منوعات

من مرج دابق إلى التل الكبير.. خيانات حاسمة

عرف تاريخ مصر، والمنطقة بشكل عام، معارك عدة، لم يكن العامل الحاسم فيها أو العامل الذي أدى لتفوق طرف على آخر، هو كثرة السلاح أو العتاد أو حتى التفاوت في عدد الأفراد. وإنما كان ببساطة خيانة الأقرباء والأصدقاء، أي تخلي فئة بعينها عن واجبها في الدفاع عن الوطن وتركه للأعداء في مقابل مكافأة ما، سواء كانت مادية أو الوعد بمنصب رفيع.

يستعرض هذا المقال معركتين حاسمتين، غيّرت كل منهما تاريخ مصر لسنوات طوال، وكان العامل المشترك الأساسي بينهما هو الخيانة، وهما معركة مرج دابق ومعركة التل الكبير.

مرج دابق.. وخاين بك

إذا ما بدأنا بمعركة مرج دابق، سنجد مشهدا متكافئا إلى حد ما بين كلا القوتين المتحاربتين: سلطنة المماليك في مصر والشام من جهة ودولة بني عثمان الناشئة من جهة أخرى.

لم تكن تلك المواجهة هى الأولى بين الطرفين، حيث سبق أن سعى بنو عثمان للتوسع في الشام في عهد سلطانهم بايزيد الثاني، ووقعت حرب بين الطرفين كان النصر فيها حليف المماليك، وأدت إلى صياغة معاهدة بين الطرفين رسّمت الحدود بينهما.

إلا أن شهوة التوسع إنتقلت من الأب بايزيد إلى ولده سليم الأول، الذي ما أن فرغ من الصراع مع دولة الصفويين في بلاد فارس، وتمكن من إلحاق الهزيمة بها في موقعة جالديران عام 1514م، حتى مد بصره إلى دولة المماليك التي كانت تضم في ذلك الحين كلاً من مصر والشام وشبه الجزيرة العربية، ناهيك عن أن القاهرة كانت مقر آخر من تبقى من خلفاء بني العباس، مما أضفى على دولة المماليك قدراً من الشرعية لم يكن متوافراً لبني عثمان.

السلطان سليم الأول

تنبه سلطان المماليك قنصوه الغوري إلى الخطر القادم والداهم، خاصة بعد إستيلاء العثمانيين على مرج دابق، وانطلاقاً من إدراكه أن الشام هي خط الدفاع الأول عن مصر، إنطلق بقواته إلى هناك حيث التقى  الجيشان في موقعة مرج دابق في 24 أغسطس 1516.

في بداية المعركة، إستحضر المماليك كل ما تعلموه من فنون الفروسية والقتال في «الطباق» المصري، أي في ثكناتهم العسكرية التي نشأوا وتدربوا فيها، وتمكنوا في باديء الأمر من إلحاق خسائر فادحة بفرسان العثمانيين.

أدرك سليم الأول أن المواجهة المباشرة مع المماليك ستقود جيشه إلى الفناء، فلجأ إلى سلاح أخر أكثر فتكاً، وهو إستغلال الخلافات التي طالما كانت داءً في الجسد المملوكي.

أثمرت خطة سليم الأول حين دب الخلاف بين أمراء المماليك وحدث شقاق في معسكرهم، وكان أداة بني عثمان في اذكاء نار الفتنة هو خاير بك والي حلب، والذي تمكن سليم الأول من شراء ولائه قبل المعركة.

إنحاز خاير بك بميسرة الجيش المملوكي التي كان يقودها إلى العثمانيين، وأشاع في صفوف المماليك أن الغوري قد قُتل، الأمر الذي أدى إلى حدوث إضطراب شامل، وإضطر معه بعض قادة جيش المماليك إلى التقهقر والانسحاب.

أدرك الغوري أن الهزيمة باتت محققة، لا لتخاذل أو ضعف في الدفاع، بل لأن حلفاءه –ببساطة- قد تخلوا عنه، فسقط صريعا من هول الصدمة، وحرص من تبقى من المخلصين من أتباعه على إخفاء جثته كي لا يمثل بها العثمانيون.

الخيانة تهزم طومان باى

لم تقف الخيانة عند خاير بك الذي أسماه المصريون في سخرية واضحة (خاين بك) بل امتدت أيضاً إلى والي دمشق جان بردي الذي تحالف مع سليم الأول.

فحين وصلت نتائج المعركة إلى القاهرة، مقر السلطنة، لم يجد من تبقى من أمراء المماليك مفرأً من اختيار سلطان جديد خلفاً للغوري واستقر رأيهم على نائب السلطنة وابن شقيق السلطان، الأمير طومان باي.

كان طومان باي يدرك مدى الانحلال الذي أصاب دولة المماليك ولذلك رفض قبول منصب السلطنة في بداية الأمر بسبب ضعف الموقف العام وتشتت قلوب الأمراء، إلا أن هولاء الأمراء أقسموا له على المصحف الشريف على الولاء فقَبِل بعد تردد منصباً كانت مغارمه أكثر من مغانمه.

حاول طومان باي وقف التقدم العثماني في غزة، لكن سلاح بني عثمان المتطور المتمثل في البنادق ضمن كسب هذه الجولة.

أدرك طومان باي أنه لم يبق أمامه سوى محاولة رد العثمانيين على أبواب القاهرة، فكانت معركة الريدانية في يناير من عام 1517 التي قادها بنفسه واعتمد فيها على من تبقى من المماليك وعلى أهالي مصر الذين إنضموا إليه ولبوا نداءه، كما يذكر مؤرخو تلك الفترة وعلى رأسهم إبن إياس.

كانت خطة طومان تقضي ببساطة بالاعتماد على تحصينات الريدانية وحفر الخنادق لوقف العثمانيين، لكن الخيانة هنا أيضا لعبت دورها الحاسم، حيث تمكن جان بردي الذي كان على خلاف مع طومان باي من تسريب الخطة إلى سليم الأول الذي التف على تحصينات المماليك.

جان بردي

ورغم هذه الخيانة إلا أن طومان باي ومن معه قاتلوا قتالاً شديداً في الريدانية وتمكنوا من قتل سنان باشا وزير سليم الأول ظناً منهم أنه سليم، وكبّدوا العثمانيين خسائر فادحة، إلا أنهم في النهاية اضطروا إلى التقهقر نظراً لانكشاف ظهورهم.

حاول طومان باي بعد دخول العثمانيين القاهرة، تنظيم صفوف أنصاره وشن معارك أخرى ضد العثمانيين، وكان سليم الأول يدرك مدى خطورة وجود طومان كقائد للمقاومة ضده ولذا جعل همه الأول أسر هذا السلطان المملوكي قبل أن يوطد حكمه في مصر.

وهنا فعلت الخيانة فعلتها للمرة الثالثة على التوالي، حيث وشى حسن بن مرعي شيخ عربان البحيرة به إلى سليم الأول، بعد أن لجأ إليه طومان باي، فاقتيد طومان باي الذي ظل يقاتل حتى تلك اللحظة إلى باب زويلة وأعدم هناك شنقاً في 23 أبريل 1517 م، وسط عويل ونواح العامة من المصريين الذي حزنوا عليه حزناً شديداً.

إن استمرارية مقاومة المصريين بقيادة طومان باي ومن بقوا مخلصين له من أمراء المماليك كشادي بك مثلاً، تكشف عن امكانية كانت متوافرة لدحر القوات العثمانية، لو أن هذه المقاومة كانت أكثر تنظيماً، بل إنها على إمكانياتها البسيطة ألحقت بجيش سليم الأول خسائر دفعته في لحظة ما للتفكير في عرض الصلح على طومان باي، إلا أن الخيانة حققت لبني عثمان ما لهم يحققه سلاحهم المتطور، ومكّنتهم من حكم مصر قروناً عدة، وكانت فاتحته كما يذكر ابن زنبل وابن اياس وغيرهما من المؤرخين، مذبحة راح ضحيتها عشرة الاف من أهل البلاد في أربعة أيام لا غير، ناهيك عن نهب المحتويات الثمينة والقيمة لمساجد القاهرة، وعلى رأسها مسجد السيدة نفيسة.

التل الكبير .. وخيانة الباشاوات

ورغم الفارق الزمني الذي يتجاوز ثلاثة قرون ،إلا أن المرء يمكن ان يرى أوجه الشبه بين ما حدث في القرن السادس عشر ،وبين ما حدث في معركة التل الكبير في ثمانينات القرن التاسع عشر.

حيث جاءت موقعة التل الكبير بعد صراع بدأ قبلها بعام كامل، صراع بين الحركة الوطنية الطامحة في الدستور والسيادة الوطنية والعدل الاجتماعي وبين الخديوي توفيق المدعوم من القوى الاستعمارية وعلى رأسها بريطانيا وفرنسا، ومن فئة كبار ملاك الأراضي الزراعية.

لم يعش تحالف الوطنيين بقيادة ضباط الجيش وعلى رأسهم احمد عرابي مع فئة كبار الملاك، سوى بضعة أشهر تلاقت فيه مصالح الطرفين على طلب الدستور والحكم النيابي. إلا أن إصرار العرابيين على مناقشة ميزانية البلاد التي كانت بيد الأوروبيين وتطلعهم إلى اقامة حكم جمهوري وإنهاء حكم أسرة محمد علي، ورغبتهم في انصاف الفلاحين الذين كانوا أبرز مؤيديهم وإنقاذهم من السخرة وديون المرابين الأجانب، كان أكثر من قدرة الباشاوات على التحمل.

وظهر الشرخ في هذا التحالف حين لاحت القوات البريطانية في مياه الإسكندرية، وحين صبت المدافع الإنجليزية نيرانها على المدينة في في الحادي عشر من شهر يوليو من عام 1882.

هنا وقف الباشاوات بشكل واضح مع الخديوي ،الذي قرر أن يكون في حماية الغزاة البريطانيين، ورغم التفاف معظم مكونات الشعب المصري كالفلاحين وعلماء الأزهر والكنيسة الأرثوذكسية والمتعلمين من «الأفندية» وغيرهم حول العرابيين، إلا أن الصمود لم يدم طويلاً، بفعل السلاح الأكثر مضياً.. الخيانة.

ديلسبس وعبد الغفار.. الخائنان

جاءت الضربة الأولى من اسطنبول متمثلة في فرمان من السلطان العثماني، سعت بريطانياً جاهدةً لاستصداره منه، يصف عرابي ورفاقه بالعصاة مما فت في عضد كثير من الجنود والضباط.

ثم استخدم التحالف المعادي للثورة أخطر الأسلحة وأشدها فتكا.. سلاح الذهب، الذي إستطاع بواسطته استمالة ضباط في الجيش مثل أحمد عبد الغفار وغيره. ترك هولاء الضباط مواقعهم في معركة التل الكبير مذللين العقبات أمام الغزاة الإنجليز ،وزاد الطين بلة أن سلطان باشا، رائد الحياة النيابية، والذي تحالف مع العرابيين في بداية الأمر، استخدم ثروتة الطائلة لدفع رشاوى لبعض مشايخ البدو لارشاد الإنجليز إلى مواقع الجيش المصري.

واكتمل الغدر بسماح فرديناند ديلسبس للقوات الانجليزية بعبور قناة السويس رغم تعهده السابق لعرابي بحيادية القناة.

كل هذا أثمر مفاجأة القوات المصرية المرابطة في التل الكبير، ورغم الصمود الأسطوري لبعض قادة الجيش كالبطل الشهيد محمد عبيد الذي صمد على مدفعه في مواجهة الغزاة حتى نال الشهادة، إلا أن الخيانة هنا كما في مرج دابق، فعلت فعلتها ومهدت الطريق للمحتلين.

واكتمل الاحتلال بدخول الغزاة القاهرة في سبتمبر 1882، لتبدأ صفحة قاتمة من تاريخ مصرامتدت 74 عاماً.

لكن الثابت في كلا الموقعتين هو أن الشعب المصري كان على أتم الاستعداد لاستكمال النضال ضد الغزاة، لكن يد العون التي قدمها بعض أبناء البلاد للعدو كانت أشد مضاء وأكثر قوة من أي سلاح، وتبقى النتيجة أن بعض بني جلدتنا يكونون عادة أقسى على أوطانهم من أي محتل وينطبق عليهم الوصف القرآني «هم العدو فإحذرهم».

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: