأيك؟

لكي لا يلفت جودة نظر الموظفتين، فقد جعل الكلام كأنه معادلة رياضية فقال لكريمة: «دعينا نقول إن أمامك سلعتين وستشترى السلعة التى ستقدم لك إشباعا أكثر مقابل ثمن معين وأنت الآن يجب أن تختارى».

د. كريمة كريم

عبد الناصر دائمًا

وافقت كريمة على عرض جودة، فهى تعلم بأنه يحبها منذ سنوات، وصارحت والدها الذي تعجب من اختيار ابنته وسألها: «كيف سيلبي حاجتك من الشيكولاتة؟ راتبه لن يوفر لك أدنى معيشة».

لكن كريمة أصرت على اختيارها، لأن جودة رجل مسئول ومتفوق ومستقبله واعد بكل خير، ثم هو يحبها أولًا وأخيرًا.

تحت ضغط كريمة وافق والدها على الخطوبة وهنا يقول جودة بإنصاف: «لولا الحراك الاجتماعي الذي أحدثه عبد الناصر لكان زواجي بكريمة من ضروب الخيال».

ثم يحضر عبد الناصر للمرة الرابعة فعندما تنحى خرج جودة مع الجماهير المطالبة ببقاء الرئيس، وكذا فعلت كريمة، وقد غادرا منزليهما دون اتفاق وسلكا طرقًا مختلفة، وبعد تلك الشهادة يأتي من يقول بفبركة خروج الجماهير. وهنا تبدو حسرة جودة واضحة عندما يقارن بين عبد الناصر ومبارك، فناصر كرّمه مرتين، ولكنه عندما فاز بجائزة الدولة عام 2005 لم يحصل على شهادة الجائزة إلا في عام 2014، وحصل عليها بدون احتفال أو احتفاء.

وأخيرًا تحقق الحلم فقد جاءت لجودة بعثة لدراسة الدكتوراه في روسيا، لكنه كان سيغيب لسنوات عن كريمة فتنازل عن البعثة. كان التنازل يعني أنه لا يحق له المطالبة بالسفر مرة ثانية، وقد وافق جودة على هذا الشرط القاسي جدًا ووقع عليه. لكن الله راعي القلوب المحبة المعطاءة أرسل بعثة جديدة إلى كندا، وقد أرسلها لجودة وكريمة معًا، لكن جودة كان قد تنازل من قبل عن البعثة بورق رسمي فما العمل؟.. قام الموظف المسئول من تلقاء نفسه بتمزيق تنازل جودة، ويا دار ما دخلك شر.

الرئيس الراحل جمال عبد الناصر

رسائل تاريخية

مساندة أولاد الحلال لجودة وكريمة ستتواصل، وهذه في ظني مكافأة إلهية لهما، لأنهما محبان قويان يعرفان العطاء والبذل والعمل الجاد المنظم. فقبل السفر إلى كندا، كان لابد من الارتباط الرسمي، وكان الارتباط يحتاج إلى خاتم من الماس الحر، فهذه أقل شبكة يرضى بها عليّ بك كريم. لكن من أين لجودة بهذا؟.. فكرت كريمة وأمها في احضار خاتم زائف لإنقاذ الموقف، لكن جودة رفض رفضًا مطلقًا، فهو لن يبدأ حياته بكذبة، سيقول أحدهم: هذا هو الفقر و «العنطزة» وسأقول أنا: والله لا، بل هى كرامة المحب الواثق بعطاء الله وكرمه.

فكرت الأم وقالت: نأتي بخاتم الماس حرا مستعملا يستطيع جودة دفع ثمنه، وهذا ما كان وتمت الخطوبة وسافر جودة إلى كندا، ومن هناك راح يرسل لكريمة رسالة كل يوم، فوصلت لكريمة تسعون رسالة. لم تكن رسائل جودة رسائل حب وشوق ولهفة فحسب، بل كانت تناقش الدين والدنيا والعلم وأجواء الغربة، وكيف كانت كندا قبل خمسين سنة.

ثم سافرت كريمة لجودة لدراسة الدكتوراه وهناك تربص بهما أستاذ أمريكي صهيوني، وكانت مصر وقتها قد ذاقت مرارة هزيمة يونيو. لم يكن يشغل هذا الصهيوني شيء سوى التنكيل بكريمة وجودة، حيث حرمهما من أدنى حقوقهما، فعاشا حياة من الحرمان المطلق، لكن عودتهما بدون الدكتوراه كانت فشلًا حارباه بكل قوة وعزم وحب وتضحية، تخيل معي أن كريمة ابنة الذوات مدمنة الشيكولاتة، لم يكن طعامها سوى الجبن والجبن فقط، فاللحوم والفواكه خارج قدرتهما المادية، ثم لكي يواصلا رحلة التعليم عملت كريمة بائعة مقشات، ثم عملت مساعد طباخ. أما جودة فقد عمل بائع كتب، كما عمل عسكري مرور، ثم بستانيا في حديقة الجامعة. و كانت كريمة هى التي تقص شعر جودة لتوفير أجرة الحلاق.

تلك الصفحات من الكتاب تفيض بعذوبة نادرة، وتقدم الدرس العظيم على الحب الحقيقي، ذلك الحب الثوري الذي نشأ في أحضان ثورة يوليو، إنه حب في زمن الثورة، لا يعرف سوى تقديم المزيد من التضحيات للحصول على مكانة لائقة تحت الشمس.

مصر أولًا وأخيرًا

فيما أسماه المؤلفان «الربع ساعة الأخيرة» تدخلت يد القدرة الإلهية لتنقذ الحلم من براثن الأستاذ الصهيوني، فقد قبلت جامعة كندية جديدة تقديم منحة لجودة وزوجته للحصول على الدكتوراه، فتركا جامعة الصهيوني وسافرا إلى الجامعة الجديدة والتي تبعد عن الأولى أربعة آلاف كليو متر.

وبعد رحلة مرعبة من الكوابيس والأفراح والأحزان، حصل الزوجان على الدكتوراه، لكن مصر لم تغب عنهما لحظة، فيوم نصر رمضان العظيم قاما بمظاهرة فرح في الشارع ورفعا علم مصر في وجه العالم، ثم أمطرتهما الجامعة بدعوات الحصول على الجنسية مقابل التنازل عن الجنسية المصرية، فرفضا دون تردد، فكل ما فعلاه كان في سبيل عودتهما لمصر لتعليم أولادها ورد جميل شعبها.

ثم عرضت عليهما الجامعة البقاء في كندا والتدريس بها مع حصولهما على المال الذي يريدانه، ومرة ثانية كان رفضهما حاضرًا، وقد دخل أحد الطلاب على جودة وقال له: هل أنتما مجنونان لترفضا كل هذه العروض؟.. إنه الحب الذي دفعا ثمنه من شبابهما.

 وبالفعل عاد جودة وكريمة منتصريْن إلى مصر، لتصبح كريمة كريم الأستاذة الدكتورة معلمة الأجيال ومؤلفة السبعين كتابا، وليصبح جودة العالم الاقتصادي والخبير الدولي، ألا بارك الله في الحب وفي عطاياه.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق