ثقافة

إبراهيم عبد المجيد.. الابن الشرعي للتعددية الثقافية

بري غير قابل للترويض، خارج كل أسوار الحظائر، يمارس الكتابة بوحشية تظهر في مواقفه وحياته. لا يقف بين بين ، يعلن غضبه وسخطه، ومعه يطرح الحلول عبر الكتابة، عليك أن تتوقف كثيرا في حضرة إبراهيم عبد المجيد، الكاتب المنغمس بكل جوارحه فيما نعيشه.

هو كاتب متمرد على فكرة القوالب والأجناس الإبداعية الثابتة؛ فهو يكتب الرواية والقصة والسيناريو والمقال والبوست والتويتة بلغة خارج إطار ما هو عادي ومألوف. سيرته تشير إلى أنه حكاء من طراز فريد ونادر، وما يقدمه هو حكي صاف من الشوائب والترهلات، فهو ابن شرعي للتعددية الثقافية، ابن مدينة الاسكندرية المولود فى الثانى من ديسمبرعام 1946، والذي اختار القاهرة مرغما ،لأن ندّاهة الكتابة كانت ومازالت هي الأكثر سطوة عبر القاهرة، بالإضافة إلى الالتحاق بالعمل بوزارة الثقافة. سكن أحياءها المختلفة من وسط القاهرة إلى إمبابة وأخيرا استقر بحدائق الأهرام.

  رأيته مرة يرطن بالإنجليزية كما يتحدثها أهلها تماما، كانت المشاهدة عابرة للقاء له على مقهى «زهرة البستان» مع صحفية إنجليزية، لم يكن هذا فقط محل استغرابي ودهشتي كواحد ممن يعملون في الحقل الثقافي، لكن دهشتي ظلت مستمرة حتى الآن، وظني أنها ستظل، حول المساحة الإبداعية والفكرية التي يتحرك فيها ومدى قدرته على استيعاب الثقافات الأخرى واستثمارها في عالمه الخاص ليضيف إلى رصيده الإبداعي، فيترجم لنا «رسائل من مصر» للكاتبة البريطانية لوسى دوف جوردن، ومن قبلها مذكرات «عبد أمريكي» لفريدريك دوجلاس.

اقرأ أيضا:

«رسائل من مصر».. قصة عشق قديمة بين الإنجليزية «نور على نور» وأهل الصعيد البسطاء

مثقف شجاع

وليس غريبا على إبراهيم عبد المجيد شجاعته التي يقف بها وسط غابات الخنوع التي نعيشها، وقد ظهر صوت عبد المجيد وفعله الثوري والذي استثمره وسجله لنا في كتابه «لكل أرض ميلاد.. أيام التحرير»، الذي تضمن مشاهداته اليومية خلال ال 18 يوما بقلب ميدان التحرير، وضم الكتاب اثنى عشر فصلاً، وضع فيها مشاهداته وتفاعله مع المتظاهرين خلال مشاركته ورصده لأحداث الثورة المصرية منذ اندلاعها في الخامس والعشرين من يناير وحتى سقوط رأس النظام في الحادي عشر من فبراير 2011. 

سُجن إبراهيم عبد المجيد كغيره من جيل الستينات، لكن قليلين هم الذين كان لهم دور في الحراك السياسي، وانضموا لحركات معارضة للسلطة، وقد كان عبد المجيد فى طليعتهم وهو ما جعله عرضة للاعتقال، وكان لتجربته مع السجن أكبر الصدى في دفعه لأن يكون ما يريده. ومع الوقت قرر أن يتحرر تماما من أي ثقل أيدولوجي يسبق كتابته، وجاء هذا بعد نصيحة من صديقه الراحل عبد الوهاب الأسواني ،حينما صارحه بثقل العمل السياسي وخوفه من أن يتسرب في كتابته الإبداعية، جاءت نصيحة الأسواني لتؤكد له أن هناك آلافا يعملون بالسياسة، لكن قلة  هم من يكتبون ويبدعون. جاء اعتزال إبراهيم عبد المجيد العمل السياسي ضمن حركات المنظمات الشيوعية بمثابة وثبة في صالح الاخلاص التام للكتابة، وهذا لم يعزله أبدا عن تمرير آرائه ومواقفه تجاه منظومة السلطه عبر كتابة المقالات، والتي تنوعت ما بين السياسي والاجتماعي والفني.

عاشق الأسكندرية

الأسكندرية هي المحطة الأولى والتي منها وإليها يعود إبراهيم عبد المجيد، فقد كان ومازال امتدادا لمحبيها والمفتونين بها مثل كفافيس وغيره، لذلك لم تكن صدفة أن يكتب ثلاثيته الفاتنة عن الأسكندرية والتي افتتحها بـ «لا أحد ينام في الأسكندرية»، «طيور العنبر»، «الأسكندرية في غيمة».

في «لا أحد ينام في الأسكندرية» تظهر الأسكندرية مدينة الأربعينيات المدينة الكوزموبوليتانية.. مدينة الغرباء، متعددة الاعراق والجنسيات، الثقافات ولا يمكن لك إلا أن تتماهى مع شخصياته التي رُسمت بحرفية نحات، فهو يعرف الأسطى غبريال، والصافي ونعيم وبريكه والبهية، وديمتري، وزهرة وحميدة، ولا يمكن لك إلا أن تغني معه مواويل حمزة وتبتسم مع ابتسامات الهنود، وتسأل لماذا الحرب؟

يقول إبراهيم عبدالمجيد: الأسكندرية كانت دائما مختلفة على مر العصور، ربما وجودها على البحر كان يعطيها ذلك الاختلاف. وفي روايته تظل الأسكندرية مدينة العالم، ولا يخفى على قارىء ثلاثيته تلك النعومة التي كتب بها عن الأسكندرية وتسلل اللغة الشعرية إلى الرواية بشكل واضح وملموس لا يعطل عمليه السرد، ويدفعنا دوما إلى التماهي مع ما تشغله كتاباته عن الأسكندرية.

 قدم إبراهيم عبد المجيد للمكتبة العربية عدة روايات، منها «ليلة العشق والدم»، «البلدة الأخرى»، «بيت الياسمين»، «لا أحد ينام في الإسكندرية»، «طيور العنبر»،و «الإسكندرية في غيمه»، أداجيو، السايكلوب،  كذلك نشرت له خمس مجموعات قصصية وهى «الشجر والعصافير»، «إغلاق النوافذ»، «فضاءات»، «سفن قديمة»، «وليلة انجينا»، وفى عيد ميلاد عبد المجيد لا نملك إلا أن نقول له كل سنة وانت طيب أيها المتمرد الجميل.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: