فن

من فقد السلطة إلى الخوف من الفضيحة.. الانتحار فى السينما المصرية

يُعرِّف علماء النفس الإنتحار بأنه «نوع من العقاب الذاتي و الإنتقام من الذات وإلحاق الأذى بها» ويقول فرويد «إننا، كي نتجنب تدمير أنفسنا إذعانًا لغريزة الموت، نوظّف غريزة الحياة لتواجهها بنفس القوة فتدفعها خارج أنفسنا مولدةً الغرائز العنيفة والعدوانية فينا، وحين نفشل في ذلك، تدفعنا غريزة الموت نحو الانتحار».

هكذا حاول علماء النفس تفسير تلك الظاهرة والبحث فى العوامل والأسباب التى تدفع الإنسان نحو إتخاذ قرار بإنهاء حياته بمحض إرادته. وقد أثار حادث إنتحار «طالب  كلية هندسة حلوان» الذى ألقى بنفسه من أعلى برج القاهرة جدلا واسعا فى الشارع المصرى وعبر وسائل التواصل الإجتماعى وطرح الجميع تساؤلات حول الدوافع التى تسوق الإنسان إلى التخلص من حياته بإرادته؟

وقد تناولت السينما المصرية في عدد من الأفلام موضوع الانتحار، بما يمثله من ذروة درامية تراجيدية إنسانية، وما يحمله من دلالات. وقد حاولت خلال هذه الأفلام التعامل مع تلك الظاهرة الانسانية والتعبير عنها بمستويات فنية مختلفة. كما قدمت  السينما أيضا عشرات الأعمال التى تعالج المرض النفسى بكل أشكاله من خلال بعض النماذج من المرضى النفسيين كانت تقدم أيضا على الانتحار فى النهاية.

وبينما كان هناك عدد كبير من تلك الأفلام قُدمت بوعى كبير من صناع العمل لموضوع المرض النفسي وأبعاده الطبية والنفسية، فإن البعض عالج تلك االمسألة بشكل سطحي، حيث قدم المريض النفسى كنموذج كاريكاتيرى أو كوميدى يستخدم كمادة للضحك خلال العمل الفنى.

بدايه ونهاية.. من الجانى؟

كانت ظاهرة الإنتحار حاضرة فى مشوار السينما المصرية بشكل نادر لكنه شديد التأثير، حيث نلاحظ أن الأعمال التى رصدت هذه الظاهرة – معظمها – يتميز بمستوى فنى جيد جدا. ومن بين أهم تلك الأعمال رائعة «نجيب محفوظ» و «صلاح أبو سيف» «بداية ونهاية» والذى تم إنتاجه عام 1960 ويقدم نموذجا فريدا للفتاة «نفيسة» التى تُجبر على الإنتحار تحت ضغط شقيقها «حسنين» الذى صار ضابطا، وبعد أن يتم إستدعاؤه لقسم الشرطه ليجد شقيقته متهمة فى قضية دعارة، فيقرر الضابط اصطحابها إلى كورنيش النيل ويجبرها على إلانتحار، لكنه يدرك أن سمعته قد خدشت، وأن حلمه بالإلتحاق بالطبقة الأرستقراطية قد إنهار، فيقرر الإنتحار فى لحظة انكسار عبر عنها الفيلم بمهارة عالية ويبقى السؤال مطروحا.. من الجانى إذن؟.

مشاهد لا تنسى

وفى عام 1982 يقدم الكاتب «محمود أبو زيد» والمخرج «على عبد الخالق» واحدا من كلاسيكيات السينما المصرية وهو فيلم «العار» والذى يبرز أيضا اللجوء للإنتحار هربا من التردى والإنهيار الإجتماعى والإقتصادى. ويظل مشهد الإنتحار الذى قدمه حسين فهمى في نهاية الفيلم، من المشاهد العالقة فى ذاكرة المشاهد، فهو الضابط الذى يقاوم تجارة المخدرات وصدمته المفاجأة حين علم أن والده كان يعمل بها وترك ثروة هى عبارة عن مخدرات، وعلى الأبناء التصرف فيها حتى يحافظوا على وضعهم الاجتماعى والاقتصادى، فيرضخ الضابط أمام إلحاح شقيقيه ويتخلى عن مبادئه خوفا من الفقر ويُصدم عند إكتشافهم تلف المخدرات فى مياه البحيرة، ويدرك أنه خسر كل شئ.. المبادئ التى حاول التمسك بها، والوضع الإجتماعى الذى حاول الحفاظ عليه، والرغد المالى الذى يسعى إليه، فيقرر في لحظتها و دون الانتحار باطلاق الرصاص على نفسه من مسدسه الميرى، وأمام أشقائه.

أزمة فقد السلطة

وفى عام 1988 يقدم المخرج المبدع  «محمد خان» والكاتب «رؤوف توفيق» أحد أهم الأعمال فى مسيرة السينما المصرية  وهو فيلم «زوجة رجل مهم» والذى يتعرض لضابط شرطه أثناء أحداث إنتفاضة يناير 1977 ويؤدئ دور الضابط بإقتدار الراحل «أحمد زكى» و بطولة الفيلم ميرفت أمين. وخلال هذا العمل يحاول «خان» تناول الأزمة التى يعيشها الضابط، سواء فى بيته أو بين أفراد المجتمع حيث تبدو عليه أعراض إصابته بجنون العظمة وهذا ما يدفعه للإنتقام من أقرب الناس اليه «زوجته ووالدها» ثم ينتحر مستخدما نفس المسدس الذى قتلهما به.  

كشفت أحداث الفيلم عمق الأزمة الحادة التى عاشها ضابط الشرطة عقب إحالته للتقاعد بعد اتهامه باساءة استخدام سلطته واستخدام القوة المفرطة مع المتظاهرين، حيث يشعر بأن السلطة قد تخلت عنه، وضحت به لإرضاء الرأى العام. رغم احالته للتقاعد يحاول هذا الضابط التمسك بالسلطة حتى بعد أن فقدها، ويصل به الأمر إلى حالة من الانكار بانه لم يعد في الخدمة، وبعد ادراكه الحقيقية يتعمق داخله الانكسار النفسى وشعوره بالضياع – بعد فقد السلطة – وهو ما يدفعه للتخلص من حياته التى فقدت قيمتها بالنسبة له منذ ترك منصبه.

إستطاع محمد خان خلال الفيلم أن يغوص بوعى داخل الشخصيات التى قدمها فى العمل، مما خلق حالة توحد بين المشاهد وبين الفيلم ذاته وكشف عن تركيبة الضابط المريضة وغير السوية والذى اقدم فى النهاية على الإنتحار. ونلاحظ هنا أن المنتحر فى الأفلام الثلاثة المشار اليه هو شخص الضابط، الذى يحظى بمكانة وسلطة ووجاهة اجتماعية، وحين يفقدها  أو يستشعر فقدها أو يرى الفضيحة قادمة لتطاله يقدم على الانتحار، ذلك ان الإنتحار كان يمثل فى المجتمع المصرى حدثا جللا لا يحدث إلا نادرا ولا يقدم عليه إلا من ضاقت فى وجوههم كل السبل، ومن تغيرت أحوالهم إلى النقيض تماما.

مرضى نفسيون.. منتحرون

فى عام 1974 يقدم المخرج «حسام الدين مصطفى» رواية الكاتب الروسى «ديستوفسكى» «الأخوة كرامازوف» ويكتب السيناريو والحوار «رفيق الصبان ونبيهه لطفى» ويحمل الفيلم عنوان «الأخوة الأعداء» والذي يتناول ظاهرة الإنتحار من خلال شخصية «حمزة» الذى ينتحر حتى لايضطر للإعتراف ببراءة شقيقه من قتل الأب.

في هذا الفيلم يقدم المخرج عدد ا من الشخصيات التى تعانى من مشكلات نفسية حادة، عبر أسرة مكونة من أب لديه 4 أبناء لا يحبهم، ولا يحب كل منهم الآخر، علاقتهم تحكمها المصلحة، ويُقتل الأب ويُتهم ابنه توفيق بالجريمة، فيحاول شقيقه شوقى إثبات براءته عن طريق اعتراف شقيقهما الثالث حمزة، والذى يعانى من مرض نفسى – الصرع – ويعانى من قسوة معاملة الأب له، لكنه لا يستطيع إثبات ذلك لأن حمزه يشنق نفسه ويموت حتى لا يحصل توفيق على البراءه و يُحكم عليه بالإعدام.

هكذا فضل «حمزة» الإنتحار عن الإعتراف ببراءة شقيقه من قتل الأب

وفى عام 1988 يقدم المخرج «أشرف فهمى» فيلم «إغتيال مدرسة» والذى يتناول حياة سيدة تعمل مدرسة وتتصدى للدفاع عن طالبة لديها غرر بها زميل لها وتمارس المُدرسة ضغوطا حتى يتزوجها ويستدرج الطالب المدرسة التى لعبت دورها «نبيلة عبيد» ويحاول تصويرها عارية حتى تتوقف عن الضغط عليه وفضح أمره ويستغل عم أولادها تلك الواقعه ويأخذ اطفالها منها بحجة أنها غير أمينة على تربيتهم مما يدفع المدرسة للدخول فى أزمة نفسية تنتهى بها للإنتحار. حكاية يمكن أن تتشابه مع حكايات مأساوية فى مجتمعنا تنتهى أيضا بالانتحار.

أما فى فيلم «بئر الخيانة» الذى اخرجه على عبد الخالق عام 1987 من واقع بطولات المخابرات المصرية فيلجأ بطل الفيلم «جابر» الجاسوس الذى عمل لحساب إسرائيل للانتحار فى زنزانته عقب القبض عليه وقبيل إعدامه

كما لجأ الضابط الاسرئيلى «جودة» فى فيلم «إعدام ميت» الذى قدمه على عبد الخالق عام 1985 للإنتحار بعد نجاح عملية للمخابرات المصرية.

إنتحار معنوى

وقد إستخدمت بعض الأعمال كلمة «إنتحار» بشكل مجازى فى محاولة للتعبير عن الأزمة التى يعانى منها البطل، كما حدث فى فيلم «إنتحار مدرس ثانوى» الذى قدمه المخرج «ناصر حسين» عام 1989  وكان بطولة حسين فهمى وهياتم. وكذلك فيلم «إنتحار صاحب الشقة» للمخرج أحمد يحيى عام 1986 عن قصة إحسان عبد القدوس وكتب لها السيناريو مصطفى محرم وشارك فى بطولته نبيله عبيد وكمال الشناوى، وتدور أحداثه حول سيدة تتزوج من مديرها كبير السن وتستطيع أن تستغله وتقنعه بالتنازل عن شقته الفاخره التى يمتلكها.

ويقدم صناع الفيلم معنى الإنتحار كونه معادلا موضوعيا لفقدان القيمة والتأثير والإقدام على التخلى عن مقومات رئيسية فى الحياة طواعية، سواء كانت تلك المقومات دفء الأسرة والزوجة والحياة المستقرة أو مال وثروة يتنازل عنها البطل بمحض إرادته.

 خلال أكثر من 100 عام تعاملت السينما المصرية مع قضية الإنتحار بإعتبارها حدثا عارضا، لا يمثل ظاهرة مجتمعية، كما تعاملت مع الانتحار بإعتباره فعلا أو قرارا فرديا ينتج عن إرتباك نفسى حاد لدى الشخص ذاته.

 ويمكننا الإشارة هنا  إلى عشرات الأعمال السينمائية التي تناولت فكرة الإنتحار، ومن بينها «حافية على جسر الذهب» و«المجهول» و«الإعتراف» وغيرها. لكن رغم قدرتها على الإقتراب من شخصية البطل – المُنتحر – إلا أن العمل الأهم من  بين كل ما قدمته السينما المصرية فى هذا الصدد كان فيلم «بداية ونهاية» الذى نسخ سياقا موضوعيا لعلاقة البطل بالمجتمع وقدرة هذا المجتمع – دون وعى – على دفعه للتخلص من حياته.

 

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: