منوعات

هوامش على دفتر الحرية.. حين انحاز الأمراء إلى الشعب في معركة الدستور!

منذ صدور دستور 1923 الذي قيد صلاحيات الملك وجعل الأمة مصدرا لجميع السلطات، لم تتوقف محاولات الملك فؤاد لتعطيله أو إلغائه، فالدستور الجديد أقر برقابة الشعب على الحكومة وممارستها من خلال ممثليه المنتخبين، ومنحه سلطة التشريع من خلال نوابه، وصان الحريات العامة وحافظ على حرمة الحياة الخاصة، وأرسى مبدأ الفصل بين السلطات.

تربص فؤاد بالدستور والحياة النيابية، وقاد 3 انقلابات دستورية، حتى يستعيد سلطاته المطلقة ليعزل ويشرع ويعين دون رقابة أو وصاية، كان أول تلك الانقلابات في نوفمبر 1924، إذ استغل الملك الأزمة التي أعقبت اغتيال السير لي ستاك سيردار الجيش المصري، وقبل استقالة سعد باشا زغلول رئيس الحكومة، وكلف زيور باشا بتشكيل الحكومة، وكان أول قرار للوزارة الجديدة هو تأجيل انعقاد البرلمان، قبل صدور مرسوم بحله.

وقبل أن يدعو زيور باشا إلى انتخابات جديدة، ألغى قانون الانتخاب على درجة واحدة، وأقر قانونا جديدا يعيد الانتخابات على درجتين، وتلاعب في قانون الدوائر حتى يحاصر مرشحي الوفد، في الانتخابات التي جرت في 12 مارس من عام 1925.

ورغم ما مارسه إسماعيل صدقي باشا وزير الداخلية من عمليات تزوير ضد مرشحي الوفد، إلا أن الأخير تمكن من حصد الأغلبية وهو ما أحرج زيور باشا رئيس الحكومة أمام ولي نعمته، وقبل أن ينتهي البرلمان من انتخاباته الداخلية، وبعد نحو 9 ساعات من انعقاده، صدر مرسوم ملكي بحله والدعوة إلى انتخابات جديدة، الأمر الذي دفع البلاد إلى أزمة عاصفة، فعمت المظاهرات الشوراع وتمردت معظم فئات الشعب على محاولات وأد التجربة النيابية الوليدة.

وواجهت الحكومة غضب الشارع بقمع غير مسبوق، وأمعنت في اضطهاد المعارضين، ومنعت الاجتماعات العامة، وأغلقت وعطلت العديد من الصحف، وحاصرت منزل سعد زغلول الذي صار قبلة لكل فئات الأمة.

اقرأ أيضا:

هوامش على دفتر الحرية: اغتيال السير لي ستاك.. وبرلمان التسع ساعات

عريضة الأمراء

لم تقتصر مظاهر الاحتجاج على الساسة والطلبة والعمال بل وصلت الأمور إلى احتجاج عدد من أمراء أسرة محمد علي لكن على طريقتهم، ورفعوا خطابا إلى الملك يطالبون فيها بعودة الحياة الدستورية.

يقول المؤرخ عبد الرحمن الرافعي في الجزء الاول من كتابه «في أعقاب الثورة المصرية»: «وإذ وجد أمراء العائلة المالكة أن في استمرار تعطيل الحياة الدستورية حرمانا للشعب من حقوقه السياسية، وهو ما يحملهم مع السراي تبعة أدبية، فقد اجتمعوا وتشاوروا وأجمعوا أمرهم على رفع كتاب إلى الملك فؤاد لإعادة النظام الدستوري».

وجاء في خطاب الأمراء الذي رفعوه إلى الملك في 23 نوفمبر من عام 1925 وفقا لما أورده الرافعي: يا صاحب الجلالة، لما تراءى لنا أن الحالة السياسية قد بلغت في وطننا مبلغا من الخطورة.. جئنا نلتمس من جلالتكم إعادة النظام النيابي إلى البلد طبقا لنص الدستور.

ووقع على الخطاب عدد من أمراء أسرة محمد علي وهم: «عمر طوسون، وكمال حسين الدين، ومحمد علي، ويوسف كمال، وإسماعيل داود، وعمر حليم، وسعيد داود، وسليمان داود، وعمر إبراهيم، وسعيد طوسون، وحسن طوسون، وعلى فاضل وعثمان فاضل، وعباس إبراهيم حليم».

وقد سبق رفع الأمراء للخطاب اجتماع لنواب البرلمان المنحل في فندق الكونتنينتال كإعلان تحدي نواب الأمة وممثليها لإرادة الملك والحكومة، وبدا خطاب الأمراء وكأنه تأييد للنواب وللأمة التي انتفضت لنيل حقوقها.

التنازل عن واحة جغبوب

لم تلتفت حكومة زيور باشا لاجتماع النواب ولا للقرارات التي صدرت عنه، ولا للغضب المتصاعد في الشارع، «مركز الوزارة ثابت ولن نرد على قرارت الأحزاب لأنها لا وجود لها من الوجهة البرلمانية»، هكذا قال زيور في تصريح له.

زاد من سخط الشعب على الحكومة توقيعها اتفاقية في 6 ديسمبر سنة 1925 مع إيطاليا، التي كانت تحتل ليبيا في ذلك الوقت، تنازلت الحكومة المصرية بمقتضاها عن واحة جغبوب بإيعاز من الحكومة البريطانية التي أرادت أن تجامل إيطاليا على حساب مصر.

حاصرت الضغوط الوزارة والسراي، وصارت الدعوة إلى عودة الحياة النيابية مطلبا عاما التف حوله النواب والأحزاب والطلبة والعمال وحتى أمراء الأسرة الحاكمة، وتحت هذا الحصار اضطرت الحكومة إلى استصدار مرسوم بقانون الانتخاب المعدل في 8 ديسمبر، ضيقت فيه حق الانتخاب ووضعت فيه شروطا مالية على المندوبين الذين لهم حق الانتخاب.

«جاء صدور هذا القانون بعد تسليم واحة جغبوب ثاني جريمتين ارتكبتهما الوزارة قبل سقوطها، فاحتجت الاحزاب ورفضت الاتفاقية والقانون الذي اعتبروه مشوها ومحاولة للالتفاف على إرادة الشعب»، يضيف الرافعي في كتابه.

وفيما شرعت وزارة الداخلية بعد صدور قانون الانتخاب في إرسال الدفاتر والأوراق الخاصة بتنفيذه إلى المديريات والمحافظات لتحرير جداول الانتخابات الجديدة، سرت في الأمة فكرة مقاطعة العملية الانتخابية التي تصر الحكومة على إجرائها وفقا لهذا القانون، تأييدا لقرار أحزاب الوفد والوطني والأحرار الدستوريين، وبالفعل امتنع عدد كبير من العمد عن تنفيذه.

احتجاجات الطلبة للمناداة بعودة دستور 23

تمرد العمد

كانت البداية في مركز تلا بالمنوفية، حيث أعلن عمد المركز الإضراب، وأرسلوا بذلك برقية إلى وزراة الداخلية، فأوفدت الوزارة مندوبا إلى مديرية المنوفية ليخير موقعي البرقية بين العدول عن الإضراب أو العزل من العمودية، فأصر 10 منهم على الإضراب وصدر قرار الوزراة بعزلهم من مناصبهم، فتضامن معهم بقية عمد المركز وأعلنوا استقالاتهم من العمودية، وسرى الخبر فأعلن العديد من عمد قرى المحافظات الأخرى تأييدهم لمقاطعة الانتخابات.

استشعرت حكومة زيور أن حالة التمرد والعصيان ستتمدد إن لم تتدخل سريعا، فقررت إحالة العمد الممتنعين عن تنفيذ القانون إلى محاكم الجنح لعقابهم بموجب المادة 108 مكرر من قانون العقوبات والتي تقضي بمعاقبة الموظفين أو المستخدمين إذا اتفق ثلاثة منهم على ترك العمل بدون مسوغ شرعي.

انتصر القضاء لموقف العمد المشرف، وقضى بالبراءة، ما شجع باقي العمد على إعلان استقالاتهم من مناصبهم، فأحيلوا إلى النيابة للتحقيق وتم إحالتهم إلى المحاكم التي قضت ببراءتهم.

تعددت مظاهر الاحتجاج في مدن وقرى مصر، وشجع موقف الأمراء والأحزاب والعمد، الشعب على التحرك ضد تعطيل السراي للحياة الدستورية وتعنت حكومة زيور باشا و منهجها القمعى، وفي محاولة لتهدئة الشارع تدخل اللورد لويد المندوب السامي البريطاني الجديد وأشار على الملك فؤاد بإقالة حسن نشأت باشا رئيس الديوان الملكي وصاحب اليد الطولى على الوزارة والأداة التي كان فؤاد يتدخل من خلالها في شئون الحكم فيقيل وزراء ويعين غيرهم ويصدر مراسيم ويفرض إجراءات فحول الحكومة إلى خيال مآتة ترى وترقب ولا تتحرك.

ويرى عبد الرحمن الرافعي أن إقصاء نشأت من منصبه كان إيذانا بسقوط حزب الاتحاد وسقوط الوزارة والتمهيد لعودة الحياة النيابية والحكم الدستوري.

وكان فؤاد قد كلف حسن نشأت باشا مطلع عام 1925 بتأسيس حزب الاتحاد، الذي اتخذ من شعار «الولاء للعرش» مسوغا لتأسيسه ووسيلة لدعايته، وتمكن الحزب الوليد خلال فترة قصيرة من ضم عدد من أصحاب المصالح من نواب وأعضاء الهيئة الوفدية والمستقلين ثم تبعهم عدد من أعضاء حزب «الأحرار الدستوريين» ودعمت السراي الحزب الجديد من أموال الشعب إذا دعت إلى الاشتراك فيه وفي جريدته «الاتحاد» بالإكراه، وكان هذا الحزب هو الداعم لحكومة زيور باشا، وبإقصاء وكيل مؤسسيه من منصبه كرئيس للديوان الملكي انتهى تقريبا دور الحزب في الحياة السياسية ومن ثم سقطت الوزارة.

قوبل إقصاء نشأت باشا عن السراي بابتهاج كبير في البلاد، واعتبر الرأي العام رحيله تمهيدا لعودة الحكم الدستوري. وفي 14 ديسمبر صدر قرار ملكي بتعيين محمد توفيق نسيم باشا رئيسا للديوان الملكي، ومنذ ذلك التوقيت كف الديوان مؤقتا عن التدخل في شئون الحكم.

توافق الأحزاب

أدت الأحداث إلى تقارب بين أحزاب «الوفد» و«الأحرار الدستوريين» و«الوطني»، وظهرت روح طيبة من الدعوة إلى التعاون وتوحيد الصفوف، وتوقفت صحف الأحزاب الثلاثة عن الطعن في خصومها السياسيين، وتغاضى معظم أعضاء الأحزاب عن خلافاتهم القديمة.

وسعى سعد باشا زغلول إلى دعم تلك الروح واستغلالها في الخروج بمواقف موحدة، فدعا أعضاء ونواب الأحزاب الثلاثة إلى حفلة شاي في النادي السعدي مساء يوم 11 ديسمبر من عام 1925، وألقى خلالها خطبة حيا فيها تمسك الأحزاب بعودة الحياة الدستورية ودعاهم إلى البَر بقسمهم والتمسك باحترام الدستور.

وخلال تلك الحفلة جرت مشاورات تأسيس لجنة تنفيذية للأحزاب لتنظيم جهودها المشتركة، وصدر أول بيان عن «لجنة الأحزاب المؤتلفة» بعد أيام لتعلن فيه مقاطعة الانتخابات التي اعتزمت الحكومة إجراءها على أساس قانون الانتخاب الجديد، ودعت إلى عقد مؤتمر وطني عام لبحث أدوات مواجهة «عبث يد الاستبداد بالدستور، والتلاعب بالتشريعات».

وفي عصر الجمعة 19 فبراير من عام 1926 عُقد المؤتمر الوطني بحديقة منزل محمد محمود باشا، وشارك فيه أعضاء مجلس النواب الأخير ومجلس الشيوخ وأعضاء مجالس إدارات أحزاب «الوفد» و«الأحرار الدستورين» و«الوطني» وأعضاء مجالس المديريات والوزراء السابقون، وبلغ عدد الحضور 1097 من السياسيين والحزبيين والمهتمين بالشأن العام.

ترأس سعد باشا المؤتمر وتصدر المنصة الرئيسية وجلس إلى جانبه عدلي باشا يكن، وعبد الخالق ثروت باشا، وألقى رئيس المؤتمر كلمة ذكر فيها الحضور باعتداء زيور باشا وحكومته على الدستور والحياة النيابية، وشدد على ضرورة توحيد صفوف الأحزاب، وعرض مقترح إجراء الانتخابات الجديدة على أساس قانون 1924.

وصدرت عن المؤتمر مجموعة من القرارات على رأسها رفض التصرفات التي أقدمت عليها الحكومة بالمخالفة للدستور، ودعوة الأمة إلى التعجيل بالانتخابات البرلمانية على أساس القانون القديم، وضرورة تأليف وزارة جديدة موثوق بها بعد انعقاد البرلمان الجديد، على أن يتم توقيف النظر في الميزانية وعدم صرف أي اعتماد لا يكون واردا في ميزانية الدولة، حتى تتألف الحكومة الجديدة وينعقد البرلمان الجديد.

أذعنت الحكومة لقرارات المؤتمر الوطني، وصدر يوم 22 فبراير مرسوم جديد بإجراء الانتخابات طبقا لأحكام قانون الانتخاب المباشر، وصدر قرار بإجراء الانتخابات في 22 مايو من سنة 1926.

أجمعت الأحزاب المؤتلفة على ألا تتنافس في تلك الانتخابات حفاظا على وحدة الصفوف، ومنعا للفرقة والانقسام، واتفقت على توزيع الدوائر فيما بينها على أن يتعهد كل حزب بألا يترشح أحد من أعضائه في الدوائر التي خصصت لغيره، وترك لحزب «الوفد» 160 دائرة ولـ«الأحرار الدستوريين» 45 دائرة، ولـ«الوطني» 9 دوائر، وسمح له بمنافسة الوفد في 3 دوائر.

ووقع على الاتفاق سعد زغلول عن حزب الوفد ومحمد محمود عن حزب الأحرار الدستوريين ومحمد حافظ رمضان عن الحزب الوطني.

حصل حزب الوفد في تلك الانتخابات على 165 مقعدا، وحصل «الأحرار الدستوريين» على 29 مقعدا، وخمسة للحزب الوطني، فيما حصد المستقلون  10 مقاعد، وتمكن مرشحو حزب الاتحاد من حصد 5 مقاعد.

إثر تلك النتيجة تقدمت حكومة زيور باشا باستقالتها، وبدأت مفاوضات تأليف الحكومة الجديدة، وأبدى سعد باشا زعيم الأغلبية رغبته في التنازل عن رئاسة الوزارة رغم حصوله على أغلبية مريحة، واتفق مع عدلي يكن وعبد الخالق ثروت على تأليف وزارة ائتلافية بين الوفديين والدستوريين يرأسها عدلي باشا، فيما امتنع الحزب الوطني من المشاركة لـ«مخالفة الوضع الوزاري لمبادئه المعروفة مع قيام الاحتلال» وفقا لما أورده الرافعي في كتابه.

وفي 7 يونيو من ذات العام صدر المرسوم الملكي بتأليف الحكومة الجديدة برئاسة عدلي باشا يكن النائب المستقل الذي اختاره زعيم الأغلبية، وشارك فيها وزراء عن حزب الوفد والأحرار الدستوريين.

انتصار الأمة في الجولة الأولى

وكُلل نضال الأمة باجتماع البرلمان في 10 يونيو من عام 1926 برئاسة حسين باشا رشدي رئيس مجلس الشيوخ وحضر الملك فؤاد جلسة الافتتاح، وتلا عدلي باشا خطابا نوه فيه إلى ضرورة تثبيت الحياة الدستورية، «اعتزمت حكومتي أن تجعل الروح الدستورية قاعدة الحكم وأساس الحريات العامة، كما اعتزمت تقوية نظام الحكم الدستوري وتثبيت أصوله وتوطيد تقاليده».

واجتمع مجلس النواب وانتخب سعد باشا رئيسا، وعقب انتخابه ألقى كلمة أشار فيها إلى وجوب وضع حد للاعتداء على الدستور، «أدعوكم إلى التفكير في وضع تدابير تشريعية لوقاية هذه الحياة الدستورية من التعطيل مرة أخرى، فحياة الأمم تحت حكومة مطلقة ليست حياة مطلقا، وإنما الحياة هي التي يشعر فيها كل فرد من الأمة أنه ليس خاضعا إلا لأمر واحد هو الدستور والقانون».

كانت عودة الحياة الدستورية بعد هذا النضال، انتصارا لأمة كافحت حتى تمكنت من فرض إرادتها على أعداء الحرية، ودليلا على تمسك المصريين في هذا التاريخ المبكر بتأسيس الدولة الحديثة القائمة على الدستور والقانون والحرية، لكن العقبات والمؤامرات ظلت تلاحق تلك التجربة التي تعرضت لانتكاسات مستمرة لم تتوقف حتى اللحظة الراهنة.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق