فن

فايزة أحمد.. الصوت «الألماس» الذى قاوم الموت بالغناء

مرت فايزة أحمد فى حياتنا كنسمة جميلة تركت برقتها وعذوبة صوتها بصمات عميقة في قلوبنا، لتكون بحق كروان الشرق الذي غرد لسنوات.

أسمها فايزة أحمد بيكو الرواس، بنت مدينة صيدا اللبنانية التي ولدت لأب سوري في 5 ديسمبر 1930، وعاشت مع والدتها بعد طلاقها من والدها، وتفتح وجدانها على الغناء بسماع أغاني أسمهان وليلى مراد، حيث أحبت أمها صوتها، إلا أن المدرسة رأت أن الغناء سيفسد أخلاق البنات، ولذلك كرهت فايزة المدرسة في وقت مبكر.

زواج مبكر ونجاح صعب

حين ساءت أحوال الأسرة، ولم تعد الأم قادرة على دفع مصاريف دراسة ابنتها فايزة، اقترح أحد الجيران على الابنة الصغيرة أن تغني في الأفراح لمساعدة أمها في مصاريف المعيشة. وبعد تجرة الغناء في الأفراح، تقدمت فايزة أحمد لاختبار الإذاعة اللبنانية، وبالفعل نجحت في اختبار الأصوات وتعرفت في الإذاعة على ثنائي غنائي هو الشقيقتان أحلام وهيام، فقامتا بدعوتها إلى بيتهما، حيث أعجب أخوهما عمر بها ورأى فيها الفتاة التي ستجلب له الذهب، فتزوجها وأنجبت منه ابنتها الأولى فريال، وهي في الرابعة عشر من عمرها.

في طريق بحثها عن فرص أكبر لتحقيق حلمها مع الغناء، تقدمت فايزة أحمد لاختبار الغناء مجددا، ولكن هذه المرة في إذاعة دمشق، وقد رأى الملحن محمد محسن، الذي كان ضمن فريق اللجنة التي اختبرتها، أنها لا تصلح للغناء، وهو الملحن نفسه  الذي عاد ليتعرف بها ويلحن لها أغنية بعدما شقت طريقها في الغناء بنجاح.

الملحن محمد محسن

لم يتسلل اليأس إلى قلب فايزة أحمد بعد فشلها في اختبار اذاعة دمشق، فتقدمت لإذاعة حلب التي قدمت لها أغنية «قولولي فين الدوا»، وكانت الإذاعة تبث لمدة نصف ساعة على موجة دمشق، وقد تم إعادة بث الأغنية في اليوم التالي على غير عادة لوائح الإذاعة، فاتصل مدير إذاعة دمشق وطلبها لتكون معهم، فسافرت إلى دمشق وأحيت بعدها الكثير من الحفلات. وفي دمشق تدربت فايزة على يد الملحن محمد النعامي، فنجحت وأصبحت مطربة معتمدة في إذاعة دمشق، ثم سافرت إلى العراق والتقت بالملحن العراقي رضا علي الذي لحن لها عدة أغان باللهجة العراقية.

 بعدها جاءها عرض الغناء في أكبر ملاهي مصر 1956، وأخبرها مدير هذا الملهى أنه سيعرّفها بالموسيقار محمد عبد الوهاب، وهذا كان أحد أحلام فايزة أحمد الكبرى حيث كانت تحلم بأن يلحن لها هذا الموسيقار الكبير، وهو ما حدث بالفعل، فقد سمعها عبد الوهاب وأبدى إعجابه بصوتها  ووعدها بالتلحين لها، وهذا ما حدث عدد من أجمل اغانيها مثل «هان الود» و«ست الحبايب» و«حمال الأسية» و«بريئة» وقد قال عنها: «إن صوتها مثل الألماس غير قابل للكسر».

بعد محطة عبد الوهاب التقت فايزة بالموسيقار الكبير محمد الموجي، فشكلا ثنائيا غنائيا ميزهما عن غيرهما، من خلال عدد من الأغنيات التي أحدثت ضجة كبيرة، مثل «بيت العز»، «يا تمر حنة»، «أنا قلبي إليك ميال» و«ياما القمر ع الباب»، و«غلطة وحدة». كما لحن لها كمال الطويل أغنيات عديدة منها «أسمر يا اسمراني» بالإضافة لبليغ حمدي الذي التقى بها ولحن لها عددا من الأغاني، كان منها «عشان بحبك أنا».

حياة خاصة مرتبكة

تزوجت كروان الشرق خمس مرات، حيث كان الزوج الثاني ضابطا في الجيش السوري هو مختار العابد، الذي أنجبت منه ابنيها أكرم وأماني، ثم تزوجت من عازف الكمان عبد الفتاح خيري الذي عرفته من عملها مع الفرقة الماسية، وأعقب ذلك زواجها من الموسيقار محمد سلطان 1964 حيث بدأت قصة حبهما حين التقيا صدفة في بيت فريد الأطرش، حيث كانت فايزة وقتها في أوج شهرتها، بينما كان محمد سلطان عازف عود ومغنيا وملحنا بالإضافة لكونه ممثلا بسيطا. ويحكي محمد سلطان عن لقائه الاول بفايزة فيقول: «جذبني عطفها وحنانها ومساعدتها للفقراء والمحتاجين فهي عظيمة محبة للخير وليست شخصية أنانية ولا محبة للمال، كما أنها تتعامل بعفوية على الفطرة ودمعتها قريبة».

 استمر زواجها من سلطان 17 عاما، وقد لحن لها العديد من الأغاني، كان أولها «أؤمر يا قمر» ليستمر التعاون الفني بينهما   والذي أثمر عشرات الألحان. وقد كان يشاع أنها تساعده  في التلحين، إلا أنه أثبت نفسه في التلحين لها ولغيرها من المطربين. أنجبت منه ابنيها التوأم طارق وعمر لكنها انفصلت عنه عام 1981، لترتبط بزوجها الخامس وهو ضابط مرور كان يصغرها بأكثر من عشر سنوات ،وكان يعاملها بشكل سيء بالضرب والإهانة، لدرجة أنه كاد يلقيها من الطابق السادس هي وابنتها فريال  حين جاءتها في زيارة من أمريكا، وقد وقف زوجها السابق محمد سلطان إلى جانبها حيث ساعدها في تقديم محضر بالاعتداء والضرب، ثم توسلت فايزة  اليه  لإنهاء العلاقة، فقام بابتزازها، فاضطرت لتنفيذ طلباته فخسرت كل ما تملك تقريبا  مقابل الطلاق، وقد أثرت تلك المحنة على حالتها النفسية، فأصيبت بانهيار عصبي، ثم تطور مرضها لتصاب بالسرطان ،فسافرت إلى الولايات المتحدة للعلاج حيث خاضت رحلة علاج مريرة باءت بالفشل. ثم عادت لتستأنف علاجها في مصر، كماعاد محمد سلطان للوقوف إلى جانبها في أيامها الأخيرة حيث نقلها للمستشفى ونامت على صدره تسأله عن عمرها ليندهش هو من سؤالها، فتخبره: «عمري 17، وهي السنوات التي قضيتها معك كزوجة» لتفارق  الحياة في 1983.

الغناء على كرسى متحرك

في حوارها الأخير1982 مع عائشة صالح، قالت فايزة أحمد إنها عاشت عمرها كله تتمنى لحظة حنان، فزوجها الأول خطف منها ابنتها وهي بعمر الست سنوات حيث أودعها في مدرسة داخلية في بيروت، وكانت فايزة كلما تشتاق إليها تنظر إليها من خلف سور المدرسة، ثم زوجها الثاني الضابط السوري الذي أخذ ولديها إلى سوريا ومنعها من رؤيتهما، فلم ترهما منذ سنين ورحلت  فايزة دون أن تراهما.

وقد أفرغت فايزة أحزانها في آخر ما لحن لها رياض السنباطي وهو أغنية «لا يا روح قلبي»، وهي آخر ما لحن السنباطي وكتب حسين السيد، حيث غنتها فايزة بأجمل ما يمكن، رغم تمكن السرطان منها. وكان قد أكمل تنفيذ المقدمة و الفواصل أحمد السنباطي ابن رياض وكان متزوجا من ابنتها فريال، وكانت سعيدة بأن تغني من ألحان السنباطي، وقد أدت الأغنية وهى تجلس على كرسى متحرك ،وكانت فايزة قد تنافست من قبل مع وردة على أغنية من تلحين السنباطى هى «لا تقلي ضاع حبي من يدي»، بينما ذهبت الأغنية لوردة، وكانت قد دخلت سباقا في أغنية انتظار من ألحان السنباطي وكلمات إبراهيم ناجي، بينما كانت الأغنية من نصيب سعاد محمد.

النجاح الغنائي لفايزة أحد دفع  صناع السينما لاستغلال صوتها ونجاحها في الغناء  في  أعمال سينمائية، حيث شاركت بالتمثيل والغناء في سبعة أفلام هى «تمر حنة» و«امسك حرامى» و«المليونير الفقير» و«ليلى بنت الشاطىء» و«عريس مراتى» و«انا وبناتى» و«منتهى الفرح». وكان أنجح حضور سينمائي لها في فيلم «أنا وبناتي» الذي قدمت فيه مجموعة مميزة من الأغاني «بيت العز يا بيتنا» و«تعالالي يابا تعالالي»، وكان «منتهى الفرح» هو آخر أفلامها في عام 1963. غير أنها كانت دائما ما تبدى ندمها على عملها فى السينما.

وأخيرا نذكر هنا ما قاله الكاتب الراحل أنيس منصور عن فايزة بعد رحيلها فى سبتمبر من عام 1983: «رحلت وهي لا تعرف أن صوتها كان الأجمل بعد كوكب الشرق أم كلثوم»…. رحمها الله.

نص: بلال مؤمن

تحريك ومونتاج: عبد الله محمد

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: